يلتقي الدكتور شربل نحاس مع التيار الوطني الحرّ على مجموعة من النقاط والمفاهيم، وفي الوقت نفسه يقول إنه «مش عيب مقاربة الأمور من منطلق يساري». وفي الوقت نفسه، لا يزال نحاس، يرى كغيره من أبناء جيله، أنّ الحرب شكّلت الصدمة الأساسية لهم، إلا أنها خرّجت جيلاً راكم التجارب والخبرات، ما زاد الطلب عليه (الجيل) في هذه المرحلة


نادر فوز
يبتعد الدكتور شربل نحاس عن تقديم أي إجابة أو وجهة نظر تتخّذ بعداً أو منطلقاً شخصياً. فتتكرّر عبارة «البعد السوسيولوجي» في كثير من الإجابات والتفسيرات التي يقدمها. لا يتطرق إلى أنّ الجهود المهنية والعملية التي قام بها أوصلته إلى منصب وزير، ولا يتحدث عن تاريخه «النضالي» أو العلاقة بفلان. يضع كل ما له علاقة بالـ«أنا» وتوابلها جانباً، أو ربما يتركها في إحدى زوايا رأسه ليتحدّث عن تطوّر جيل بكامله. ويرى أنّ المرحلة السياسية الحالية «مرحلة البحث عن ترتيب جديد»، هي مرحلة «الطلب»، وفق المفهوم الاقتصادي للكلمة، على هؤلاء الناس.
في الغرفة المخصصة للعمل في منزله في الأشرفية، يمضي نحاس وقته في متابعة الصحف والدراسات. يكون كل يوم عند الساعة السابعة صباحاً مستعداً لمباشرة يومه، متسلّحاً بركوة قهوة وعلبة سجائر. يردّد كل خمس دقائق: «اعطني فنجانك»، ما يعكس شرهه لشرب القهوة.
يقول إنه ينتمي إلى جيل «راكم تجارب وخبرات بمجالات مختلفة خلال الثمانينيات والتسعينيات، سواء أكان في الشأن العام أم في السياسة». يقدّم نفسه كفرد من مجموعة في هذه الفئة العمرية: «رأيت أنّ ثمة تحدياً كبيراً يستأهل أن يبقى الناس في البلد إبان الحرب». وفي شرحه لأسلوب عمل هذا الجيل والفترات التي مرّ بها، يمكن استنتاج بعض الأفكار والمراحل التي عايشها نحاس، كفرد، ولو أنه لا يذكر أي شعور أو موقف شخصي.
في تقديمه لتلك الفئة، يقول إن تلك المجموعة «استطاعت الإلمام بمسائل البلد وبناء شبكة معارف واتصالات واسعة، من دون أن تكون منضوية أو منتمية إلى كتل أو أجهزة سياسية»، أي أنّ نحاس لم يكن يوماً منتمياً إلى حزب أو إلى أي من قوى الأمر الواقع التي تسلّمت في ما بعد زمام إدارة السلطة والبلد.
هكذا، يعرّف شربل نحاس الجيل الذي ينتمي إليه، أي هكذا يعرّف نفسه. وعن توزيره، يقول إنّ الخضة السياسية والأمنية التي انطلقت عام 2004 أحدثت تخلخلاً في التركيبة السياسية السابقة، وإن مفهوم العمل السياسي بدأ يتغيّر، «فكان من الطبيعي أن يزداد الطلب على هذه الفئة»، أي الفئة التي ينتمي نحاس إليها.
في هذا الإطار، يشير نحاس إلى أنّ رئيس تكتل التغيير والإصلاح، ميشال عون، هو من أكثر الزعماء السياسيين الذين أيقنوا ضرورة وجود شخصيات كهذه في هذه المرحلة، حتى إنّ رؤيته للتوجّه السياسي لعون تنطلق من قراءة سوسيولوجية. فيرى أنّ عون هو «ابن الدولة»، على اعتبار أنه كان قائداً للجيش باختلاف باقي الزعماء الذين ترأسوا ميليشيات ومنظمات مسلّحة، ولكون عون غير «نابع» من تنظيمات مشاركة في مرحلة الاتفاقات والتسويات. وعلى اعتبار أنّ عون، بحسب نحاس، «متّصل بفئات من المصالح الاقتصادية المحدودة، وأنه ليس وريثاً لأي مشروع أو بيت سياسيين.
«ليس من الغرابة أن يكون حصل تلاق على عدد من الأطروحات في بعض المحاور»، يقول نحاس، مشيراً إلى مجموعة من العناوين مثل وضع تصوّر لإعادة وظائف الدولة والاقتصاد، وتعزيز دور مؤسسات الدولة وإنتاجها...
يدفع التلاقي بين نحاس والتيار الوطني الحرّ إلى سؤال الوزير الجديد عن هوّيته السياسية. «مش عيب أن يكون توجّه الشخص، في مقاربة الشأن العام، يسارياً». حتى في هذا الجواب، يبتعد عن الضمائر المتّصلة بالـ«أنا». يضيف: «مش عيب أن يكون الشخص يسارياً، وخصوصاً إذا كان عنوان المرحلة هو السعي إلى استعادة هيبة الدولة، والأساس هو إقناع الناس بالحاجة إلى الدولة».
ينطلق من جديد من المنطلق السوسيولوجي ليقول إنّ المقاربة اليسارية هي التي تنظر إلى المجتمع لا كمعطى. «هذه المقاربة هي المدخل الطبيعي لاستعادة وظيفة الدولة». يشرح الفكرة: تنظر إلى المجتمع على أنه نتاج تاريخي متحرّك، ومنه يمكن بناء دولة تبني وطناً، لا العكس. يقول: لا يمكن القول إنّ المشكلة هي في حكم العشائر أو الطوائف، وفي الوقت نفسه تعمل على هذا الأساس.
بدأت معالم السياسة تتغيّر مع تصدّع البنية السياسية، لكن «ليس جراء التحركات والحركات والاجتماعات والتظاهرات التي كانت تقودها قوى الإصلاح واليسار». يتبيّن في الحديث مع نحاس أنّ الحرب اللبنانية كان لها التأثير الأكبر عليه، أو على جيله. يقسّم هذه الحرب إلى ثلاث مراحل: الأولى من عام 1969 حتى 1975 أو 1976، حيث كان الضياع حاكماً: كل القوى تبني أجسامها ومؤسساتها، وفي الوقت نفسه يدعون إلى بناء الدولة واحترامها. المرحلة الثانية بين 1976 و1983: سقوط ازدواجية الحديث عن الدولة وبناء الدول الخاصة، إذ تصادمت المشاريع وأصبح الكل


عمل ونشط وتابع بعض مشاريع إعادة الإعمار بين عامي 1983 و1986

لا تُطرح الخصخصة من منطق اليأس من الدولة، وبعض من يفعل مساهم في القضاء على دور الدولة
يتحدّث عن مشروعه الخاص. الفترة الثالثة بين 1983 و1991: سقوط المشاريع، واليأس من وجود دولة وبدء عمل لجان التنسيق.
هكذا، فهم جيل نحاس الحرب اللبنانية وحدّدها في مراحل. والنتيجة هي أنّ الدولة اليوم أضعف «بما لا يقاس عن مرحلة السبعينيات وما قبلها»، إن كان في قدراتها أو موظفيها أو إنتاجها. وفي الوقت نفسه، يجد نحاس أننا «نقف قبل دعسة من عتبة العنف، لأنّ الناس لم ينسوا مرحلة الثمانينيات».
عاش نحاس مراحل الحرب اللبنانية، في باريس أو بيروت، الغربية منها. العودة إلى لبنان بين عامي 1979 و1980 كانت صدمة بالنسبة إلى هذا «الجيل». ترك نحاس بيروت في عام 1974، حين كان يعتقد الجميع أنها «لن تخرب»، وعاد بعدها بستّ سنوات لتكون الحرب قد أرخت بأوزارها.
عمل ونشط وتابع بعض مشاريع إعادة الإعمار بين عامي 1983 و1986، ليعود ويشتغل في القطاع المصرفي، ويرتّب بعض عمليات تمويل مشاريع في قطاع الاتصالات، ويفتح صفحةً جديدة في مجال الاستشارات والأبحاث الاقتصادية.
لا يزال نحاس يحتفظ بالهوية اليسارية، وفي الوقت عينه يطرح مفهوم الخصخصة، التي أول من يعارضها أهل اليسار على اعتبار أنها تساهم في إبعاد يد الدولة عن قطاعاتها وتفتح الأبواب أمام الاحتكار وغيره. يعلّق نحاس على هذا الموضوع: «في لبنان، نتحدّث عن مفهوم الخصخصة من ذيله». يفسّر: لا تُطرح الخصخصة من منطق اليأس من الدولة، كما يفعل البعض، مع العلم بأنّ هذا «البعض» هو من أول المساهمين في القضاء على دور الدولة.
يدافع نحاس عن فكرته، مؤكداً أنّ تحديد الوظائف العامة هو ما يحدد دور الدولة. ويسأل: «ما المانع من أن تضع الدولة أهدافها ومشاريعها وشروطها، وأن تقوم شركات أو مؤسسات خاصة بتنفيذ ما تريده الدولة وفق شروطها وأهدافها؟». ويسأل من جديد: «هل في وزارة الأشغال مثلاً، عمّال فاعل؟»، مع العلم بأنّ موضوع الخصخصة بدأت مناقشته في لجنة البيان الوزاري، ونحاس عضو فيها.
يمكن اختصار مفهوم نحاس بعبارة واحدة: «لا أريد المال من المستفيد، بل من المكلَّف».


لست زلمة الحريري ولا عدوّه

يواجه بعض المنتقدين الوزير شربل نحاس باعتباره عمل مع الرئيس رفيق الحريري، وساهم في مشاريع إعادة الإعمار. عكس ما يحاول البعض تصويره، يفتخر نحاس بأنه كان أحد المهندسين الأساسيين الذي ساهموا في عملية ترميم و«تنظيف» بيروت من الدمار بعد الاجتياح الإسرائيلي. بهبات سعودية، فجرت مشاريع رفع الركام والجثث وترميم الأبنية بإشراف من شركة «أوجيه» التي أسسها الحريري في ذاك العام. وعند الانتهاء من العمل في المناطق المأهولة، وصل دور الوسط التجاري وغيره من المناطق غير المأهولة، إذ سجّل نحاس موقفاً معارضاً لآلية عمل «أوجيه» في تلك المناطق.
اتّخذ نحاس هذا الموقف على اعتبار أنّ ثمة في «الوسط» أماكن أثرية وممتلكات، وأن التعامل مع هذه المنطقة يفترض وجود مخطط تدريجي. فتم، في الشركة، إنشاء دائرة الدراسات التي أصبح نحاس مسؤولاً عنها، وفي بداية عام 1986، أنهى نحاس ومن معه بلورة مشروع ترميم «الوسط» وإعادة بنائه مع صيغ لتنفيذ هذا المشروع. فحصل اختلاف في الرأي بينه وبين إدارة «أوجيه» (أي الحريري) التي كانت تسعى إلى أن تنفذ هذا المشروع شركة تجارية خاصة (أصبحت «سوليدير» لاحقاً). فيما كان نحاس يشدّد على أن تكون العملية تحت إشراف وتنفيذ مؤسسة عامة تتعاقد مع مؤسسات عقارية.
حصل الخلاف يومها، وانتهت العلاقة بين نحاس والحريري و«أوجيه».
يفتخر نحاس بذلك، ويقول: «لست زلمة الحريري ولا عدوّه، كانت ثمة علاقة في مشاريع العمل وإعادة الإعمار وحصل اختلاف في الرأي». بهذه البساطة يقدّم نحاس علاقته بالحريري، من دون زيادة أو نقصان، مبقياً الأبواب مفتوحة على الجميع، وذلك لمصلحة البلد، ووجود أكثر من وجهة نظر.