من سوء حظ المنتخبين والمرشحين للمجلس الدستوري أن تترافق عملية انتخابهم وتعيينهم، مع الكثير من الملابسات في المجلس النيابي، واتفاقات مسبقة على تزكيتهم في مجلسي النواب والوزراء. صحيح أن المحاصصة باتت عنواناً تقليدياً لكل التعيينات، إلى الحد الذي لم تعد سِيَر المرشحين لأي منصب مهمة بقدر انتمائه. هكذا حصل سابقاً ويحصل اليوم، لكن كان يمكن التعامل مع حيثية المجلس الدستوري، بخفر أكثر، ولا سيما أن الشخصيات التي انتخبت أو المرشحة للدخول إليه، أسماء معروفة وبعضها مشهود له بالكفاءة ولا غبار عليه، الأمر الذي كان يمكن أن يعزز انتخابهم أو تعيينهم من دون إسباغ صبغة المحاصصة عليهم، فيظلمون سلفاً بأنهم أتوا الى المجلس وفق انتمائهم السياسي، من دون النظر الى كفاءاتهم وتاريخهم، ولا سيما أن عملية المحاصصة أتت أيضاً واضحة في اختيار الأطراف السياسيين كلاً من الأعضاء الخمسة بحسب تمثيله الطائفي والمذهبي. والمثل الأكثر وضوحاً التجاذب الذي حصل بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية حول اختيار المرشحين المسيحيين، والموارنة خصوصاً، في المجلس، ولا سيما أن التوزع الطائفي للمرشحين الآخرين حسم سلفاً تقاسمهم بين الأطراف السنية والشيعية. في حين أن الاهتمام بالحصص المسيحية يأتي على خلفية تمسك التيار الوطني بالحصة الأكبر على حساب القوى المسيحية الأخرى.

وإذا كانت أسماء الذين انتخبوا في المجلس النيابي معروفة قبل أسابيع، فإنه أيضاً كان معروفاً أن رئيس الجمهورية ميشال عون يزكّي ــــ مارونياً ــــ القاضي طنوس مشلب، مرشحه سابقاً لرئاسة مجلس القضاء الأعلى، ومن الذين حافظوا على موقعهم ومهنيتهم التي يشهد له بها خصوم عون وحلفاؤه على السواء، وبأنه منزه في عمله عن كل انتماء سياسي. ومع اختيار مشلب، المحتمل أن يكون أيضاً رئيس المجلس الدستوري، تردد أن التيار الوطني لن يقبل بإعطاء المقعد الماروني الآخر للقوات. وساهم في إذكاء هذا الجو أن الرئيس نبيه بري رفض «خرق الميثاقية» وانتخاب مارونيين في المجلس النيابي، ما أسفر عن جولة مفاوضات شملت بري ورئيس الحكومة سعد الحريري. وتتحدث معلومات المفاوضين عن أن القوات تبلغت من بري والحريري، وبموافقة التيار الوطني، منح القوات منصباً مارونياً يكون للخبير الدستوري سعيد مالك، على أن يعين في مجلس الوزراء. وبعدما حسم المرشح الأرثوذكسي من حصة رئيس الجمهورية، تستمر النقاشات مع القوات حول المرشح الكاثوليكي، وتدور النقاشات حول اسمي مروان كركبي وهادي راشد اللذين باتا الأكثر ترجيحاً بعدما حصرت المفاوضات حولهما، بحسب معلومات المفاوضين. رغم أن كل ذلك يبقى رهن شد الكباش في اللحظات الأخيرة، بين التيار والقوات لتزكية الكاثوليكي، لأن المرشحين السني والشيعي سيكونان بطبيعة الحال من حصة الحريري وبري بتوافق مع حزب الله.

نواة معارضة تعطي بعض الحيوية السياسية التي يفتقدها لبنان منذ الانتخابات النيابية


وإذا كانت النقاشات حالياً تتمحور حول هوية المرشحين الى مجلس الوزراء، إضافة الى خبراتهم، لجهة حيثيتهم القضائية أو الدستورية وملاءمتها مع دور المجلس، فإن ما جرى أيضاً على هامش انتخاب الأعضاء الخمسة في مجلس النواب، يمكن استخلاص عِبَر منه لجهة موقع المعارضة السياسية. فعلى قلة عدد أفرادها في المعادلة السياسية، وبصرف النظر عن هوية المعارضين وانتماءاتهم وحتى خلفيات معارضتهم، فإن نواة معارضة في المجلس النيابي، وخارجه، تعطي بعض الحيوية السياسية التي يفتقدها لبنان منذ الانتخابات النيابية، وحتى قبلها. الواضح أن القوى السياسية المتفقة حالياً على تقاسم الحصص، لديها ملاحظات على المعارضين من النواب، وبأن هؤلاء غير قادرين على إحداث تغيير بالمعنى الحرفي للكلمة، وهناك أيضاً من يعترض على أداء كل واحد منهم، لاعتبارات سياسية، ويساهم تضافر جهود السلطة وبعض الإعلام في تغييب أصوات هؤلاء وتغليب أصوات المنضوين تحت لواء السلطة بكل أطيافها. إلا أن صورة معارضة نيابية تعطي إشارات ديموقراطية خفيفة، حتى لو لم تكن بحجم معارضات سابقة في أيام الرئيس رفيق الحريري وزمن الوجود السوري، ولم تصل بلاغتها الى ما كان يصل إليه خطباء المجلس المحنّكون، علماً بأنه لا يجمع بين أعضائها أي اتفاق سياسي، ولا تتحرك وفق برنامج عمل واضح، بل وفق طبيعة كل حدث بمفرده. أهمية المعارضة في مجلس النواب أنها تختلف بحيثيتها عن تلك الموجودة في مجلس الوزراء، كون «المعارضين» في الحكومة إنما هم جزء من تركيبة قائمة وتسويات متفق عليها. وهذا يختلف تماماً عن معارضة نواب منتخبين قادرة على إحداث بعض الفرق ولو عبر الاعتراض أو كشف ثُغَر في ممارسة العمل النيابي. والدليل أن ما حصل في انتخاب أعضاء المجلس الدستوري، من تسجيل اعتراضات، لن نشهد له مثيلاً في جلسة مجلس الوزراء، لأن الاتفاق بات قائماً من دون أي معارضة.