برحيل شفيق الحوت، تفقد القضيّة الفلسطينيّة أحد أبرز وجوهها ومثقّفيها، الذين طبعوا مرحلة العمل الفلسطيني منذ عام 1948 حتى اتفاق أوسلو، الذي عارضه الحوت واستقال بموجبه من اللجنة التنفيذية للمنظمة، غير أنه بقي ناشطاً في العمل السياسي، وشاهداً على العصر الفلسطيني بمراحله كلها، من النكبة، مروراً بالحرب اللبنانية، وانتهاءً بالانقسام الحالي


حسام كنفاني
«من يافا بدأ المشوار»، هذه الجملة كانت جزءاً من عنوان كتاب، المذكرات، «بين الوطن والمنفى»، الذي أصدره الراحل شفيق الحوت في عام 2007. البداية كانت من يافا في عام 1932، حيث ولد لعائلة لبنانية مهاجرة إلى فلسطين، في إطار «الدولة العثمانية» في ذلك الوقت، حتى إن جدّه صار مختاراً لحيّ «المنشيّة»، حاملاً لقب «البيروتي».
ومن يافا كانت بداية الوعي السياسي مع اندلاع «الثورة العربية الكبرى» بين عامي 1936 و1939. ثورة كان لآل الحوت اليافاويين دور كبير فيها عبر الابن البكر جمال، الذي يصفه شفيق الحوت بأنه كان «من الشباب الطليعيين».
في السابعة من عمره عايش قمع الانتداب البريطاني وتعاونه مع المنظمات الصهيونيّة. ويروي، في مذكراته، الحادثة التي دفعته إلى الانفتاح على أزمات البلاد، عندما اقتحم «جنود بريطانيون ومعهم مجنّدة يهوديّة» بيت العائلة بحثاً عن السلاح، وكيف منعت والدته المجنّدة اليهودية من تفتيشها لأنها «كانت تخبّئ قنبلة يدوية في صدرها».
عبر هذه القنبلة، التي كانت تخصّ شقيقه جمال الذي استشهد في عام 1948، بدأ تعرّف الحوت إلى الكفاح المسلّح. ومن جمال، الذي كانت تربطه به علاقة وطيدة، عرف تفاصيل الصراع في ذلك الحين، والقائم على «إيقاف هجرة اليهود إلى بلادنا».
الوعي السياسي تبلور خلال دراسته الثانوية في «كلية العامرية»، إحدى أشهر مدارس يافا، ومنها ساهم في تأسيس «اتحاد الطلاب العام للفلسطينيين». وفي تلك الفترة كان تعرّف شفيق الحوت إلى الشيوعيّة عبر مجموعة ندوات وحركات نضالية ساهمت في معارك عام 1948، التي يصفها الحوت بأنها كانت «مقاومة شعبية وبلا قيادة مركزية».

بحث عن هذا «الورد الأحمر الخدين» في اتفاق أوسلو فلم ير إلا «سعداناً أحمر الردفين»

في السابعة من عمره عايش قمع الانتداب البريطاني وتعاونه مع المنظمات الصهيونيّة
بعد رحلة نزوح في داخل يافا، كانت هجرة عائلة شفيق الحوت في 24 نيسان 1948 إلى بيروت، التي كانت العائلة تعتاد زيارتها للاصطياف والتواصل مع الفرع اللبناني من آل الحوت. لم تكن العائلة تدرك أن الزيارة ستطول، وتتحول إلى لجوء. كانوا يمنّون النفس بالعودة، إذ إن الأب «رفض أن يستأجر بيتاً غير مؤثث». ومن يومها لم ير شفيق الحوت يافا، حتى إنه رفض زيارتها سائحاً بعد اتفاق أوسلو، عندما منحت إسرائيل «رقماً وطنياً» لبعض القيادات الفلسطينية لحضور المجلس الوطني.
وفي بيروت، التحق شفيق الحوت في العام نفسه بالجامعة الأميركية، التي يصفها بأنها كانت «مصنع الرجال». كان قريباً من الشيوعيين ومتأثراً بأفكارهم، ثم تحوّل إلى القوميّة العربية مع ظهور جمال عبد الناصر، حتى إنه يتبادل طرفة مع زميله في الجامعة جورج حبش ويقول له «يا جورج إحنا شاءت أقدارنا أن لا نلتقي، عندما كنت أنا قريباً للماركسية كنت أنت عروبياً، ولما أصبحت أنا عروبياً أنت رحت صرت ماركسياً».
في الفترة نفسها فُصل من الجامعة لمدة عام بقرار من رئيس الجمهورية بتوقيع الرئيس بشارة الخوري ورئيس الوزراء آنذاك عبد الله اليافي، وقضى القرار بإبعاده من لبنان بتهمة القيام بنشاطات معادية، وتم سجنه لمدة 3 ثلاثة أشهر.
كان الحل الوحيد لإبطال الحكم هو استرداد الجنسية اللبنانية عبر رفع دعوى قضائية. وبالفعل أبطل الحكم وعاد الشاب المشاكس إلى الجامعة، حتى تخرّج في عام 1953، حين بدأ العمل في التدريس الثانوي في مدارس المقاصد. ويشير إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري كان من تلامذته.
مشاكسته انتقلت إلى وظيفته الجديدة، فقد كان يحرّض الطلاب على التظاهر، ما أثار استياء إدارة المدرسة، التي عاقبته بنقله إلى مدرسة أطفال، قبل أن تستغني عنه عام 1956، لينتقل إلى العمل سنتين في الكويت ويعود بعدها إلى لبنان للانخراط في العمل الصحافي، حيث بدأ العمل في مجلة «الحوادث»، التي كان الراحل سليم اللوزي، مديراً لتحريرها.
وحين اختلف اللوزي مع كميل شمعون وهرب إلى دمشق، أصبح مديراً لتحرير المجلة، التي لم تشغله عن العمل الوطني الفلسطيني، إذ ساهم في تأسيس جبهة التحرير الفلسطينية عام 1963، بعدما كان قد تعرّف إلى ياسر عرفات في عام 1961. اقترب الحوت من عرفات، لكنه استمر في انتقاداته لحركة «فتح»، ولا سيما قربها من الإخوان المسلمين، ومعاداتها للاتحاد السوفياتي والشيوعية والفكر القومي العربي.
وعبر جبهة التحرير الفلسطينية، شارك في مؤتمر ولادة منظمة التحرير الذي عقد في 28 أيار 1964 في مدينة القدس، التي لم تكن بعد محتلّة. وتمّ تعيينه ممثلاً للمنظمة في لبنان.
من هنا، كانت انطلاقة العمل السياسي الرسمي لشفيق الحوت، وسبب تعرضه لعشر محاولات اغتيال. ثم كانت الخلافات مع رئيس منظمة التحرير أحمد الشقيري، بسبب تفرّده بالقرار، حتى انتخاب ياسر عرفات رئيساً للمنظمة في عام 1969. بعدها كان الانتقال الفلسطيني إلى لبنان بعد معارك عام 1970 في الأردن. حينها لم يعد هناك حاجة إلى ممثل لمنظمة التحرير في بيروت، ما دامت المنظمة كلها أصبحت في لبنان. فتحوّل الحوت إلى الاهتمام بالتواصل مع الإعلام العالمي لشرح القضية الفلسطينية.
عايش الحوت مرحلة الحرب اللبنانية، بعدما كان قد أدّى دوراً في إبرام اتفاق القاهرة في عام 1969، وكان له توصيف لتلك الفترة ينتقد فيه الطرفين الفلسطيني واللبناني، فهو يرى أن إمساك الفلسطيني «بقرار الحرب والسلم كان خللاً عقليّاً في العمل السياسي». كما يلوم اللبنانيين لأنهم «راودوا الفلسطيني على مزيد من التدخل في الشؤون اللبنانية».
في عام 1976، كان الدخول الرسمي لمنظمة التحرير كطرف في الحرب الأهلية اللبنانية، بعد اجتماع شهير، شارك فيه الحوت، وجمع أبو عمّار ورئيس حزب الكتائب بيار الجميل وابنه بشير في منزل السفير الكويتي. وشهد الاجتماع هذا مصالحة بين عرفات وبيار الجميل، الذي نفى بشدة العلاقة مع إسرائيل. لكن في ختامه، مال أبو حسن سلامة على الحوت ليؤكد له أن الكتائب على علاقة مع إسرائيل. وحين سأله كيف عرفت، قال سلامة إن بشير قال له: «بلادكم تستاهل وحلوة».
رغم ذلك، فإن الحوت كان دائم الانتقاد لمرحلة الحرب. ويقول في أحد حواراته «نحن واللبنانيين فعلاً كنا أغبياء بحق أنفسنا، عندما لم نستطع أن نخرج من الحفرة التي وقعنا بها. أُصبنا بالجنون الجماعي».
الحوت شارك في الوفد الفلسطيني إلى اجتماع الأمم المتحدة في جنيف في عام 1994، مسؤولاً إعلامياً، لكنه لم يحتمل توقيع عرفات لاتفاق أوسلو في عام 1993، فاستقال من منصبه في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بعد سجال مع عرفات خلال اجتماع المجلس المركزي، ردّ خلاله على وصف أبو عمار لاتفاقية أوسلو بأنها «ورد أحمر الخدين»، فقال له «يا أخ أبو عمار، أبحث عن هذا الورد الأحمر الخدين فلم أر إلا سعداناً أحمر الردفين».


ينضمّ إلى «شهداء فلسطين» اليوم

توفّي المدير السابق لمكتب منظمة التحرير في لبنان، شفيق الحوت، صباح أمس في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، عن عمر يناهز 77 عاماً. وكان الحوت قد أدخل المستشفى منذ يوم الجمعة الماضي، إثر تأزّم حالته الصحية من جراء استفحال مرض السرطان الذي عانى منه الراحل منذ فترة. وكانت سفارة فلسطين في بيروت ومنظمة التحرير الفلسطينية، السباقتين في إعلان وفاة «أبو هادر» الذي سيُدفن في مقبرة شهداء فلسطين في بيروت ظهر اليوم، بعد الصلاة على جثمانه في مسجد الإمام علي.
وقد توالت بيانات النعي فور الإعلان عن رحيل القيادي الفلسطيني اللبناني الأصل. وفي رام الله، نعى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الحوت، معتبراً أنّ وفاته «خسارة وطنية وقومية شاملة»، واصفاً إياه بأنه «كان من أبرز المدافعين عن وحدة التمثيل الفلسطيني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا».
ونعت معظم التنظيمات والأحزاب الفلسطينية، الحوت. ولم تتأخّر حركة «حماس»، في بيان مقتضب، في الإعراب عن أسفها لرحيل «المناضل الفلسطيني الكبير بعد حياة حافلة بالنضال والكفاح من أجل تحرير فلسطين، واستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني».
وذكّرت الحركة الإسلامية أنّه «عُرف عن الفقيد مواقفه الصلبة في تبنّيه لخيار المقاومة والكفاح المسلح نهجاً لتحرير فلسطين، ورفضه لنهج أوسلو التفريطي، وخيار التسوية، ومسار المفاوضات العبثية مع الاحتلال».
بدورها، أصدرت «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين»، بياناً، نعت فيه «ببالغ الحزن والأسى، رحيل المناضل والمفكر والمؤرخ شفيق الحوت، القائد الوطني، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، العضو السابق في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وممثلها في لبنان، الذي استقال من اللجنة التنفيذية رفضاً لاتفاق أوسلو عام 1993».
(وطنية، وفا، يو بي آي)