من الشروط الواجبة وأضحت معتادة في لعبة تأليف الحكومات، أن لا يوحي أيّ من شركائه الثلاثة الفعليين، رئيس الجمهورية والرئيس المكلف والكتل الرئيسية، بأنه على عجلة من أمره للوصول إليها. قبل الرئيس سعد الحريري، استعجلها سلفه الرئيس المكلف مصطفى أديب، آخذاً بزخم المبادرة الفرنسية وزيارتَي الرئيس إيمانويل ماكرون لبيروت، ما برّر اعتقاده بسهولة التأليف فوقع في الحفرة. بدوره الحريري الخلف، أعطى مهلة عشرة أيام للتأليف، وأعقبها بأربعة اجتماعات مع رئيس الجمهورية ميشال عون، كان خامسها البارحة، وتحدث على الدوام عن أن مهمته مقصورة على المبادرة الفرنسية ضمن مهلة قصيرة، على غرار ما كان يقوله أديب، لكن برأس مختلف. فإذا هو يلقي بنفسه في الحفرة نفسها. إلى الآن على الأقل، ليس ثمة ما يشير الى مغزى العجلة أو جديّتها، كأن الرئيس المكلف لا يزال في اليوم الأول، رغم التداول المجتزأ والمقسَّط لحجم الحكومة وحقائبها وحصصها.

في نهاية المطاف لم تكتمل الصفقة، رغم انطلاق الحريري من المفتاح الذي أخفق أديب في حمله، وهو التفاهم مع الثنائي الشيعي على حقيبة المال وتسميته وزراءه. سرعان ما تأكد أن هذا التفاهم، كما تكرار اللقاءات مع رئيس الجمهورية، غير كافيين تماماً كي تبصر الحكومة النور. ناهيك بسبب إضافي فسَّر ضمناً التعثر، عبّر عنه في توقيت واحد بيانان متشابهان، أحدهما للرئاسة اللبنانية بنفيه وجود طرف ثالث في مشاورات الرئيسين مسمّياً النائب جبران باسيل دون سواه كي يؤكد اقتصار المشاورات عليهما فقط، وبيان آخر لباسيل يدحض ما يثار عن علاقته بمشاورات التأليف لتبرير اتهامه بالعرقلة وإخفاء هوية المعرقلين الآخرين.
ما رمى إليه البيانان ــــ سوى تأكيد عدم صلة باسيل بالمشاورات ــــ تبديد الانطباع بأن التأليف في مأزق، عبر إظهار استمرار التشاور بين الرئيسين كما لو أنهما هما اللذان يؤلّفان، ووحدهما بصفتهما صاحبَي الصلاحية الدستورية. في الوقت نفسه، دحض البيانان ضمناً كل إشارات التفاؤل الى قرب ولادة الحكومة. سبب إضافي للقول بأن الرئيسين ليسا وحدهما مَن يؤلف الحكومة، أي حكومة، وفق التقليد المتبع منذ اتفاق الدوحة عام 2008.
موقف من هذا القبيل سمعه بعض زوار باسيل قبل عطلة نهاية الأسبوع، بجزمه أن لا حكومة خلال أيام قريبة، عازياً اعتقاده الى أن لا اتفاق بعد على أي من مقوّمات التأليف، عدداً وحقائب وحصصاً. أكد أن لا تواصل بينه وبين الحريري، مع لفته الى مسعى لرئيس مجلس النواب نبيه برّي قبل الاستشارات النيابية الملزمة لجمعهما في عين التينة أو في قصر بعبدا استباقاً لها، بيد أنه لم يوافق تفادياً لإحراجه بمصالحة مع الحريري لا يريدها قبل الاستشارات الملزمة، كي يكون متحرراً بموقفه منه، وهو أن لا يسمّيه. أما مشاركته في المشاورات مع الرئيس المكلف، فليست سوى التزام إجراء دستوري. حتى اللحظة، لا يزال يفضّل رئيساً مكلفاً سوى الحريري الذي يسمّيه لإمرار المرحلة الصعبة المقبلة.
يختصر موقفه من جهود التأليف التي يصرّ على أنه مبتعد عنها: «لا أسأل الرئيس، ولا هو يجيب، ولا أقول إذا عرفت».
يصبّ كل هذا الفحوى في أن الأطراف المعنيين بالتأليف ليسوا مستعجلين. بينهم مَن ينتظر نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية وهوية الرئيس المقبل في ضوء المواقف المعلنة لكلا المرشحين المعلنين: الرئيس دونالد ترامب ومنافسه جو بايدن: عند حزب الله نبرة عداء بايدن حيال السعودية تريحه وتطمئنه الى احتمال فتح صفحة جديدة في الحوار مع إيران، فيما الموقف المتصلب لترامب من الجمهورية الإسلامية يمنح الحريري نَفَسَاً معاكساً بتسعير التصعيد ضدها. بذلك يربط فريقا التأليف الداخلي مصير الحكومة بما يجعلهما يعتقدان بأن لنتائج الانتخابات الأميركية تأثيراً مباشراً على الوضع الإقليمي، الذي يعني كلاً منهما، لكن على طريقته.
ربما يصحّ تبرير رهان حزب الله أكثر منه الحريري، نظراً الى انخراطه في الحروب المتنقلة في المنطقة، فيما رئيس تيار المستقبل، أكثر من أي وقت مضى، بلا أي ظهير إقليمي يُعوّل عليه، فاقداً الثروة، كما الوظيفة الإقليمية التي غالباً ما نهض عليها والده الراحل رفيق الحريري وأدخلته الى السلطة. لا الفرنسيون مهتمون بتلقّفه، ولا السعوديون مبالون به ومعنيّون بمستقبله السياسي وتعويمه وقد أضحى بيته من ماضيهم، ولا الأميركيون أصدروا بياناً بالترحيب به هو بالذات على رأس الحكومة الجديدة مقدار اهتمامهم وتذكيرهم بما هو مطلوب منها في المرحلة المقبلة. في مكالمة هاتفية لوزير سابق بمساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى دافيد شنكر، يستطلع رأيه في تكليف الحريري، كان الجواب ثلاث عبارات مقتضبة: لا ترحيب ولا اعتراض، ننتظر تأليف الحكومة الجديدة، العقوبات مستمرة ولن تتوقف.
انتظار الخارج ليس كل مشكلة تأليف الحكومة، وغالباً ما رافق تأليف حكومات سابقة. موعد الخارج يُفترض أن ينتهي بدءاً من غد الأربعاء، من غير أن يكون مؤكداً أن حكومة الحريري ستبصر النور غداته. في الساعات المنصرمة، راحت أكثر من مرجعية وجهة تسرد أسباب التعثر الداخلي:
ــــ لا اتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف على حجم الحكومة ما بين 18 وزيراً و20 وزيراً. طرح الحريري حكومة الـ 14 أولاً، رد عون بحكومة الـ 18 فوافق. ثم هبط فجأة اقتراح 20 وزيراً فاختلفا عليه ولا يزالان.

باسيل: لا أنا أسأل الرئيس، ولا هو يجيب، ولا أقول إذا عرفت


ــــ لا يحتاج باسيل الى أن يكون على طاولة التفاوض كي يطرح شروطه وموقفه من التأليف، ما دام رئيس أكبر كتلة نيابية وأكبر كتلة مسيحية، من دون إغفال الشريك الدستوري الآخر في التأليف وهو رئيس الجمهورية. طالب تياره بعدم وضع أكثر من حقيبة في عهدة وزير، ما يشير الى توسيع أوسع من المقترح حالياً وهو 20 وزيراً. بإزاء الـ 21 حقيبة وزارية زائداً رئيس مجلس الوزراء، تصبح الحاجة إذذاك الى حكومة من 24 وزيراً، ما ينسف الدافع الرئيسي لسعي الحريري إلى ترؤس حكومة اختصاصيين مصغرة من 14 وزيراً. ما إن يقترب تأليف حكومة من هذا العدد، تصبح في الظاهر حكومة اختصاصيين على صورة حكومة الرئيس حسان دياب (20 وزيراً)، لكنها في الواقع على صورة حكومة الرئيس تمام سلام في تمثيل القوى السياسية الرئيسية فيها التي لا تختلف بتكوينها عن حكومات الوحدة الوطنية منذ اتفاق الدوحة.
مع أن التفاوض مع رئيس الجمهورية الذي يوقّع مرسوم التأليف، إلا أن المشكلة التي لا ينكرها الحريري تقع مع الخصم الحاضر في تعثّر التأليف، من غير أن يكون شبحاً يكثر التكهّن من حول دوره. كلا الرجلين يحتاج سياسياً إلى أن ينحر الآخر.
ــــ للحريري مشكلتان معقّدتان في تكليفه: أولاهما أنه يريد حكومة اختصاصيين برئاسته هو غير الاختصاصي، في وقت تُستكمل فيه صورته غير الاختصاصية هذه بإطلاق يد الكتل الرئيسية لتسمية وزرائها. أما ثانيتهما فتكمن في وفرة الوعود التي وزّعها بلا حساب قبل التكليف، وأضحى الآن ضحيّتها. أبلغ الى رئيس الجمهورية أنه لم يعِد أحداً قبلاً، وسُمع من الثنائي الشيعي أن لا اتفاق معه سوى على حقيبة المال، فيما انتقل النائب وليد جنبلاط من موقع مناوئي تسميته الى الترحيب به بعد لقاء حصل الزعيم الدرزي من نظيره السنّي على وعد بحصر التمثيل الدرزي به وحده.
بعض عارفي الرئيس المكلف عن قرب يقولون إن الرجل من وفرة الوعود التي اعتاد إطلاقها... ينسى بسرعة أنه أطلقها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا