بعد مضي نحو أربعة أسابيع على بدء عملية «درع شمالي» التي تهدف الى كشف وتعطيل أنفاق قالت اسرائيل أنها تجاوزت الحدود اللبنانية باتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة، بات بالامكان تسجيل أكثر من ملاحظة تتصل بالصورة التي تبلورت حول رسائل ونتائج هذه «العملية» ببعديها السياسي والعملاني.

على يومين متتاليين تعمد رئيس اركان جيش العدو غادي ايزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الايحاء بأن هذه العملية باتت في نهاياتها. لكن يبدو أن الاعتبارات السياسية والرمزية كانت عاملا أساسياً ـــ الى جانب أبعاد عملانية ومهنية ـــ في بلورة هذا الموقف وتوقيته. بالنسبة إلى ايزنكوت يبدو واضحاً أن همه الرئيسي يتركز على أن يختم حقبته التي تنتهي منتصف الشهر المقبل (كانون الثاني) بما سيسجل في رصيده على أنه إنجاز عملاني يؤدي مستقبلاً الى حماية المنطقة الشمالية. أما اعتبارات نتنياهو فهي متصلة بالاجواء الانتخابية التي دخلت فيها اسرائيل.
من الواضح أن اختيار اسم «درع شمالي» تحديداً، يعود الى قرار مدروس يهدف الى تقديم العملية على أنها اجراء وقائي، على مستوى الاهداف والخيار في مواجهة تهديد محدق بالمنطقة الشمالية. وبصرف النظر عن مدى صحة كل ما تقوله اسرائيل ودقته، فقد حرصت بشدة على توجيه رسالة مفادها أن حزب الله هو في موقع الهجوم، وانها لم تتجاوز في خيارها المضاد إلا على الاجراءات الوقائية، وفي «الاراضي الاسرائيلية» (الاراضي الفلسطينية المحتلة). لكن هذا الحرص الاسرائيلي على عدم تجاوز الخط الازرق في معالجة «الانفاق»، ما كان ليتجلى في صورته الحادة التي بدا عليها، لولا معادلة الردع التي فرضها حزب الله. وهو ما دفع العديد من المعلقين العسكريين في اسرائيل الى التندر على اداء الجيش والقيادة السياسية الذي رأوا فيه تجسيداً فعلياً صريحاً لقوة ردع حزب الله.
وللمقارنة، أطلقت اسرائيل على المناطق اللبنانية التي كانت تحتلها ( 1985 ـــ 2000) تسمية «الحزام الامني». وهدفت من وراء ذلك الى الايحاء بأنه يهدف الى حماية أمن الشمال (ولا يتعارض هذا الشعار مع أطماعها التوسعية) وقد كان هذا المفهوم ضروريا في الساحة الداخلية الاسرائيلية كونه كان يمنح القيادة السياسية مشروعية استمرار الاحتلال في ظل الضربات والخسائر التي كان يتلقاها باعتبارها جزءاً من عمل دفاعي عن أمن الشمال (خلاصة السردية الاسرائيلية أمام جمهورها).
في المقابل، ومن أجل حماية أمن الشمال، عام 2018، تجد اسرائيل نفسها مضطرة إلى بلورة حزام من الاجراءات الامنية، لكن داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة نفسها، فتفجر أنفاقاً... وتملأ أخرى بالإسمنت، وتجرف مساحات منعاً للتسلل. وهو ما يكشف عن حجم التكيف والتسليم مع المعادلات التي فرضتها المقاومة.

التوظيف الدولي والداخلي
مع أن تل ابيب تجنّبت أي استفزاز على الحدود مع لبنان، تفادياً لأي ارباك يحول دون استكمال المهمة، إلا أنها عمدت على خط مواز إلى استغلال ما قالت إنه أنفاق على المستوى الدولي. وجندت لهذه الغاية أجهزتها الاعلامية والسياسية والدبلوماسية. لكن في النهاية لم تحقق ما كانت تطمح اليه على مستوى القرار الذي دفعت إلى انتزاعه دولياً. وهو ما يُسجل على أنه فشل اسرائيلي له أسبابه وسياقاته ورسائله.
على المستوى اللبناني، حاولت اسرائيل أن تحوّل قضية الأنفاق الى مادة سجالية وخلافية في الداخل اللبناني، استناداً الى رهانات وسيناريوات مُحدَّدة، إلا أن ما طمحت اليه لم يتحقق حتى بصيغة الحد الادنى، وما يُسجل على أنه قصور اسرائيلي في مواجهة بيئة المقاومة. ويعود ذلك الى إدراك معظم الجمهور اللبناني أن واجب المقاومة ـــ وليس فقط حقها ـــ ألا توفر أداة أو وسيلة أو تكتيكاً لحماية لبنان... وأنه لولا المخاوف الاسرائيلية المتعاظمة من تعاظم قدرات المقاومة وتطور تكتيكاتها، لكنا شهدنا وضعاً أمنياً مغايراً لما يشهده لبنان.
أما في ما يتعلق بالتوظيف الداخلي الاسرائيلي، فقد بات واضحاً أنه كان يحتل مرتبة متقدمة في خلفية الخطوات العملانية التي واكبها بحملات اعلامية وسياسية، من دون أن يتعارض ذلك مع الأبعاد المهنية التي يُعبِّر عنها الجيش. ونجح المستويان السياسي والعسكري في الترويج لإنجاز عملاني في الوسط الداخلي الاسرائيلي.

على المستوى العملاني
أياً ما كان عدد الانفاق التي تقول اسرائيل أنها اكتشفتها، إلا أن اعلان نتنياهو أن العملية باتت وراءنا، واعلان ايزنكوت تحديد أغلب الانفاق، يعنيان أنهما يريدان التسليم بالنتيجة التي تحققت من ناحية فعلية. وهو موقف ينطوي في أحد جوانبه على إقرار بتعذر كشف المزيد ـــ على افتراض وجودها. وبحسب الرواية الاسرائيلية، تكون تل ابيب كشفت عما تعرفه، واكتشف حزب الله ما تعرفه وما لا تعرفه اسرائيل... ولعل هذه النتيجة هي التي دفعت بقسم البحوث في الاستخبارات الاسرائيلية الى معارضة المبادرة الى الكشف عن الانفاق. وفي جميع الاحوال، لكل من الطرفين خططه البديلة في الاستعدادات التي ترتكز في جوهرها على عناصر المفاجأة.
وبالاجمال، يمكن التقدير أن من أهم الرسائل التي باتت مسلمة لدى المستويين الرسمي والشعبي (المستوطنين) في الكيان الاسرائيلي، أن حزب الله لديه كامل الحزم والارادة، اضافة الى الخطط الجدية، لتنفيذ كل ما توعّد به الأمين العام لحزب الله في مواجهة أي عدوان اسرائيلي على لبنان. ولم يعد هذا السيناريو مجرد تقدير نظري مُرجّح، بل أصبح حقيقة مسلماً بها، وبالتأكيد سيكون من الآن فصاعداً أكثر حضوراً في وعي متّخذي القرار السياسي والامني.
ويدرك أصحاب القرار في تل أبيب حجم الخطورة الكامنة في ما لا تعلم اسرائيل عنه شيئاً، وفي ما لا تعلم أنها لا تعرفه. لكنهم يدركون أيضاً حجم الخطورة الكامنة في ما تعتقد أنها متأكدة منه، ثم يتبين خطأه لاحقاً، لكن بعدما تكون بنَت عليه تقديراتها وخططها وخياراتها. وخطورة هذا السيناريو الاخير، أنه في السابق كانت نتائج الاخطاء في التقدير قابلة للاحتواء بفعل موازين القوى، أما الآن فلم يعد الامر كذلك. ونتيجةً لذلك، باتت اسرائيل مضطرة إلى أن تأخذ في الحسبان خطورة المحتمَل حتى لو كانت درجة احتماله ـــ بنظرها ـــ متدنية أو حتى متوسطة. وهو ما تجلى في اقرار قيادة المؤسسة العسكرية بحقيقة أنه «يوجد دائماً عدم يقين إزاء أداء حزب الله..»، وتجلى ايضاً في السيناريوات الكارثية ـــ بحسب وصف صحيفة هآرتس ـــ التي قدمتها قيادة المنطقة الشمالية إلى المستوى السياسي، الامر الذي أثار الرعب لديهم، ودفعهم للمبادرة الى عملية «درع شمالي». ويعني ذلك ايضاً، أنهم يجدون أنفسهم ـــ في بعض الاحيان ـــ مضطرين إلى عدم الوثوق التام بما يملكونه من معلومات ولا يركنون الى ما يتبنّونه من تقديرات، تفادياً لمخاطر أشد ولأثمان أكثر ايلاماً، ولتداعيات غير محسوبة قد تغيّر المشهد الاقليمي خارج اطار حساباتهم ورهاناتهم.