غزة | بعد أشهر من الجمود في ملفَّي المصالحة والتهدئة، انتهى المشهد إلى أزمة. صحيح أن موظفي رام الله لا يزالون على معبر «كرم أبو سالم» التجاري وحاجز «بيت حانون» للأفراد، لكن انسحابهم من معبر رفح، وتوقف العمل عليه مجدداً، وضعا أهالي غزة في مأزق قديم ــــ جديد، وسط إجراءات متبادلة بين «حماس» و«فتح» زادت عليها عرقلة إسرائيل للمنحة القطرية.

في محاولة لتجاوز الأزمات المستجدّة في ملفَّي المصالحة والتهدئة مع العدو الإسرائيلي، كثفت حركة «حماس» اتصالاتها بالقاهرة على مدى اليومين الماضيين، لتحصيل ضغط مصري على رئيس السلطة محمود عباس، الذي كان في زيارة هناك، من أجل وقف إجراءاته ضد قطاع غزة، وآخرها الانسحاب من معبر رفح لإبقائه مغلقاً، فضلاً عمّا ترى الأخيرة أنه محاولة واضحة لـ«التخريب» على الجولة الخارجية لرئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، إذ من المفترض استهلالها الأسبوع المقبل بزيارة للعاصمة الروسية موسكو.
يقول مصدر «حمساوي» لـ«الأخبار» إن الاتصالات تركزت حول ملفين، الأول «خطوات عباس ومحاولاته إثارة الفوضى في غزة وإحداث صدام بين العناصر الفتحاويين والأجهزة الأمنية، بما يمهّد لاتخاذ خطوات عقابية وإعلان القطاع إقليماً متمرداً (...) أبلغناهم أن خطواته نسف للوساطة المصرية في ملف المصالحة»، والثاني هو «التفاهمات مع الاحتلال».
في المقابل، تساءلت المخابرات المصرية عن حملة الاعتقالات التي شنتها الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة السابقة في غزة، وأسباب منع مهرجان انطلاقة «فتح»، وهو ما ردت عليه «حماس» بأنها ردود فعل على رام الله، لأن الأخيرة هي التي بدأت بمنع إحياء انطلاقة الحركة في الضفة، ثم إقدام «أبو مازن» على حلّ «المجلس التشريعي»، وأخيراً فرضه عقوبات جديدة تشمل إيقاف رواتب لأسرى وجرحى وعائلات شهداء وآخرين ينتمون إلى «تيار دحلان». مع ذلك، تقول مصادر إن لدى «حماس» خشية من أن تكون تحركات عباس بالتنسيق مع السلطات المصرية، خاصة أنه التقى في اليومين الماضيين الرئيس عبد الفتاح السيسي.
بناءً على ذلك، اقترحت «حماس» على القاهرة «تشكيل لجنة فصائلية أو وطنية لإدارة معبر رفح إذا استمرّ انسحاب السلطة»، وأن تشرف وزارة الداخلية التابعة لها على إدارة المعبر حتى تشكيل اللجنة، خاصة أنها ترى أن «هدف عباس الدفع إلى مواجهة مع الاحتلال والذهاب إلى حرب شاملة، وهو ما سيكون له أثر سلبي كبير في المنطقة الحدودية مع مصر»، وهو الجوّ الذي نُقل إلى المصريين.

«فتح»: لا ننتقم من غزة لكن يجب أن نعيدها إلى الشرعية


من ناحية ثانية، أجرى عدد من الفصائل، أبرزها «الجهاد الإسلامي» و«الجهة الشعبية لتحرير فلسطين»، اتصالات مع مسؤولين في المخابرات المصرية حول إغلاق معبر رفح، لكونه «أمراً خطيراً يؤثر في حياة المواطنين»، داعية السلطات المصرية إلى ممارسة ضغوط على عباس كي يتراجع عن خطواته، «تحديداً التي تمسّ المواطنين لا حماس». وهنا كان رد المصريين أنهم يعملون على تجاوز الأزمة الحالية وترتيب قضية «رفح» خلال أيام، بما يسمح بتواصل عمله كالمعتاد، «لأن القرار هو استمرار فتح المعبر وفق توجيهات الرئيس السيسي».
وبينما أجّلت اللجان الشبابية لـ«مسيرات العودة» مؤتمراً كان مقرراً مساء أمس، للإعلان كما يبدو عن عودة المقاومة الشعبية على الحدود، قالت المصادر إن «حماس» أكدت للمصريين أن استمرار إغلاق المعبر يعني عودة أدوات «مسيرات العودة» الضاغطة «على نحو غير مسبوق»، لأن الحركة ترى أن فتح المعبر بصورة دائمة هو من منجزات المسيرات. وفعلياً، أبلغت السلطات المصرية «داخلية غزة» التي تسلّمت المعبر لتأمينه حالياً، أنه سيعمل اليوم (الثلاثاء) باتجاه واحد (وصول العالقين)، وإدخال البضائع من دون السماح بالسفر من غزة، لكنها لم تقدم بعد معلومات حول الآلية في الأيام المقبلة.
في المقابل، وضعت «فتح» شروطاً لعودة موظفيها، تتمثّل في «عودة حماس للجلوس إلى الطاولة بكل جدية لإنهاء الانقسام، وأن تتسلم السلطة غزة كاملة ضمن اتفاق حول كل الملفات»، مضيفة أن «الحلول المجتزأة لا تجدي، وأشقاءنا المصريين على اقتناع بذلك». واشتكت الحركة، على لسان المتحدث باسمها في القطاع عاطف أبو سيف، من أن الأجهزة الأمنية اعتقلت أكثر من 500 من قادتها وأبنائها، مشيرة إلى أنهم تعرضوا لـ«معاملة سيئة وتعذيب»، كما «صودرت المواد الإعلامية والدعائية الخاصة بالانطلاقة».
كذلك، قال عضو اللجنتين «التنفيذية لمنظمة التحرير»، و«المركزية لفتح»، عزام الأحمد، إن سحب موظفي السلطة من «رفح» يمثل إحدى الخطوات المتخذة لـ«تقويض سلطة حماس»، مشيراً إلى إجراءات ستُنفَّذ لاحقاً. واستدرك الأحمد في تصريح صحافي أمس: «لا نفكر في الانتقام من غزة، ولكن يجب أن نعيدها إلى الشرعية».
في غضون ذلك، تستعد «الهيئة العليا لمسيرات العودة» لإعادة فعالياتها على الحدود، بعد قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، منع نقل الدفعة الثالثة من الأموال القطرية إلى غزة، عقب «التصعيد» أول من أمس، جراء سقوط جسم مفخّخ حملته بالونات حارقة في منطقة «غلاف غزة»، ثم قصف العدو موقعاً عسكرياً للمقاومة بصاروخين. وعطفاً على الاتصالات الحمساوية ــــ المصرية، احتلت قضية تنصّل الاحتلال من تفاهمات التهدئة «مساحة واسعة من المباحثات»، كما تقول المصادر، إذ أبلغت الحركة جهاز المخابرات أنه في حال لم تصل الأموال قبل نهاية الأسبوع الجاري، فإن فعاليات الحدود ستعود، بل إنها ستبدأ بالتدريج على أن تكون ذروتها الجمعة المقبل.