لا صورة ولا حتى خبر قديم عن زيارة عبد الله الثاني إلى القدس. يبدو غريباً أن يغيب صاحب الوصاية عن أمانته منذ تسلّمه العرش عام 1999، بل يبدو ضرباً من الخيال أن نجده على أعتاب المسجد الأقصى هذه الأيام، ليغيظ بأقلّ تقدير الخصم التاريخي القابع في الرياض: من أخرج أجداده من مكة، وسرق «شرف» خدمتها، بل لاحقهم إلى تخوم معان ليقتلهم، وها هو اليوم يزاحمه على «السلام مع أبناء العم» قبل مفاتيح المدينة المحتلة! إذاً، يقف عبد الله وحيداً ليحمي ملكه. هو يعرف هذه العزلة، فقد عاشها منذ بدء الحديث عن «صفقة القرن» وترتيبات الوضع الجديد الذي يتغوّل على مساحة وصايته على الحرم المرتبطة بسيادة حكمه ومشروعيته. أما ما حدث خلال الأعوام القليلة الماضية، بين القصر وحلفائه من العيار الثقيل، فيشي بالموقف الهزيل لعمّان التي تمارس منفردة الاعتراض على الضم على نحو يثير السخرية، بعد أن تجاوزت مصالح تل أبيب جغرافيا المملكة إلى ما هو أبعد، في الخليج.

يغيب عن بال كثيرين أنه وفقاً للدستور الأردني، الضفة الغربية بما فيها القدس أراضٍ أردنية، وسواء كنّا مع فك الارتباط أو ضده، ذلك لن يغير حقيقة قانونية مفادها أن فكّ الوحدة عام 1988 غير مقونن حتى الآن، ما يعني أن على المملكة أن تسترد هذه الأرض المحتلة مع أنها فرّطت بحقها في ذلك لما وقّعت «وادي عربة»، لتمسي حدودها الدولية الغربية مع إسرائيل «دولة جارة» لا عدوّة، بمعزل عن أي دولة فلسطينية تتمسك عمّان بها على حدود الرابع من حزيران. كما لا يغيب أن الأردن اشترك في المفاوضات مع الفلسطينيين والإسرائيليين، ومع أن عبد الله كان أبعد ما يمكن من مجالس صنع القرار في عهد والده، فإنه أمسى وريثاً لاتفاقية عايشها وهو ملك لأكثر من 21 عاماً. لم يكن لاعباً بارعاً في ردهاتها، بل احتكم لصوت التوازن من دائرة مستشاريه الذين صار أحدهم مستشاراً لولي عهد السعودية! فبقيت «وادي عربة» تحت السيطرة على رغم التوترات الكثيرة مع تل أبيب، وعبر هذه السنوات، كان «الملك الشاب» محاطاً بطاقم المفاوضات الذي اختاره والده، بل حافظ الابن على سَدنة المعاهدة، عبر تعيينهم في مناصب الدولة التشريعية والتنفيذية، أو إبقائهم قريبين في مجلسه (مجلس الأعيان)، لكنهم كبروا الآن، وبعضهم أعياه المرض أو تقدّمت به السن، عدا انتهاء صلاحية تلك الرؤية في الانفتاح على العدو بحكم الأمر الواقع والظرف العربي الذي أعقب الحرب على العراق بداية التسعينيات.
أكثر من ذلك، حتى الحلفاء كشفوا عن شروطهم الجديدة، والممولون يحبسون دولاراتهم للاعبين الجدد، وعبد الله في الخانة الضيقة يحاول إدارة أزمة حكمه بنفسه هذه المرة، وبوزير خارجية أداؤه أقلّ من عادي، وبرئيس وزراء يفتقد الحنكة ولا إجماع على شخصه بين دوائر القرار أو الحرس القديم، وحتى جماهيرياً بعد أن خذل معظم من هلّلوا لقدومه. هذا الوضع دخله القصر قبل عامين، إذ كان الصمت قد بدأ بين عمّان وواشنطن، لكنه انقطع بالتحديد في مثل هذه الأيام، حين وصل فجأة بنيامين نتنياهو إلى الأردن الخارج للتوّ من موجة احتجاجات أفضت إلى إقالة الحكومة وتسمية أخرى بصبغة اقتصادية. جاءت الزيارة بعد حادثة السفارة (تموز/يوليو 2017) التي أودت بحياة أردنيين، وكان نتنياهو قد استقبل القاتل بحفاوة مستفزّة! بعد الزيارة المفاجئة، التي خلت من أي مراسم أو صور تذكارية، غادر عبد الله إلى واشنطن والتقى دونالد ترامب رسمياً للمرة الأخيرة مذّاك. كان من الواضح أن الخطوط العريضة لـ«صفقة القرن» لم تعجب عبد الله، وقبوله يعني إطلاق النار على قدميه، ولذلك بدأ حراكه وتوجه إلى أصدقائه في الكونغرس من الديمقراطيين والجمهوريين، ثم توالت زياراته ولقاءاته في أوروبا والدول «الإسلامية»، وبدأ التركيز أكثر على الوضع الداخلي، إذ غيّر رؤساء المناصب الأمنية والعسكرية. جفوة البيت الأبيض للقصر جعلت أي لقاء من أي مستوى مع الأميركيين ذا ثقل، ولهذا اشتد الترقب للقاءات عبد الله وولي عهده «الافتراضية» على مدى يومين (الأسبوع الماضي) مع لجان في الكونغرس منها لجان المخصّصات المالية. وباء كورونا جعل اللقاء مستغرباً مع أنه تواصل دوري، سواء إن عقد في واشنطن أو من عمّان. الحديث مع الأميركيين رفع معنويات عبد الله لكن الدفقة الإيجابية لم تدم طويلاً، إذ يبتزّ البيت الأبيض المملكة هذه الأيام بتلويحه بالنظر في تسليم مواطنة (أحلام التميمي) مقابل استمرار المعونات التي تتجاوز الـ 1.3مليار دولار سنوياً. في الميزان الاقتصادي الحساس، لهذه المحاولات أثرها الصارخ، فإن حُرمت المملكة هذا المبلغ سيكون كل التضامن والمساندة من أوروبا مثلاً غير مؤثر، وهذا ينسحب على تدخل ألمانيا التي يأمل القصر أن يكون في وسعها إحراز تقدم مع حكومة نتنياهو، ولا سيما أن برلين لعبت دور الوسيط بين المقاومة والعدو سابقاً.

سواء كنّا مع «فكّ الارتباط» أو ضده، ذلك لن يغير حقيقة قانونية مفادها أن فكّ الوحدة عام 1988 غير مقونن حتى الآن


على المقلب العربي، يتقاطع الموقف الأردني مع السلطة الفلسطينية حتى بدا أنه موحّد، فمتنفّس رام الله الوحيد يمر عبر عمّان. وهنا يذكر وجود صائب عريقات في المملكة بصورة شبه دائمة منذ إعلان ترامب القدس «عاصمة لإسرائيل»، لكن ذلك يفقد أهميته أمام الزيارة الفجائية وغير المعلنة لوزير الخارجية أيمن الصفدي لرام الله حاملاً رسالة إلى محمود عباس من الملك، بعد أن هاتف الأخير الإماراتيين والبحرينيين، ما يدل على رسالة أردنية للأطراف المعنية تبلورت أخيراً. التوجه إلى أبو ظبي مفهوم ولم يكن استثناء، ففي موجة الاحتجاجات الأخيرة في عمّان كان تفاعل محمد بن زايد «إيجابياً»، إذ كان أول المتصلين بعبد الله من بين العواصم الخليجية التي حضرت لاحقاً «قمة مكة» الرباعية، كما لا يمكن تجاوز موقف ابن زايد من قصة الأميرة هيا (الأخت غير الشقيقة لعبد الله)، بجانب تأثير تيار محمد دحلان في المملكة اقتصادياً أو شعبياً، ما يفرض علاقة ثنائية لا يمكن إغفالها. أما قطر، فلا يبدو أنها تشكل فرقاً في معادلة واشنطن بخصوص الضمّ، لأن يهم الدوحة أساساً الوضع في غزة حيث تدعم «حماس» التي تكاد تكون مكبّلة في الضفة. لكن على صعيد الدبلوماسية تقف الدوحة في نقطة أقرب إلى عمّان (إلى جانب أنقرة) في دعمها الوصاية الهاشمية نكاية بالرياض، بل يبدو التطبيع على الطريقة الأردنية يناسب القطريين أكثر من التساوق مع التطبيع السعودي «الفجّ». مع كل ذلك، لم تشفع خدمات الحكم الهاشمي للخليج في تحسين موقفه من صورة الوضع الإقليمي الجديد، بل واضح أن الاتفاق الأميركي ــ الإسرائيلي تمّ مع السعوديين ومعهم الإماراتيون دون أدنى تأثير من عمّان في الصورة العامة. هكذا أصلاً كان الدور الأردني في الحرب على سوريا، في غرف «الموك» وأخواتها، جهداً غير مشكور، ولا حتى إرسال الدرك لسحق الحراك في البحرين، أو مساندة سلاح الجو الأردني لقصف طرابلس الغرب مع الحلف الخليجي، وحتى انحيازه في الشأن الليبي أخيراً، بل قوبلت هذه الجهود بمساعدات محدودة حين خرج المحتجون في عمّان.
على الصعيد الداخلي، يشلّ «قانون الدفاع» الحياة السياسية، فكل النشاطات برسم التأجيل، والتركيز منصبّ على الوضع الاقتصادي، مع تململ واضح من الخسائر الفادحة بسبب «كورونا». لم يكن وضع الاقتصاد أفضل قبل الإغلاق التام، لكن الناس الآن منهمكون في حساب خسائرهم ومراجعة الرسائل القادمة من الضمان الاجتماعي بنصف رواتبهم، ولا يوجد على جدول أعمالهم رد فعل بسبب الضم، بل لم تثر الوقفة الاحتجاجية المنفردة للنائب سعود أبو محفوظ، عن كتلة «الإصلاح» الممثلة عن «الإخوان المسلمين»، أمام السفارة الأميركية حميّة الجمهور، بل تفاعلوا أكثر مع رد أحد المطاعم الأردنية على تغريدة لإيدي كوهين يقول فيها إن دبابتين إسرائيليتين قادرتان على احتلال المملكة في ثلاث ساعات!
على أيّ حال، قد تتعثر الإجراءات الإسرائيلية للضمّ، أو قد تكون أقل من المتوقّع، وربما هناك تفاهمات مع عمّان ورام الله كما رشح أخيراً عن رسالة نقلها رئيس «الموساد»، يوسي كوهين، إلى عبد الله. عموماً ما ستفعله تل أبيب هو في واقع الأمر ترجمة للممارسات الفعلية للاحتلال في الضفة والغور، التي لم تؤزّم العلاقة مع عمّان قبل، فالأخيرة لا تطمح إلا لشراء الوقت وانتهاء الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وما سيتبعها من هدوء بعد «حفلة ترامب». وإلى ذلك الحين، سيبقى عبد الله وحده برغم الرفض الخليجي الشكلي لخطة الضم، بل حيدت حتى اللحظة أجهزته الأمنية الكتلة الفلسطينية الداخلية في المملكة تماماً، مع أنها قد تغامر وتؤجّجها في وقت لاحق، لتفتح الباب على مصراعيه لتأثير أطراف فلسطينية خارجية، سواء في الإمارات أو قطر. قد ينسحب سيناريو التحريك الأردني للكتلة الفلسطينية على تحذيرات الصفدي خلال حديثه مع المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، حين قال له: «المنطقة كلها تقف على مفترق حاسم: إما سلام عادل طريقه حلّ الدولتين، وإما صراع طويل أليم».
مخطئ من يظن أن النظام الهاشمي متماهٍ مع الحلول المطروحة، فما كشفته بنود الخطة الأميركية ستجعل منه أقل من موظف لدى إسرائيل والخليجيين، وفي أحسن الأحوال ضابط ارتباط محدود المهمات، إذ ستسلب منه سيادته بالمفهوم الدولي والشعبي الداخلي، وهذا سيسهل تغييره بآخر أردني من أصل فلسطيني أو بشرق أردني يؤدي المهمة على أكمل وجه، وكلا الخيارين لا يحمل أيّ صفة اعتبارية قد تكون عثرة أمام أي تبديل مستقبلي. إلى ذلك، سيبقى عبد الله ممسكاً أوراق «وادي عربة» وهو يقف على الكثبان الرملية بانتظار أن ينتهي هذا الكابوس.