انتهى عمر حكومة حسان دياب، أو يكاد. المسألة مسألة وقت. في أي دولة في العالم، الاستقالة تلك يفترض أن تكون نتيجة طبيعية لكارثة بحجم انفجار المرفأ، إلا في لبنان. الحكومة ستستقيل لأن لا مكان لها في مرحلة ما بعد ٤ آب. ليس الحكومة فحسب. العوامل الداخلية كلها لا دور لها في المرحلة المقبلة. الانفجار قلب الموازين الغربية في التعامل مع لبنان. كان هدف الحصار خنق لبنان واقتصاده وأحزابه، لا قتله. لكن الانفجار أودى بالبلد إلى أبعد بكثير من الخطط الغربية. هذا اغتيال بالجغرافيا استدعى تغييراً جوهرياً يضمن عدم انهيار لبنان. وصول الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى بيروت على وجه السرعة، لم يكن للتعزية حصراً. زيارته أعلنت عودة الفراغ إلى السلطة التنفيذية، تمهيداً لإعادة ملئها ببركة الغرب. الزيارة، كما مضمونها التسووي، كانت مدعومة أميركياً أيضاً. بحسب المعلومات، فإن اجتماعاً عقد في الخارجية الأميركية في اليوم الذي تلا الانفجار لتقييم الموقف. وقد خلص إلى أن الأولوية اليوم هي المحافظة على الستاتيكو القائم، لأن لا مصلحة أميركية في انزلاق الأمور وخروجها عن السيطرة. وقبل ذلك كانت السفارة الفرنسية قد أجرت مسحاً بيّن لها أن الخيارات محدودة في لبنان، ولا بديل من إعادة لم شمل السلطة لمواجهة التحديات، خاصة مع اقتناعها بأن المجتمع المدني المتشرذم ليس قادراً على إنتاج أي بديل جدي. «رويترز» نقلت عن مسؤول في الإيليزيه قوله إن «ماكرون أبلغ ترامب أن سياسات الضغط الأميركية يمكن أن يستغلها حزب الله».

مواقف ماكرون في بيروت جاءت لتعبّر تماماً عن هذه الخلاصات، التي على أساسها بدأت فرنسا التأسيس للمرحلة المقبلة، وعنوانها تدويل الحل، بصرف النظر إن كان هذا الحل على شكل تعويم للنظام الحالي على أسس جديدة أو التأسيس لنظام جديد. أكد ماكرون ذلك عبر تويتر: «يتم الآن رسم مستقبل لبنان مع شركائه الدوليين». أبرز هؤلاء الشركاء هو أميركا، التي توفد وكيل وزارة الخارجية ديفيد هيل إلى بيروت، في مسعى لإحراز تقدم في ملف الترسيم البحري، بوصفه جزءاً من الملفات التي ينبغي ترتيبها في المرحلة المقبلة.
الحلول المطروحة إما أن تكون القوى السياسية جزءاً منها أو تكون خارجها. أحزاب المعارضة، ولا سيما الثلاثي الرئيسي المستقبل والاشتراكي والقوات، لا تزال تسعى إلى فرض أمر واقع قد يعدّل بعضاً من الخطط الغربية لصالحها. تفعل ذلك، بالرغم من أنها أيقنت، بعد لقاء ماكرون، أن أدواتها محدودة، وأن فكرة الحكومة الحيادية غير واردة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الانتخابات المبكرة، التي اعتبر ماكرون أنها ليست أولوية. لم يعد بيدها سوى ورقة الشارع، والسعي لاستغلال حالة الغضب الشعبي، التي أعقبت الانفجار الذي أدى إلى مقتل وجرح الآلاف، ودمر العاصمة.
الغضب والقهر أعادا إحياء الانتفاضة في وجه السلطة السياسية، بكل أوجهها، إن كانت في الحكم أو في المعارضة. وقد حمّل المنتفضون الجميع مسؤولية ما حصل. وهو الغضب الشعبي الذي استمر يوم أمس أيضاً، حيث قوبل بإطلاق الغاز المسيل للدموع بكثافة غير مسبوقة.
تحرك الشارع مجدداً هو جزء من الحراك المتكامل الذي يشهده لبنان على وقع التغيرات المقبلة حتماً، والتي لا تزال غير واضحة المعالم. أبرز المطالب في الشارع كان استقالة الحكومة وتأليف حكومة إنقاذ حيادية وإقرار قانون انتخاب غير طائفي تجرى على أساسه الانتخابات (مع غياب التوافق على المطلب الأخير). أما مطلب الانتخابات المبكرة، فقد بقي مطلباً للقوى المعارضة وحدها، ظناً منها أن النتيجة ستكون حصولها على الأغلبية، من خلال الرهان على ميل المزاج المسيحي باتجاهها. إن حصل ذلك، فسيكون بمقدورها لعب دور أكبر في المرحلة المصيرية المقبلة. وبالتالي، إذا لم تضمن أن تؤدي الاستقالة إلى انتخابات مبكرة، فهي لن تقدم على المغامرة بالاستقالة من مجلس النواب، بما يؤدي إلى تعزيز حضور أحزاب السلطة. ولأن القوات تعتبر أن الاستقالات في شكل عشوائي وغير مدروس لن تؤدي إلى استقالة مجلس النواب، بل إلى انتخابات فرعية لملء الشغور الحاصل، فقد أكدت مصادرها أن اتصالات تجري بينها وبين الاشتراكي والمستقبل في سبيل البحث في استقالة الأطراف الثلاثة من المجلس، إذ ستؤدي استقالة كهذه إلى فقدان المجلس لميثاقيته السنية والدرزية، وستؤدي إلى استقالة أكثر من ثلث أعضاء المجلس، ما يزيد من صعوبة إجراء انتخابات فرعية لعدد كبير من النواب، ويمهّد بالتالي لانتخابات مبكرة.
إلى حين أن تتبلور هذه الوجهة، فإن هذه الأحزاب لم تعترض على استقالات نيابية محسوبة عليها، انضمت إلى موجة الاستقالات التي رست، حتى مساء أمس على تسعة نواب (مروان حمادة، سامي الجميل، نديم الجميل، الياس حنكش، ميشال ضاهر، نعمة افرام، ميشال معوض وهنري حلو وديما جمالي).

بري يشارك في دفع دياب نحو الاستقالة


الاستقالات وصلت أيضاً إلى الوزراء، الذين استقال منهم الوزيران منال عبد الصمد ودميانوس قطار، مع تردد احتمال استقالة آخرين اليوم. وعلى وقع هذه الاستقالات، شهد السراي الحكومي اجتماعات مكثفة أمس عنوانها توحيد الموقف. بالنتيجة، خرج وزراء ليؤكدوا أن لا استقالة للحكومة. وزير الصناعة عماد حب الله أعلن من السراي أن لا استقالة، «وسنستمر في تحمّل مسؤولياتنا، ولن نخضع للضغوطات أو الابتزاز».
المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه دياب، يوم السبت، نيّته تقديم مشروع قانون لتقصير ولاية المجلس النيابي، إضافة إلى إشارته إلى أنه سيتحمّل مسؤولية الحكومة مدة شهرين حتى تصل الأحزاب السياسية إلى اتفاق، لم يكن منسّقاً مع أحد. وبحسب المعلومات، فإن الرئيس نبيه بري كان من أكثر المنزعجين من مواقف دياب، ولا سيما من طرح الانتخابات المبكرة. ولذلك، لم يتأخر في الرد، فدعا هيئة مكتب المجلس إلى الانعقاد الثلاثاء، قبل أن يعلن عن عقد جلسات مفتوحة لمساءلة الحكومة بدءاً من الخميس. تلك الخطوة أيضاً لم تكن منسّقة مع الحلفاء، وقد فوجئ بها حتى أعضاء هيئة المكتب، الذين لم يعلموا بداية سبب الدعوة.
يأمل بري أن تستقيل الحكومة قبل موعد الجلسات النيابية. تلك رسالة واضحة وصلت إلى دياب. لكن بحسب المعلومات، فإن دياب أعلن أنه لن يستقيل. لكن مع ذلك، فإن اليوم سيكون حاسماً. قد يضطر إلى الاستقالة إذا وجد أن موجة الاستقالات ستستمر. وهو يملك الحجة لذلك، حيث يتوقع أن يرفض مجلس الوزراء اقتراحه تقديم مشروع قانون لتقصير ولاية المجلس.
المشكلة أن البديل لم ينضج بعد. ربما تحرر سعد الحريري من الضغط الأميركي الذي يمنعه من تولي رئاسة حكومة تضم حزب الله، لكنه لم يحصل على الضوء الأخضر السعودي بعد. وفيما تعهد ماكرون بإعداد الأرضية لتأليف حكومة الوحدة الوطنية في كل من إيران والسعودية، يبدو أن السعودية ليست متحمسة لعودة الحريري، وليست مستعدة بعد للتسليم لحزب الله بالبقاء بالحكومة. وقد أكد وزير خارجيتها فيصل بن فرحان، في مؤتمر دعم لبنان، أن «هيمنة حزب الله في لبنان مثيرة لقلق الجميع، مشيراً إلى أن الحزب له سوابق في استخدام المواد المتفجرة في عدد من الدول العربية والأوروبية والأميركية، إضافة إلى تخزين المتفجرات بين المدنيين».