مسكين المودع الذي ضاع جنى عمره بين كذب الحكومات المتعاقبة وكذب إدارة المصرف المركزي، لكن المسكين الأكبر هو من يظن أن مجلس النواب حقاً يحمي مصالح الشعب. منذ 13 شهراً والأزمة تزداد حدة، من دون أن يقوم المجلس النيابي بأبسط أدواره لناحية حماية الناس ولقمة عيشهم ومدّخراتهم، ومساءلة الحكومة إن هي قصّرت.

قانون الكابيتال كونترول لم يبصر النور بعد. مرّت ستة أشهر على سحب الرئيس نبيه بري لاقتراح القانون من التداول بحجة وجود ملاحظات عليه من حاكم مصرف لبنان ومن صندوق النقد الدولي (لا يزال المشروع عالقاً في اللجان). والأمر لم يقف عند هذا الحد. عندما كان يجب أن يحاسب من فشل في إدارة النقد وحماية استقرار الليرة، ليس عبر زجه في السجن، بل على الأقل عبر إقالته أو حتى الطلب منه أن يستقيل، خرج بري من القصر الجمهوري ليعلن أن البلد بحاجة إلى الجميع، من دون أن يعرف حتى اليوم ما هي القيمة المضافة التي قدمها رياض سلامة، الذي لا ينفك يبرّئ نفسه من كل ما يجري، محمّلاً المسؤولية حيناً للحكومة وحيناً للمصارف، من دون ينسى، مع ذلك، التأكيد أن الأمور تحت السيطرة وأن أموال المودعين في الحفظ والصون وأن الدولار لا يزال بـ1515 ليرة.
المجلس النيابي هو آخر الغيث لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن الإنقاذ لا يمكن أن يكون على شاكلة توصية حق يراد بها باطل. تعميم تجربة التدقيق الجنائي على كل الإدارات، لم تكن وظيفته سوى حماية سلامة وطبقة المنتفعين من سياساته، من التدقيق في حساباته هو. آليات التدقيق في المؤسسات والهيئات والإدارات الحكومية سهلة وممكنة متى وجدت الإرادة لذلك، لكن مصرف لبنان هو وحده الذي لا أحد يعرف ما يدخل إليه وما يخرج منه. لو كان المجلس حريصاً فعلاً على كشف مكامن الخلل والفساد في إدارة المصرف المركزي، لكان أمكنه ببساطة أن يخرج اقتراح القانون المقدم من القوات اللبنانية بتعليق العمل بالسرية المصرفية في كل ما يتعلق بالتدقيق المالي والجنائي في حسابات المصرف المركزي ويقرّه، بدلاً من الذهاب إلى توصية لا قيمة لها في هذا السياق. جلّ ما فعلته تلك التوصية هو نقل تحويل النقاش من رفض سلامة الكشف عن حسابات مصرف لبنان إلى تأكيد فتح حسابات الدولة أمام التدقيق.
في السياق نفسه، أصدرت رئاسة مجلس الوزراء تعميماً، أمس، تطلب فيه من جميع المؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والإدارات ذات الموازنة الملحقة… والتي تملك حسابات في مصرف لبنان، إجراء ما يلزم مع هذا الأخير في سبيل إخضاع حساباتهم للتدقيق الجنائي المطلوب.
ذلك أيضاً تعميم بلا قيمة، يضاف إلى رسالة وزير المالية إلى مصرف لبنان. أولاً لم يعد هنالك أي جهة أو شركة تقوم بالتدقيق الجنائي، وثانياً لا يزال مصرف لبنان هو من يقرر ما يمكن كشفه من معلومات وما يمكن إخفاؤه، وقد فعل ذلك مع شركة ألفاريز أند مارسال، حتى في ما يتعلق بالمعلومات التي لا يمكن أن تكون مشمولة بالسرية المصرفية.
الأسوأ أن الحكومة التي ظلت مصرّة على عدم تحمّل مسؤولية أي قرار يتعلق بترشيد الدعم، وجدت في الدعوة إلى جلسة أمس، خشبة خلاص لها، تعفيها من أي قرار غير شعبي، قبل أن يتبيّن أن النواب بدورهم، وهو البديهي، ليسوا قادرين على الحلول مكان السلطة التنفيذية أو مكان مصرف لبنان الذي يرفض بدوره تحمّل المسؤولية، علماً بأن في الجلسة من أصرّ على إصدار توصية بشأن الدعم، لا وظيفة لها سوى تحرير رياض سلامة من مسؤولياته.
وبنتيجة عدم وضوح وجهة الجلسة وانقسام النواب بين إراحة رياض سلامة من عبء القرار (قاد هذا المحور نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي) وبين محمّل المسؤولية له (قاد هذا المحور النواب جميل السيد وحسن فضل الله وكتلة القوات وكتلة التيار الوطني الحر جزئياً)، تحولت سريعاً إلى سوق عكاظ تناوب فيها النواب على الكلام. وكان واضحاً في خلاصتها رفض النواب تحمّل مسؤولية ليست من مهامهم. ولذلك، لم يجد النواب الثمانون أمامهم سوى رد الكرة إلى ملعب الحكومة والمصرف، فطالبوها بتقديم تصور أو مشروع، بالتنسيق مع مصرف لبنان، وعرضه على المجلس النيابي.

شاهين: شركتا التدقيق تُحصيان الذهب حالياً


سلامة لم يجد أي جدوى من التوجّه إلى الجلسة. أوفد نائبه الثالث، سليم شاهين. والأخير الذي حرص على إعلان أنه يمثل المجلس المركزي لمصرف لبنان لا حاكمه، قال إنه اطّلع مع زملائه، عند تعيينهم وبحكم عملهم، على الحسابات التي يملكها المصرف في الخارج، وقد تبيّن أن مجموعها الحالي يبلغ 17.9 مليار دولار، منها 17.1 مليار دولار احتياطيات إلزامية للمصارف، ما يعني أن الاحتياطي القابل للاستخدام من وجهة نظر المصرف هو 800 مليون دولار فقط. شاهين أعلن أيضاً أن شركتي التدقيق المالي KPMG وOliver Wyman تعملان حالياً على إحصاء الذهب، مشيراً إلى أن ذلك لم يحصل منذ العام 1996. كذلك قال إن 60 في المئة من هذا الذهب موجودة في لبنان، فيما الـ40 في المئة الباقية موجودة في الولايات المتحدة.
إلى أن يتم الانتهاء من هذه المهمة، فإن الواقع يشير إلى أن المبلغ المتبقي (800 مليون دولار) يقارب عملياً كلفة الدعم لمدة شهر واحد، لكن بعد تقليص الدعم عن الكثير من المنتجات، وتقلّص الاستهلاك، يمكن أن يكفي لشهرين. وهو ما أشار إليه سلامة في مقابلته مع تلفزيون «العربية - الحدث».
وزير المالية كان أشار في الجلسة إلى أن مسألة الدعم تراوح بين ثلاثة احتمالات: إما الاستمرار في الدعم، أو توقيفه أو ترشيده. ولما كان الخيار الأول غير مضمون النتائج مع إمكان نفاد الدولارات، وبما أن الخيار الثاني سيسبب كارثة اجتماعية، فإن التوجه صار محسوماً نحو ترشيد الدعم، مع إمكان طرح مسألة البطاقة التموينية أو التمويلية، التي سيكون صعباً تحديد المستفيدين منها.
في المجلس المركزي، عندما نوقشت مسألة البطاقة، كان التوجه من اثنين؛ فنظراً إلى صعوبة تحديد المستحقين للبطاقة، اقتُرح أن يتم تحديد غير المستحقين، على اعتبار أن ذلك سيكون أسهل، وهامش الخطأ فيه أقل بكثير. أما سلامة، فكان ميالاً إلى اقتراح أشمل، بحيث يتم إعطاء البطاقة لكل اللبنانيين، بما يعني مباشرة تخفيض عدد المستفيدين من الدعم نحو مليون و٨٠٠ ألف مواطن سوري وفلسطيني (على أن تتولى الجهات الدولية المعنية دعمهم)، كما يتوقع سلامة أن يحجم عدد كبير من غير المحتاجين عن التقدم للحصول على البطاقة، بما يضمن عندها الوصول إلى عدد منطقي للمستفيدين، بهامش خطأ أقل.
كل ذلك جُمّد أمس، بانتظار تقدّم الحكومة باقتراح أو تصور لكيفية رفع الدعم، ليصار إلى مناقشته في الاجتماع المقبل للجان (الأسبوع المقبل أو الذي يليه). إلى ذلك الحين، فإن التوجه صار شبه محسوم لإجراء تخفيض كبير في لائحة المواد الغذائية المدعومة، إضافة إلى حصر دعم الدواء بأدوية الأمراض المزمنة، فيما يتوقع أن ينخفض دعم الوقود بشكل كبير.



السيد: لعزل سلامة لأسباب طبية
«نجما» الجلسة امس كانا النائبين حسن فضل الله وجميل السيد . الاول رفض «وضع اللبنانيين بين أمرين: إما المسّ بالاحتياط الإلزامي وأموال المودعين، أو المس بقوت الفقراء من خلال رفع الدعم». وفي موضوع الاحتياط الإلزامي، قال فضل الله: «كيف نناقش هذا الموضوع في ظل غياب أي أرقام حقيقية أو معطيات كان يفترض أن يقدمها المصرف المركزي؟»، وتابع: «هذا الموضوع لا علاقة لنا به كنواب، ولا يمكن مناقشته في المجلس واتخاذ أي موقف قبل تقديم المعطيات الصحيحة». وقال فضل الله «هناك من تسبّب في الوصول الى الأزمة الحادة التي وصلنا إليها، من خلال السياسات المالية والنقدية، ومن خلال الارتكابات المالية، ولا يمكن اليوم أن يتم تحميل المسؤوليات لمن لا علاقة له بها. فهناك طغمة مالية سياسية أوصلتنا الى ما وصلنا اليه، وعليها أن تتحمّل المسؤولية وأن لا ترمي هذه الاتهامات على الناس».
أما النائب جميل السيد، فاعتبر أن «عدم حضور حاكم مصرف لبنان هو إهانة للمجلس، وأن الحكومة تستعملكم ممسحة في موضوع هو من شأنها واختصاصها». وأضاف: «قلنا إن الدعم هو لـ 250 مادة. نسمع في التلفزيونات عن تهريب الدواء والمازوت والطحين وسوء إدارته وغيره، وحتى تهريب خبز. هل سمعتم عن قاض تحرك أو قضاء قال لنا قبضنا على فلان، وبعد ذلك لا شيء». وسأل: «من يغطّي هؤلاء الأقوياء الذين يسرقون مال الناس. عندما يدعمك مصرف لبنان يعطيك من أموال الناس التي عنده. وأضاف: «ليس هناك عمل يوازي أو يحاكي حجم الأزمة التي نحن فيها. وقلت لهم ارفعوا الجلسة وخذوا 48 ساعة، وطالبوا الحكومة بعقد جلسة طارئة مع مصرف لبنان تقدمون خلالها اقتراحاً للدعم ونحن نناقشه بما يلائم متطلباتنا، نزيد أو ننقص، وفقاً لاحتكاكنا بالناس».
وقال السيد إذا كان الحاكم يقول منذ 10 أعوام و5 أعوام و4 أشهر و3 أشهر إن الليرة بألف خير والدولار بألف خير والاحتياط بألف خير ولا تخافوا على أموالكم. وقال بالأمس إن الأزمة المالية في لبنان أصبحت وراءنا. هذا عنده سبب صحي جدّي، يعني ليس معقولاً أن إنساناً وضعه طبيعي يقول هذا الكلام، إنه حاكم مصرف لبنان، وهو في حال إنكار، وفي إمكان الدولة إزاحته لسبب صحي».
بدوره، قال النائب إبراهيم كنعان إن ما يجري في الجلسة هو تصريحات وإطلاق مواقف وليس مناقشات، مشيراً إلى أنه «كان على الحكومة أن تأتي باقتراح عملي وتوزعه على النواب، ولكن هذا لم يحصل».
أمين سر كتلة اللقاء الديمقراطي النائب هادي أبو الحسن، أعلن أنه «آن الأوان لنطرح السؤال، ماذا سنفعل؟ مصرف لبنان أعلن أنه لم يعد لديه سوى شهرين لتوفير الدعم للبنانيين، وبعض المعطيات التي تسرّبت تشير إلى أننا لامسنا الخط المحظور للمسّ بالاحتياطي الإلزامي».
ولفت أبو الحسن إلى أن «المطلوب تأليف حكومة، كما والتشديد على القيام بالإصلاحات، ومن ثم استقدام المساعدات، لكن في ظل التعثر السياسي الحاصل، ندعو حكومة تصريف الأعمال إلى تحمل المسؤولية والالتئام واتخاذ القرارات». وقال إنه «لا حل اليوم إلّا باتخاذ قرار وطني وشامل بترشيد الدعم، بحيث يوجّه إلى أصحاب الحاجة الفعليين، وتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، وحماية ما تبقى من أموال اللبنانيين».
وميّز النائب محمد الحجار بين الاحتياط الإلزامي والتوظيفات الإلزامية. وقال إن الاحتياط الإلزامي يطلبه البنك المركزي من المصارف المحلية، التي تضع أموالا بنسبة معيّنة بالعملة الوطنية بفائدة صفر في المصرف المركزي، بينما 17 مليار دولار هي توظيفات إلزامية وليست احتياطاً إلزامياً. وقال: «النقاش يجب أن يكون ضمن خطة كاملة نتفق من خلالها مع صندوق النقد، والأولوية تبقى لتأليف الحكومة، وسياسة الدعم المرشد لا يمكن أن تنفع إذا لم يترافق معها وقف التهريب».
وأكد عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب علي حسن خليل أن «مجمل ما تستفيد منه الطبقات الفقيرة والمتوسطة من الدعم لا يتعدى 25%، والدعم لا يطال بغالبيته الأسر الأكثر فقراً، فهناك 155 ألف أسرة تحت السقف الأعلى للفقر، و260 ألف أسرة تحت خط الفقر الأدنى، وبالتالي لدينا نصف الشعب اللبناني مصنّف من الفقراء غير المقتدرين على تأمين معيشتهم في الظروف الحالية». وقال: «واجبنا الدفع باتجاه دعم الطبقات الفقيرة مباشرة بشكل لا يضيع 75% من الدعم إلى الأجانب أو الطبقات الميسورة التي يمكن أن تتحمّل هذا الفرض»، مشدّداً على أن «هذا الأمر بالنسبة إلينا لا يمكن أن يتأمّن الا من خلال تشريعات قانونية ضامنة لحماية العوائل الفقيرة».
وتطرق النائب أمين شري إلى موضوع التحقيق الجنائي، متمنّياً على بري أن تكون هناك جلسة خاصة لمناقشة أو لمساءلة المصرف المركزي في سياسته التنفيذية والمالية في السنوات السابقة في موضوع الدعم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا