فوجئ وزير العمل كميل أبو سليمان، ومعه على الأغلب قسم كبير من السياسيين اللبنانيين، بالاحتجاجات الشعبية الفلسطينية ضد خطته لـ«مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية». تجرأ الفلسطينيون هذه المرة على المشاركة الواسعة في تحركات شملت العديد من المخيمات للمطالبة بحقوقهم. لقد تعرضوا لأصناف وألوان من التمييز والظلم والحرمان من الحقوق الأساسية خلال العقود الماضية، تندرج في إطار سياسة تنكيل منهجية بحقهم، من دون اللجوء إلى التظاهر والاحتجاج. ربما راهنوا على تدخل القوى الحليفة والصديقة، المعنية بالقضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، للحدّ من وطأة هذه السياسة. لكن هذا التدخل لم يحصل، أو لم يكن قوياً بالشكل المطلوب، واستمرت سياسة التنكيل واشتدت مع الأيام. من الممكن القول إن هذه السياسة نجحت في تحقيق غاياتها: تهجير قطاعات غفيرة من الفلسطينيين من لبنان. فأصحابها، مهما قدموا من مبررات وحجج، يكنون جميعهم عداءً علنياً أو شبه علني للفلسطينيين. هم لا يفوّتون فرصة، كلما سنحت الظروف الأمنية والسياسية بذلك، ليذكرونا بكراهيتهم العمياء والسائلة لهم. سياساتهم في الواقع نتاج لمزيج من أيديولوجيا الكراهية، ومن حسابات اكتساب الشعبية وتأبيد الزعامة من خلال التحريض الطائفي والعنصري. من غير المستغرب أن يتبنى المقاولون الطائفيون مثل هذه السياسة. المستغرب والمستهجن صمت القوى الوطنية والمقاومة عنها، وعدم التصدي المباشر لها.

هدف الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كان اقتلاع الشعب الفلسطيني منه، وليس مجرد طرد فصائل منظمة التحرير. التدمير المقصود والواسع النطاق للعديد من المخيمات وارتكاب المجازر، وأبرزها مجزرتا صبرا وشاتيلا، وكذلك ما كشفته فيما بعد محاضر اجتماعات قادة العدو مع نظرائهم في القوات اللبنانية، هي بمثابة الأدلة القطعية على أن الغاية المركزية للاجتياح كانت تهجير الفلسطينيين. التهجير كان الهدف، وليس التوطين كما كان البعض يؤكد. التطورات اللاحقة على الساحة اللبنانية، كحرب المخيمات مثلاً، أتت لتدفع في الاتجاه نفسه. وبعد نهاية الحرب الأهلية، أسهم استمرار سريان القوانين التي صوت عليها البرلمان خلال رئاسة أمين الجميّل، الخاصة بالفلسطينيين، وفي مقدمتها تلك التي تحرمهم ممارسة 72 مهنة، إلى حمل آلاف العائلات والشبان الفلسطينيين على الرحيل. سيسارع البعض إلى القول إن آلاف اللبنانيين هاجروا أيضاً، وإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية هي السبب الأول لذلك. والحقيقة أنه لا مجال بتاتاً للمقارنة بين الهجرتين، لأن الأولى جرت نتيجة تمييز مفروض على الإنسان الفلسطيني في لبنان بقرار سياسي، بهدف «تشجيعه» على الرحيل «الطوعي». وقد أدى نمو بعض التيارات المتطرفة في لبنان والمنطقة، إلى نمو مشابه لها في المخيمات، ما شكل ذريعة إضافية للتهويل بـ«الخطر الفلسطيني» والتحريض على محاصرة المخيمات بالجدران والأسلاك. هل تحاصر مدن أو أحياء لبنانية نمت فيها ظواهر مشابهة؟ منذ 29 عاماً، لم يتوقف الفلسطينيون عن مغادرة لبنان نحو أرجاء أرض الله الواسعة بحثاً عن الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة. القيّمون على سياسة التنكيل يعرفون هذا الأمر، لكنهم يصرون عليها، ما يعني أنهم يريدون تهجير الفلسطينيين عن سابق إصرار وتصميم.
ما يبعث على السخرية عند التطرق إلى الوضع الفلسطيني في لبنان، رفع جميع القوى التي لا تأبه لمصير الفلسطينيين، وتتمنى أن يرحلوا عن لبنان، حتى ولو ابتلعتهم البحار، لشعارات تظهر حرصها على «القضية الفلسطينية»، ورفضها للتوطين على قاعدة التمسك بحق العودة، بالإضافة طبعاً إلى ضرورة الحفاظ على التوازنات الطائفية المقدسة في لبنان. توطين الفلسطينيين خارج وطنهم التاريخي فلسطين، في لبنان أو في أي بلد آخر، مؤامرة ينبغي رفضها تماماً. لكنّ تهجير الفلسطينيين بعيداً عن بلادهم مؤامرة تفوق خطورتها الأولى، لأنها وضعت موضع التنفيذ منذ عقود، وهي ما زالت مستمرة إلى الآن. هل يستطيع المعنيّ بفلسطين - القضية، وبمستقبل المواجهة مع الكيان الصهيوني أن يتجاهل ما يتعرض له شعب فلسطين في بلده؟ هل التحالفات التي تمليها طبيعة النظام الطائفي اللبناني وتوازناته، المتداخلة مع تعقيدات السياق الإقليمي، تعني التماهي مع مواقف بعض الحلفاء المخجلة تجاه الفلسطينيين أو السكوت عنها؟ من المستحيل فصل الدفاع عن فلسطين - القضية عن الوقوف إلى جانب شعبها المظلوم بسبب سياسات التنكيل الجائرة والتصدي لها بحزم لمنعها من تحقيق أهدافها التي لا تقل خطورة عن مؤامرة التوطين.