لا تعود المخاطر المتوقعة لمرحلة ما بعد رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إلى كاريزما يمتلكها وشخصية قيادية سيترك غيابها أثراً كبيراً، بالنظر إلى غياب الالتفاف الشعبي حوله مقارنة بما كان يحيط بسلفه ياسر عرفات، بل توجد أسباب موضوعية تتعلق بالنهج الذي سيّر به عباس السلطة، وهو نهج سبّب تحولات جذرية كبيرة فيها، بعدما أمسك بزمام الأمور واحداً واحداً ونحّى أدوار شخصيات عدة، ليحصل على حكم الرجل الأوحد.

الإسرائيليون، بصفتهم الطرف الأقوى ــ قوة الاحتلال، لا يخجلون من التصريح علناً بمرحلة «ما بعد عباس» ووضع السيناريوهات التي يمكن العمل بها بعدما تنتهي «نعمة الوضع القائم» التي استفادوا منها كثيراً. وعباس نفسه يعيش حالة كبيرة من الشك في من حوله جعلته يحارب ويفصل عدداً منهم.
أما «حماس» ــ القوة المنافسة والصاعدة، فإنها لا تظهر أمارات انتظارها لتحقق هذا السيناريو لاعتبارات شعبية ودينية. لكنها هي الأخرى، كما خصم عباس اللدود من داخل «فتح» محمد دحلان، بانتظار التغيير اللاحق لـ«رحيل» عباس. وقد يضعان (معاً أو بصورة منفصلة ومتلاقية المصالح) رهاناً كبيراً على الربح في هذه المرحلة المقبلة، ما دام عباس لن يغير نفسه أو نهجه، كما فعل عرفات، الذي واجه أيامه الأخيرة بالحصار وبالحرب داخل مقر المقاطعة في رام الله.
المُجمع عليه في كل الأحوال، أن «الوضع القائم» (ستاتيكو نتنياهو)، الذي ربح منه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لأعوام طويلة، لن يبقى قائماً، خاصة أن إخراج مروان البرغوثي من السجن ليصير في يوم وليلة رئيساً للسلطة أو لـ«فتح»، أو إسقاط محمد دحلان بـ«الباراشوت العربي»، وحتى فرض أحد من رجالات السلطة السياسيين أو الأمنيين، في موقع الرئاسة، كلّها لن تكون محل رضا فلسطيني. ومرحلة ما بعد عباس، ليست بحثاً إسرائيلياً فحسب، بالمناسبة، بل طُرح ويُطرح الأمر في الولايات المتحدة ودول أوروبية وأخرى عربية.
على المستوى الفلسطيني الداخلي، أو الصعيد الخارجي، كان الرهان منذ ثلاث سنوات بالضبط موضوعاً على صحة عباس ومدى قدرته على تحمُّل تبعات العمل السياسي، ولكن هذا الافتراض لم يسر وفق ما توقع الباحثون، وقُدّر للرجل أن يعيش. ومن الناحية الشخصية، كان «أبو مازن» يستخدم التهديد بالتّنحي كسلاح أخير، أو حتى استباقي لأي تغيير سياسي ممكن في المنطقة، لكنه اليوم لم يعد يستخدمه البتّة.
واللافت أنه رغم نتائج «الربيع العربي» في تغيير منظومات سياسية بكاملها، بقي الرجل راسخاً على رأس السلطة، برغم وجود دواعٍ داخلية كثيرة تحفز الشعب الفلسطيني ضد حكم السلطة، الأمر الذي يدل على أن الاستقرار الذي فرضه عباس في مناطق نفوذه أهّله للبقاء في لعبة الحكم.
من جهة أخرى، بقي وجود عباس مقترناً باستقرار حكم عبد الله الثاني في الأردن خلال أحداث «الربيع»، ولعل ربطاً مثل هذا في الظاهر قد يكون بعيداً، ولكن المؤكد أن الأردن، الشريك الأساسي اليوم وخصم الأمس للسلطة (تحديداً منظمة التحرير)، مرتبط وجودياً بطبيعة السلطة القائمة في الضفة ومدى استقرارها.
بالعودة إلى الجانب الإسرائيلي، ثمة نظرة أخرى أوسع من ذلك، عبرت عنها دوائر كثيرة وكانت تقول إنه لا يهمنا من يحكم إن كان يخدم مصالحنا الأمنية ثم الاقتصادية، حتى لو كانت حركة «حماس» نفسها، لكن هامش المناورة تغير ولا داعي للمخاطرة في ظل انتفاضة شعبية مشتعلة. والآن، أقصى الطموح الإسرائيلي بعد الرجل، في حال بقاء السلطة، أن يأتي من بعده لينفذ دوراً إدارياً وأمنياً بحتاً (معادلة الرواتب مقابل الحفاظ على الأمن)، ويحافظ على الوضع القائم، فيما تمضي القيادة الإسرائيلية بالتخطيط والتنفيذ لما تشاء.

يعيش عباس حالة شك جعلته يحارب حتى حلفاءه ويفصل بعضهم

التأثيرات في السلطة

من اللحظة الأولى، أوضح عباس لنفسه ولمن حوله أنه لن يعيد خطأ من سبقه، ولن يلعب بأكثر من ورقة، ولن يدعم شيئاً في السر ويقول غيره في العلن، ليتخذ بذلك مساراً واحداً في التعامل مع إسرائيل، هو المفاوضات. بالتوازي مع ذلك، صنع «أبو مازن» من «حماس» خصماً يرقى إلى مستوى «الكيان البديل للسلطة»، ووضع نفسه كصِمام أمان لبقاء السلطة مقابل «حماس»، واستنفر كل طاقاته لشرح أمر واحد لعناصر الأمن الجدد في الضفة (من بعد عملية السور الواقي 2002)، هو أن إهمال محاربة «حماس» في الضفة ــ حتى لو كانت تقاوم إسرائيل ــ يعني تكرار تجربة غزة (السيطرة العسكرية)؛ مع أنه هو نفسه الذي أعلن حالة الطوارئ في القطاع، بعدما تأكد من سقوط كل المواقع العسكرية في القطاع صيف 2007!
بالطريقة نفسها، أتقن لعبة صنع الأعداء داخل السلطة نفسها، وثانياً مع الفصائل المشاركة في «منظمة التحرير»، ليقول للجميع إن مفاتيح القرار بيده، وبغيابه سوف تنشب معركة حامية على تنازع هذه المفاتيح: رئاسة السلطة، و«منظمة التحرير»، وحركة «فتح»، والقيادة العليا لقوات الأمن، وغيرها.
أما وسائل الإعلام ومراكز الدراسات، فانشغلت في خلال السنوات الماضية، في بحث السير الذاتية لأسماء تمثل بديلاً أو عدوّاً منافساً لرئيس السلطة، عارضة علاقاتهم بالدول التي تدعمهم. لكن، من ناحية عملية، يتبين أن كل تلك الدول لا يمكن أن تقرر في هذا الأمر وحدها، لأن التأثير الأساسي يخضع لإسرائيل، التي تصوغ بقراراتها شكل السلطة ودورها، وما تفعله تلك الدول ليس إلا تحفيزاً لإسرائيل على تبني خيار ما، أو لعباً بالوقت من أجل مصالح معينة تريدها من السلطة كأسلوب ابتزازي مثلاً.
من جهة أخرى، نشأت نظرية تعززت كثيراً لسنوات عن إمكانية إفراج إسرائيل عن القيادي الفتحاوي مروان البرغوثي من السجن ليكون رئيساً للسلطة. وبغض النظر عما تغير في مواقف البرغوثي قبل الأسر وبعده، وأيضاً موقفه من صفقة كهذه، فإنّ من الصعب تخيل أن تفعل إسرائيل ذلك، وهي التي لا تطلق سراح أسرى عملوا ضدها أمنياً إلا في صفقات تبادل جبرية، فكيف بمعادلة سياسية توجد لديها خيارات أخرى تعمل بها، بعيداً عن لعبة مكشوفة على هذه الشاكلة؟ وهو الأمر الذي يقود إلى أن قضية البرغوثي هي الأخرى قد تكون واجهة للتغطية عن سيناريو آخر.

التأثيرات في «فتح»

بذلك، ستكون السلطة أولى «ضحايا» غياب عباس، ولن يحفظ تماسكها سوى تماسك «فتح» أولاً، وثانياً قدرتها (قدرة الرئيس الجديد) على المواءمة بين الاستحقاقات الجديدة، وما تريده إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وما يميل إليه العرب، ومواقف «حماس»، ومواقف الشركاء (فصائل اليسار)، وموقف «الجهاد الإسلامي»، وقبل كل ذلك موقف الجمهور الفلسطيني في الضفة، والقدس المحتلة.
أما «فتح»، فخلال مرحلة خسارتها السيطرة على غزة وسنوات المراجعة الذاتية، ترسخ لدى كوادرها قناعة تقول إن «حماس» تميزت عنهم بنقطة قوة لا تزال تحتفظ بها، وهي أنها حافظت على التنظيم أقوى من السلطة التي بنتها، في حين أن «فتح» هدمت التنظيم وقوّت السلطة، وصولاً إلى مرحلة واجهت السلطة فيها مصيرها من دون أن يدافع فيها التنظيم عنها كما يجب (مثلاً كان يمكن أن يعمل عنصر وزارة الداخلية في «كتائب القسام» براتب «الداخلية» ولكن لا يمكن عضوَ الكتائب فعل العكس).
هذه القناعة، إلى جانب تعزيز عباس لها عبر تعزيز السلطات في يده، دفعت وتدفع فتحاويين كثيرين إلى الطلب منه استحداث منصب نائب له، حتى يحسم أمر خليفته ـــ ولو بصورة مبدئية ــ ويحفظ الحركة على الأقل، وفي أحسن الأحوال، سيقطع ذلك الطريق على سيناريوهات الفوضى المتوقعة. لعل هذا التقدير هو الأقرب إلى التصديق بدلاً من القول إن مطلب استحداث هذا المنصب منبعه الخوف من تهديدات إسرائيلية بحق عباس، علماً بأن القانون الفلسطيني (هجين من قوانين بريطانية وأردنية ومصرية) ينصّ على أن يترأس السلطة بعد «رحيل» رئيسها، رئيس المجلس التشريعي (حالياً هو من «حماس») لـ 60 يوماً تجري بعدها انتخابات مبكرة.
عموماً، لا يمكن إنكار أن منصب نائب الرئيس سيحمي ما تستحوذ عليه «فتح» في السلطة حالياً إذا تسلّم نائب عباس دوره في السلطة والحركة، ولكن الأخير يخاف من أن يكرر نائبه ما فعله هو مع عرفات، وظلّ يؤجل بتّ هذه القضية إلى «قرار جماعي» يتخذه من بقي من الحركة ــ فصّلها على مزاجه ــ في مؤتمرها اللاحق، المُؤجل أيضاً مرة تلو أخرى.
وبينما تعيش «فتح» انقساماً ثنائياً في الظاهر بين تياري محمود عباس ومحمد دحلان، ينتظرها بعد «رحيل» الأول انقسامات متفرعة تهدد وجودها، وترشح «حماس» أن تكون الحركة الأولى على جميع الصعد في فلسطين، وهو ما سيبحث في الحلقة المقبلة.