في وقت تتواصل فيه الحرب الأمنية الإسرائيلية ضد المقاومة في قطاع غزة، وفي ظلّ استمرار محاولات العدو لإخضاع القطاع بسياسة الابتزاز بـ«المساعدات والتحسينات»، لا تنقطع مساعي المقاومة إلى الرفع من مستوى قدراتها، التي تجلّى بعض منها في المواجهة الأخيرة في أيار/ مايو الماضي. ترصد المقاومة مكامن الضعف الإسرائيلي بدقة، وتراكم على نقاط قوتها، لتخرج بمعادلات من شأنها أن تجعل أي مواجهة مقبلة باهظة التكلفة بالنسبة إلى إسرائيل. هذا ما تؤكده خلاصاتٌ اطّلعت عليها «الأخبار»، انتهت إليها المقاومة في ضوء جولة الثماني والأربعين ساعة. في المقابل، يحاول العدو ردّ الاعتبار إلى مؤسسته الأمنية، بانتهاج سياسة «الاغتيال الناعم» التي باءت جميع فصولها بالفشل إلى الآن، شأنها شأن عملية خان يونس التي لا تزال تداعياتها تتوالى في الداخل الإسرائيلي، حيث من المحتمل أن تؤدي إلى إطاحة قائد «شعبة الاستخبارات» تمير هايمن. تشتغل المقاومة، ليل نهار، على إعداد «مفاجآت» قد لا يحسب لها العدو حساباً، فيما لا تكفّ عن البعث برسائل القوة، وآخرها يوم أمس مناورة نفذتها «كتائب القسام» في غزة، بالتزامن مع أخرى تجريها كتيبة الاحتياط في الجيش الإسرائيلي في مستوطنة «سديروت» شمالي القطاع.


نموذجٌ من قدرات المقاومة التي ظهّرتها الجولة الأخيرة في أيار الماضي

في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إرساء «تسوية» للقضية الفلسطينية، مُفصّلة على المقاس الإسرائيلي، بحيث تحرم الفلسطينيين أدنى متطلبات قيام الدولة، وعلى رأسها الأرض، تواصل المقاومة اشتغالها على تطوير قدراتها، مجتهدةً في الترتيب لمستقبل مغاير تماماً لما تتطلّع إليه «صفقة القرن». «بدل أن يعطوا غزة جزءاً من سيناء، سنأخذ نحن مستوطنات غلاف غزة». يؤكد قائد في المقاومة لـ«الأخبار»، جازماً بأنه «في أي حرب مقبلة، على العدو أن يتوقع دخول مجموعات خلف خطوط العدو، والسيطرة على تلك المستوطنات». مفاجآتٌ لا تنحصر بالبرّ فقط، بل سيكون «للضفادع البشرية في أيّ حرب مقبلة دور مهم جداً، بعدما تطور أداؤهم وعملهم ونوعية الأسلحة التي يمتلكونها».
هذه السيناريوات، تبدو جولة التصعيد الأخيرة في أيار/ مايو الماضي، مقارنةً بها، نزراً يسيراً مما قد يواجهه العدو مستقبلاً، خصوصاً أن الجولة المذكورة فضحت نقاط الضعف الإسرائيلية، التي استوعبتها المقاومة جيداً، من أجل رفع مستوى استغلالها في قادم الأيام. إذ تبينت مثلاً إمكانية استهداف منظومة القبة الحديدية مباشرة، وكذلك استهداف جنود العدو مباشرة عبر إلقاء قنابل عليهم من طائرات «الدرونز» التي تملكها المقاومة، والتي أدخلتها إلى العمل من دون معرفة الاستخبارات الإسرائيلية بوجودها مسبقاً.
من بين أكثر الدروس المستخلصة دلالةً، من جولة أيار التي استمرّت 48 ساعة، تبرز القدرة على تخطّي القبة الحديدية، بل واستهدافها مباشرة في بعض الأماكن، علماً أن الاحتلال نشر (من أصل 14 منظومة قبة يمتلكها) سبع منظومات في مستوطنات غلاف غزة الآتية: زيكيم، سديروت، ناحل عوز، ريعيم، كيسوفيم، تسوحار، وحوليت (تتركز المنظومات الباقية في الجبهة الشمالية، على الحدود مع لبنان وسوريا). وفقاً لحصاد المقاومة، أُطلق خلال الجولة الأخيرة 700 صاروخ باتجاه مستوطنات العدو، نجحت «القبة» في اعتراض 30% منها فقط، بينما قال الجيش الإسرائيلي على موقعه الرسمي إنه من أصل 690 صاروخاً أُطلقت باتجاه المستوطنات، نجحت «القبة» في التصدي لـ240 صاروخاً. وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن «90 صاروخاً نجحت في استهداف أماكن سكنية داخل إسرائيل، بينما سقط 400 صاروخ في أماكن مفتوحة».
هذه الأرقام دفعت المقاومة إلى دراسة أداء «القبة» خلال التصعيد، فلوحظ أنه «في حالة إطلاق القذائف من مناطق قريبة من الحافة (حدود غزة)، هناك ضعف في التصدي. وفي حالة إطلاق رشقات صاروخية كثيفة (أكثر من 10 صواريخ)، هناك أيضاً ضعف في أداء القبة الحديدية». وتبين أنه في «حال استهداف مواقع عسكرية بحتة أو حساسة، فإن القبة تُفعّل، في حين أنها لا تُفعّل في حال استهداف الكيبوتسات والأراضي الزراعية عندما يكون موقع سقوط الصاروخ أرضاً مفتوحة». كذلك، ثَبتت لدى المقاومة خلاصة كانت قد ترجمتها مسبقاً ميدانياً، مفادها أنه لمنع «اعتراض الصواريخ البعيدة المدى، وللتغلب عليها (القبة الحديدية)، يجب إطلاق رشقات صاروخية متتالية بمدة زمنية لا تزيد على 5 دقائق». التكتيك الجديد اعتمد على إطلاق «زخّات كثيفة جداً من الصواريخ تصل إلى عشرات الصواريخ في الرشقة الواحدة، وباتجاه هدف واحد، وإطلاق رشقتين كثيفتين لهدفين نقطويين فقط»، بهدف إتاحة هروب صاروخ أو اثنين وسقوطهما على الأماكن السكنية. وهذا ما انعكس في عدد الإصابات وحجم الأضرار التي سبّبتها صواريخ المقاومة في المدن والمستوطنات الإسرائيلية، حيث قُتل 6 مستوطنين وأصيب 155 آخرون بجروح.
من بين أكثر الدروس المستخلصة دلالةً، تبرز القدرة على تخطّي القبة الحديدية


ميدانياً، أظهرت المقاومة أيضاً جرأتها وإمكاناتها، باستهداف آليات العدو المنتشرة على حدود قطاع غزة بصواريخ «كورنيت» المضادة للدروع، التي أصابت سيارة وآلية من نوع «إشزريت» على حدود القطاع، إضافة إلى محاولة المقاومين استهداف مدرعة جواً. وفي هذا الإطار، كتب أليكس فيشمان في صحيفة «يديعوت أحرونوت» (17/5/2019) أن «حماس حاولت تدمير مركبة عسكرية تقلّ جنوداً بإطلاق صاروخ من طائرة عمودية، كان الصاروخ مجهزاً برأس حربي، وكان من المفترض أن يتمكن من اختراق أنواع المدرعات التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي، لكن الصاروخ أخطأ هدفه». وأضاف فيشمان أن «الحوامة المحملة بالصاروخ لم تستهدف المدرعات فقط، بل كان هدفها استهداف بطاريات القبة الحديدية، وحماس استخدمت الحوامات لجمع المعلومات الاستخبارية حول تحركات جيش الاحتلال ووضعها في مرمى أهداف الهاون».
حالياً، لا توفر المقاومة الفلسطينية في غزة جهداً أو منفذاً لتطور قدراتها. عمليات نقل السلاح لا تزال مستمرة، على رغم الحصار الإسرائيلي والمصري، فيما لم يتوقف عمل وحدات التصنيع مطلقاً. صحيح أنه تأثر بفعل سيطرة «داعش» على سيناء واستهداف التنظيم الإرهابي لناقلي السلاح إلى غزة، لكن المقاومة الفلسطينية ردّت على ذلك بتنفيذ عمليات أمنية، خاصة أن «ما فعله التنظيم لم تستطع إسرائيل إيقافه، لذا كان مطلوباً ضربهم واستهدافهم، لأن ما فعلوه أثّر بعمل المقاومة»، بحسب ما يقول القيادي في المقاومة نفسه.



الخسائر الإسرائيلية في 48 ساعة
أحصت المقاومة الفلسطينية سقوط 6 قتلى و155 جريحاً للعدو في جولة التصعيد الأخيرة، وقدّرت تكلفة اليوم الواحد من القتال بالنسبة إلى إسرائيل بـ90 مليون شيكل (قرابة 25 مليون دولار)، وتكلفة عمل القوات البرية والوحدات الخاصة والاستخبارات بأكثر من 3.5 ملايين شيكل (قرابة مليون دولار). كذلك قدّرت الخسائر الإسرائيلية بسبب وقف ضخّ الغاز الطبيعي بـ60 مليون شيكل (نحو 17 مليون دولار). أما القبة الحديدية، التي أطلقت أكثر من 800 صاروخ، فتبلغ تكلفة صاروخها الواحد أكثر من مئة ألف دولار، فيما تصل تكلفة ساعة الطيران لمقاتلة من طراز «F15» إلى أكثر من 22 ألف دولار، ولمقاتلة من طراز «F16» إلى أكثر من 9 آلاف دولار، فيما تزيد تكلفة ساعة طائرات الاستطلاع على 5 آلاف دولار. وتربو تكلفة قذيفة الدبابة الواحدة على 3 آلاف دولار، فيما تبلغ تكلفة نقل دبابة الميركافا 300 شيكل (84 دولاراً) لكل كيلو متر واحد.