بعد إقرار قانون الموارد البترولية في البحر (المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخاصة)، وتوقيع لبنان أوّل اتفاقيتي استكشاف وإنتاج للنفط والغاز فيها، انتقلَ البحث إلى الموارد البترولية في البر اللبناني. لهذه الموارد اقتراح قانون سبق أن تقدّم به النائب السابق محمد قباني. درسته لجنة فرعية برئاسة النائب السابق جوزف المعلوف، وباتَ اليوم في عهدة اللجان المشتركة التي بدأت بمناقشته يومَ أمس.

لم يمُرّ النقاش من دون جدل ظاهره دستوري وباطنه سياسي، فأخذ مساحة ساعتين من الأخذ والرد. وصل النواب إلى المادة الثانية - الفقرة 3، التي تنصّ على أن «يحدّد مجلس الوزراء المناطق المحظورة من الأراضي الخاضعة للولاية القضائية للجمهورية اللبنانية بموجب مرسوم بناء على اقتراح الوزير المعني (وزير الطاقة) المُستنِد إلى توصية هيئة» إدارة قطاع النفط. هنا انقسم النواب، وفُتح السجال حول ما إذا كانت الحكومة اللبنانية هي الجهة الصالحة لمنح الشركات النفطية عقود تشغيل أو امتيازات للتنقيب عن النفط والغاز في البر، أو أن قرار الحكومة يحتاج إلى تصديق مجلس النواب. الغالبية الساحقة من مختلف الكتل النيابية أصرت على «ضرورة موافقة مجلس النواب»، مستندة إلى المادة 89 من الدستور التي تنصّ على أنه «لا يجوز منح أي التزام أو امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلد الطبيعية أو مصلحة ذات منفعة عامة أو أي احتكار إلا بموجب قانون». نواب حزب الله وحركة أمل والقوات من أكثر المدافعين عن هذه الفكرة. فأكد النائب إبراهيم الموسوي أن «من حق المجلس مراقبة عمل الحكومات. لأن البرلمان حين يسنّ ويشرّع القوانين يلحظ مستقبل أجيال مقبلة ولا يحصرها بفترة آنية».
الوزير سيزار أبي خليل لم يتآلف مع الفكرة، ومعه قلّة من نواب تكتّل لبنان القوي. تسلّح وزير الطاقة بقرار المجلس الدستوري (رقم 2\2002) الذي «سبقَ أن أجاز للحكومة منح رخصتين لتقديم خدمات الهاتف الخليوي»، مؤكداً أمام النواب أن «ما سيُمنح في مجال النفط والغاز في البر ليس امتيازاً، بل عقد استكشاف وإنتاج توقعه الدولة اللبنانية مع أطراف آخرين». نواب تيار المستقبل أصروا على أن هذا الأمر من مهمات الحكومة. فيما الغلبة، في التصويت، كانت لرأي نواب الكتل الأخرى، إضافة إلى نواب عونيين، أصروا على ضرورة العودة إلى مجلس النواب. لكن إقرار هذه المادة في اللجان المشتركة لا يعني تحوّلها إلى قانون، فالكلمة الفصل ستكون للهيئة العامة لمجلس النواب حين يُدرج الاقتراح على جدول أعمالها.
في اتصال مع «الأخبار» يُعيد وزير الطاقة ما قاله في جلسة اللجان المشتركة عن قرار المجلس الدستوري وعقد الاستكشاف. ويعتبر أن ما حصل «ليس معركة دستورية، بل هي معركة صلاحيات بينَ مجلس النواب والحكومة». أبي خليل أكد أنّ «الموارد البترولية تحتاج إلى قانون، لكنها لا تستوجب إقرار قانون خاص لكل ترخيص. هذا الأمر يدخل ضمن صلاحيات مجلس الوزراء». ويدافع وزير الطاقة عن موقفه انطلاقاً من أن «مجلس النواب مهمته التشريع والمحاسبة. فإذا أعطي لمجلس النواب حق المصادقة على التراخيص وظهر في ما بعد أي خلل، فحينها من يحاسبه؟ هل يحاسب مجلس النواب نفسه، فيما دوره هو محاسبة الحكومة والوزراء؟».

أبي خليل: المجلس الدستوري أجاز سابقاً للحكومة حق منح التراخيص


نواب المستقبل تلاقوا مع وزير الطاقة بحصر هذا الأمر بالحكومة. لكن خلفيتهم في النقاش كانت من منطلق سياسي. فأكدوا أن «الاقتراح كله في مضمونه هو عمل حكومي، لذا ينبغي أن تبادر الحكومة إلى إعداده وتحمل مسؤوليته، منعاً لتداخل عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية». من جهته، أكّد النائب نقولا نحاس في حديث مع «الأخبار» أن من الأفضل «الاحتكام الى رأي هيئة التشريع والاستشارات». وهو موقف أعلنه في الجلسة وأيده زملاء آخرون منهم النائب ميشال معوض.
في المقابل، أصرّ نواب الكتل الأخرى على موقفهم بالعودة إلى البرلمان، مؤكدين أن الكلام داخل الجلسة «كان نقاشاً دستورياً»، وأن التمسك بحق مجلس النواب إنما هو من باب الحرص على الدستور. هذه «الشريعة» تطرح سؤالاً عن تغاضي النواب سابقاً عن «خرق الدستور». فلماذا لم ينتبِه «أصحاب السعادة» (سواء كانوا هم شخصياً حاضرين في النقاشات السابقة، أو كتلهم) إلى حق مجلس النواب في المصادقة على التراخيص حين أقرت الحكومة قانون الموارد البترولية في البحر؟ هل تذكر النواب اليوم المادة 89؟ لماذا يُفترض بمجلس النواب «المُصادقة» فيما تنحصِر مهمّته في التشريع والمحاسبة؟ أجوبة النواب «ولا أسهل». بعضهم يربطها «بترسيخ مبدأ الشفافية»، وآخرون اعتبروا أن «ما حصل سابقاً هو خطأ ولا يبّرر ذلك ارتكابه مرّة أخرى». بهذه البساطة إذاً يجري التعاطي مع مسائل إدارة الشأن العام، وفي مواضيع شديدة الأهمية كقطاع البترول. في هذا الإطار، يرى النائب إيلي الفرزلي أن «التغاضي عن هذه المسألة في قانون الموارد البترولية في البحر كان خطأ. لكن إذا كانت الأكثرية السابقة غير مكترثة بالدستور، فهل نتبع نهجها؟». ويشير إلى أنه «يؤيد فكرة العودة إلى مجلس النواب، بشرط ألّا يؤدي ذلك إلى عرقلة الإجراءات التلزيمية».