بدا معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس أمس هادئاً، كعادته، بعد الأزمة المفتعلة التي شهدها يوم الأحد الماضي، والتي تمثلت بدخول قرابة 35 امرأة وطفلاً إلى باحته، ومحاولتهم المبيت داخل خيم نصبت وسطه، تحت حجّة أن لا مكان لهم يلجأون إليه بعدما اضطروا إلى ترك منازلهم لأنهم باتوا غير قادرين على دفع بدلات إيجاراتها الشهرية.

لا شيء في المعرض ومحيطه غير عادي. بضع سيارات للموظفين كانت مركونة داخل باحته الداخلية الرحبة بالقرب من مبنى الإدارة، وحرسه يمارسون عملهم كالمعتاد بالقرب من بوابته الرئيسية، بينما كان الرصيف الدائري المحيط بالمعرض يشهد حركة معتادة لهواة المشي الذين أغرتهم أشعة الشمس، يوم أمس، بالخروج من منازلهم لممارسة هذه الرياضة وكسب بعض الدفء وسط طقس بارد، في منطقة تعد الأغلى عقارياً في المدينة وأغلب سكانها من الأغنياء، وحده مكتب المفوضية العليا للاجئين التابع للأمم المتحدة الكائن عند الطرف الشرقي للمعرض يشهد ازدحاماً، نظراً إلى إقبال عشرات النازحين السوريين إليه بهدف تسوية أوضاعهم أو إنجاز معاملاتهم.
برغم ذلك، بقي ما حصل يوم الأحد الماضي محل تساؤلات. كيف حصل ذلك، ومن المسؤول عن جلب هذه العائلات إلى المعرض، ولأي أغراض، وكيف وإلى أين غادرت هذه العائلات المكان في غضون 24 ساعة تقريباً، عائدة إلى منازلها بالتحديد، التي تبيّن أنها لم تغادرها لأنها لم تعد تستطيع دفع بدلات إيجاراتها، كما أشيع، ومن يمنع تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل إذا ما انفلتت الأوضاع أكثر؟
في الآونة الأخيرة، شهد المعرض نشاطات عديدة، منها عملية جمع المساعدات العينية من مواد غذائية وألبسة وتوزيعها على المحتاجين والفقراء في طرابلس، نظمتها "حملة دفى" يوم الأحد قبل الماضي في 5 كانون الثاني الجاري، في حضور النائبة بولا يعقوبيان وفاعليات، قبل أن يشهد المعرض ما شهده أول من أمس.
حسب المعلومات المتوافرة التي حصلت عليها "الأخبار" من مصادر عدة، فإن جمعية تطلق على نفسها "عطايا لبنان" يرأسها ط. ك. اتصل بإدارة المعرض، طالباً منها السماح له باستخدام باحة المعرض من أجل توزيع مساعدات على فقراء ومحتاجين في طرابلس، فتجاوبت الإدارة معه، بعدما كانت قد قررت منذ انطلاق شرارة الحراك الشعبي الاحتجاجي في 17 تشرين الأول الماضي السماح لعدد كبير من الجمعيات والهيئات باستخدام باحته لتوزيع المساعدات، أو بعض القاعات بهدف الاحتفاظ بالمساعدات إلى حين توزيعها.
لكن الذي حصل الأحد الماضي أن عائلات حضرت إلى المعرض ودخلت معها شاحنة نقل كبيرة، قبل أن يبدأوا بشكل مفاجئ بنصب خيم وإشعال نار من أجل التدفئة، على نحو فاجأ إدارة المعرض، التي أجرت اتصالات بشخص مديرها أنطوان أبو رضا مع أكثر من جهة معنية، ومنها جهات أمنية، من أجل معالجة هذه الأزمة بصورة سلمية، وعدم إخراج هذه العائلات من المعرض بالقوة وبشكل عنفي قد يتسبب في إثارة المحتجين، واستفحال الأمر، وخصوصاً بعدما تبين أن الهدف من وراء هذه الخطوة هو الإثارة وتسليط الضوء وإلحاق الضرر بالمعرض، الذي ليس مهيأً بأي شكل لاستضافة عائلات وإقامتهم فيه.
بلدية طرابلس دخلت على خط معالجة الأزمة بأقل الأضرار، عندما اتخذ رئيسها رياض يمق قراراً شخصياً بنقل هذه العائلات إلى فندق "أوتيل بالاس" القديم بالقرب من مقهى فهيم وسط ساحة التل بالمدينة، وإقامتهم فيه مؤقتاً، على أن تحاول البلدية دفع بدلات إيجار لهم في منازل بشكل مؤقت، والاتصال مع وزارة الشؤون الاجتماعية لمساعدتهم، لكن المفاجأة أن أغلب هذه العائلات غادرت إلى بيوتها، ولم تأت إلى الفندق إلا بضع عائلات، باتت فيه يوماً واحداً، قبل أن تغادر بدورها إلى منازلها في المناطق الشعبية في المدينة، وهو ما دفع يمق إلى التوضيح أنه "طلبت من الحراك الشعبي المواكب لهذه العائلات تأمين القيود، من سندات إيجار أو هويات العائلات أو أسماء لمساعدتهم بشكل قانوني، لكن لم يصلنا منهم شيء».
غير أن مصادر مطلعة أبدت لـ«الأخبار» شكوكها مما يحصل، بعدما وجهت أصابع الاتهام إلى "أيدٍ خفيّة تعمل على تعطيل المؤسسات والمنشآت العامة في طرابلس، والجامعات والمدارس، وأن تضع يدها على كل شيء في المدينة"، كاشفة أن "بعض هذه العائلات غرّر بها، وأن إحدى السيدات اللواتي نزلن إلى المعرض قالت إن البعض أخبرها أن مساعدات عاجلة ستصل إلى المعرض، وعليها الذهاب إليه فوراً لتحصل على حصّتها!".