لا يمكن أن تنطبق على اللاجئ الفلسطيني العامل في لبنان صفة العامل الأجنبي. هذه الخلاصة الأبرز التي أفضى إليها النقاش «المُستعر» منذ أيام بعد «اندلاع» الاحتجاجات الفلسطينية على خطّة وزارة العمل لـ«مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية». وهي النتيجة التي «اصطدم» بها وزير العمل، كميل أبو سليمان، نفسه. إذ تنبّه، أخيراً، إلى وجود قوانين «تعطي امتيازات ومنافع للعمّال الفلسطينيين»، وفق ما أعلن أمس، مُشيراً إلى أنه سيعمل على تطبيقها باعتبار أن لهؤلاء «وضعاً خاصاً».

تحت ذريعة «تطبيق القوانين»، لاقت خطّة الوزارة في الأيام المنصرمة، تأييداً من كثيرين. إلّا أن أحكام هذه القوانين نفسها تُبيّن، بصورة واضحة، عدم إمكان مساواة العامل الأجنبي الوافد إلى لبنان بالعامل الفلسطيني المُقيم فيه بحكم اللجوء.
فعلى سبيل المثال، يفرض مرسوم تنظيم الأجانب (رقم 17561 الصادر عام 1964) على كل أجنبي يرغب في الدخول الى لبنان «لتعاطي مهنة أو عمل بأجر أو من دون أجر»، الحصول على موافقة مُسبقة من وزارة العمل، فيما يتم ربط إقامته في لبنان بمدى التزامه بأحكام قانوني العمل وإقامة الأجانب والمراسيم والقرارات التطبيقية العائدة لهما، تحت طائلة الترحيل وغيرها من الإجراءات.
«كيف يمكن أن يُطبّق هذا الأمر في حالة من يُقيم في لبنان بحكم اللجوء؟»، يسأل وزير العمل السابق شربل نحّاس، لافتاً إلى أنّ مُقاربات تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان في ظلّ النصوص القانونية الحالية «لا تمتّ إلى واقع العمّال الفلسطينيين بصلة كونها لا تعترف لهم بخصوصيتهم».

60,000

هو حجم القوى العاملة الفلسطينية في لبنان بحسب رئيس لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني الوزير السابق حسن منيمنة الذي أشار الى أنّ اللجنة ستطلق، خلال الأشهر المقبلة، دراسة بالتعاون مع دائرة الإحصاء المركزي حول اعداد العمال الفلسطينيين اللاجئين في لبنان وطبيعة عملهم. منيمنة أكّد لـ «الأخبار» أن «الأمور تتجه الى الحلحلة»، وأن وزير العمل كميل بو سليمان «وعد بإزالة العوائق القانونية التي تحول دون منح اللاجئين اجازات عمل».


وإلى الموافقة المُسبقة، يركّز قانون العمل اللبناني أيضاً (الصادر عام 1946 أي قبل النكبة) على مبدأ «المعاملة بالمثل» في ما يتعلّق بتمتّع الأجراء الأجانب بحقوقهم، وهو أمر مستحيل في حالة الدولة الفلسطينية المُحتلّة.
الانطلاق من هذا السرد القانوني يُعدّ ضرورياً للإشارة إلى نهج النكران الذي كانت تعيشه الدولة اللبنانية، ولا تزال، عبر إمعانها بتجاهل خصوصية اللاجئين الفلسطينيين وعدم تعديل قوانينها.

قوانين مع وقف التنفيذ
بعد عقود من الإنكار وتجاهل الواقع، اعترفت الدولة اللبنانية عام 2010، نوعاً ما، بخصوصية العمّال اللاجئين الفلسطينيين، وقرّرت تعديل قانوني الضمان والعمل. وعليه، صدر القانون الرقم 128 (تعديل المادة التاسعة من قانون الضمان الاجتماعي)، الذي نصّ على خضوع اللاجئ الفلسطيني «دون سواه» إلى أحكام قانون العمل اللبناني لجهة تعويض نهاية الخدمة وطوارئ العمل (لكن من دون أن يستفيد من تقديمات صندوقي ضمان المرض والأمومة والتقديمات العائلية)، وأعفي هؤلاء من شروط المعاملة بالمثل (...). كما نصّ القانون على وجوب إفراد حساب منفصل ومستقلّ لدى إدارة الضمان الاجتماعي للإشتراكات العائدة للعمّال من اللاجئين الفلسطينيين.
وفي السياق نفسه، صدر القانون الرقم 129 المتعلّق بتعديل المادة 59 من قانون العمل، والذي استثنى «حصراً» الأجراء الفلسطينيين اللاجئين (...) من شروط المعاملة بالمثل ورسم إجازة العمل الصادرة عن وزارة العمل».
يلفت الخبير في السياسات العامة واللاجئين، زياد الصائغ، إلى أن المراسيم التطبيقية لهذه القوانين لم تصدر بعد «وهو ما يُعدّ من أبرز الثغرات التي تحول دون منح اللاجئين الفلسطينيين خصوصيتهم المنشودة». وشدّد على ضرورة التفريق بين العامل الفلسطيني وصاحب العمل الفلسطيني، وكذلك أهمية دراسة «خصوصية صاحب العمل الفلسطيني عند تطبيق القوانين أيضاً، نظراً إلى حجم المؤسّسات التي يملكها فلسطينيون وموقعها ودورها في الاقتصاد المحلّي».

في خدمة أصحاب العمل
تفترض العمالة النظامية تسجيل الأجير والتصريح عنه من قبل صاحب العمل لدى إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو إجراء مرتبط حكماً بحصول العامل على إجازة عمل «شرعية».
وتتطلّب آلية التسجيل تسديد صاحب العمل نحو 25.5% من قيمة الراتب الذي يتقاضاه الأجير كرسوم إشتراكات لدى الضمان الاجتماعي، على أن تتوزّع بنسبة 8.5% لصندوق نهاية الخدمة و11% لصندوق تقديمات الضمان الصحّي، و6% لصندوق التعويضات العائلية.

مُقاربات تنظيم العمالة الأجنبية في ظلّ النصوص القانونية الحالية لا تمتّ إلى واقع العمّال الفلسطينيين بصلة


إلّا أن الهروب من هذه الموجبات هو السمة الطاغية. عملياً، يتهرّب أصحاب العمل من دفع الاشتراكات لعدم المسّ بأرباحهم، ويمتنعون عن تسجيل العمّال مُستغلّين هشاشة وضعهم، ويهددونهم بخسارة أعمالهم في حال لجأوا إلى التصريح عن عملهم. وبهدف كسب لقمة العيش يخضع العمّال الفلسطينيون لهذه الشروط المجحفة. إضافة إلى ذلك، وبما أن تسجيل العمال الفلسطينيين يعني اقتطاع نسبة 8.5% من معاشاتهم لصندوق نهاية الخدمة من دون أن يستفيدوا بشكل مباشر من هذا الاقتطاع، يحول ذلك دون سعيهم لدى أرباب عملهم لتسجيلهم في الضمان الاجتماعي وحصولهم على إجازات عمل.
في المحصّلة، هناك آلاف العمّال الفلسطينيين العاجزين عن الحصول على إجازة عمل ومن خلالها على أبسط حقوقهم الإنسانية. فيما المستفيد الوحيد، طوال هذه السنوات، هم أصحاب المصانع والمؤسّسات الذين ساهموا في بناء منظومة مصالح على حساب العامل اللاجئ، سمحت باستغلاله، وهو ما يشير اليه عدد إجازات العمل الممنوحة لفلسطينيين عام 2016، إذ لم يتعدَّ 729 إجازة (وفق تقديرات لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني).