قال لينين: «هناك عقود لم يحدث فيها شيء وأسابيع تحدث فيها عقود»، ونحن نعيش واحداً من تلك الأوقات التي تسارع فيها التاريخ.


في الوباء
إن الجائحة هي بالتأكيد أكثر من أزمة صحية، إنها أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية لا سابق لها، تضغط على كلّ بلد تدخل عليه وتتوسع على كامل الكرة الأرضية. إنها أزمة شاملة، ليس فقط لأنها أصابت كلّ الدول، بل لأنها تتعلّق بكل فرد. إنها أزمة معقّدة تصيب أيضاً العلاقات الدوليّة والنمو الاقتصادي وتطرح علينا أسئلة حول علاقتنا بالطبيعة وتقودنا الى إعادة التفكير في الإنتاج والاستهلاك والبنى الأولية التي ترتكز أساساً على الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. نتكلم عن أزمة صحية عالمية غير مسبوقة، والفيروس بحد ذاته ليس مميتاً أكثر من فيروسات أخرى كالتي تسببت في أمراض إيبولا وسارس والسيدا والطاعون في زمانها، غير أنه بسرعته في الانتشار وضغطه الكبير على الأنظمة الصحيّة وتأثيره على الاقتصاد العالمي كما صعوبات السيطرة عليه كلها تمثّل خطورته. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: نحن في حالة حرب مع الفيروس... لقد استغرق العالم ثلاثة أشهر للوصول الى 100000 حالة إصابة مؤكدة، وحدثت المئة ألف حالة الثانية في غضون 12 يوماً، فقط واستغرقت الثالثة أربعة أيام فقط والرابعة يوماً ونصف فقط. منذ بداية الأزمة في كانون الأوّل 2019 حتى شباط 2021، أصيب العالم بـ 117،156،073 مليون (إصابة بالعدوى). وتوفي أكثر من 2.7 مليون وفق جامعة جون هوبكنز. وكانت أكثر عشر دول في عدد الوفيات في العالم بالترتيب: الولايات المتحدة (+521 ألفاً) البرازيل (+268 ألفاً)، المكسيك، الهند، المملكة المتحدة، إيطاليا، فرنسا، روسيا، المانيا، إسبانيا. وأكثر عشر دول في عدد الإصابات بالعدوى في العالم وبالترتيب: الولايات المتحدة، الهند، البرازيل، روسيا، المملكة المتحدة، فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، تركيا، المانيا.
ولا بد من ملاحظة هنا أن الجائحة خلال سنة تسبّبت في وفاة 2.7 مليون، وبالمقارنة في كل عام يموت 17.8 مليون شخص بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية، ويموت 9.6 ملايين بسبب السرطان ويموت 6.5 ملايين من أمراض الجهاز التنفسي، بخلاف كوفيد 19، ويموت 2.5 مليون بسبب الخرف، و2.7 مليون بسبب هذه الجائحة.
في هذه الجائحة يواجه العالم اختباراً لم يسبق له مثيل.

في المجتمع الدولي والجائحة
تواجه الأمم المتحدة أحد أكبر التحديات في تاريخها، وبقي مجلس الأمن صامتاً، وكان الصمت صمتاً رسمياً، وحتى لما طرحت المسألة في اجتماع عن بعد (فيديو) في آذار 2020، فشل مجلس الأمن، الجهاز الأقوى في الحوكمة العالمية، في تبنّي إعلان مشترك في موضوع الجائحة.
وكان السبب معركة لغوية بين الولايات المتحدة والصين في موضوع تسمية الجائحة، حيث أصرّت الولايات المتحدة على كون مصدر الفيروس من المدينة الصينية «يوهان»، ما أغضب الدبلوماسيين الصينيين الذين اتّهموا الأميركيين بتسييس المسألة، وتوجد أسباب متعددة لانتقاد مجلس الأمن على هذا الصمت، لأنه غالباً يتجه الى مقاربة المواضيع، حتى لو لم تدخل في صلاحياته بحسب النص، والمآسي الإنسانية كانت مادة لقرارات مجلس الأمن تحت الفصل السابع، كما الكوارث الطبيعية، وحتى التغيير المناخي. وهناك سابقة في الموضوع، قرار مجلس الأمن الرقم 2177 في 17 أيلول 2014 بموضوع انتشار ايبولا ووصفه بتهديد السلم والأمن الدوليين.

في الثقة والمعلومات المضللة
ترافقت الجائحة مع فيض من المعلومات الخاطئة والكاذبة أو المضللة، ما خفف من الثقة بالسلطات والمراجع العلمية، وقد تعرّض الناس لتضليل وبائي من قبل وسائل إعلام اجتماعية محترفة.
خلال المراحل الكبرى للأزمات، عرفت الولايات المتحدة كيف تجتمع وراء الرؤساء الذين تثق بهم، مثل لنكولن، ولسون، روزفلت، بوش الابن، على عكس ما جرى مع ترامب وطريقة مقاربته غير الشفافة والفوضوية للجائحة، والتي أفقدت الناس الثقة بالقيادة السياسية، فكانت الولايات المتحدة أكثر البلدان من حيث الوفيات والإصابات، كما انعكس الوضع على انتخابات الرئاسة، فكان كوفيد 19 سبباً من أسباب سقوط ترامب، وحصل ذلك في البرازيل حيث كان عامل فقدان الثقة المسبّب الأساسي في تبوّء البرازيل المركز الثاني في العالم من حيث عدد الوفيات والمركز الثالث في عدد الإصابات.
وكان لعامل الثقة أثر إيجابي في نيوزلندا، حيث حلّت في المركز الأخير في العالم بعدد الوفيات والإصابات.
ووفق الإحصاءات، فإن غالبية الفرنسيين، 60 في المئة، لا تثق بالحكومة لإدارة الأزمة الصحية، فحلت فرنسا في المرتبة السابعة في عدد الوفيات وفي المرتبة السادسة في عدد الإصابات في العالم. وأقلّ من نصف البريطانيين يثقون بحكومتهم في ما يتعلّق بالجائحة، فحلّت بريطانيا في المرتبة الخامسة في عدد الوفيات وفي المرتبة الخامسة في عدد الإصابات.
49.3 في المئة في أميركا يثقون بالحكومة.
49.6 في المئة في بلجيكا يثقون بالحكومة.
75 في المئة في كندا يثقون بالحكومة.
83.2 في المئة في نيوزيلندا يثقون بالحكومة.

في قيادة النساء
خلال الجائحة، ظهرت الحكومات التي تقودها النساء أكثر فعالية في محاربة الجائحة. وظهرت دراسة بريطانية تقول إنه في زمن الأزمة الصحيّة، من الأفضل وجود امرأة على رأس بلادها. ومنذ 8 حزيران 2020، بينما كانت الجائحة تتعاظم في العالم، أعلنت رئيسة الحكومة النيوزلندية رسمياً بلدها مستثنًى من الفيروس. والإدارة المثالية نفسها كانت في تايوان التي تقودها امرأة، وتمكنت الجزيرة من التخلص سريعاً من الفيروس. في فنلندا أصغر رئيسة حكومة، سجّلت أرقام وفيات وإصابات أقلّ من كلّ جيرانها في الشمال. كما خرجت الدنمارك، التي تقودها امرأة من الوباء بإغلاقها السريع للحدود.
هذا التحليل الذي يرتكز على 194 دولة، يظهر أن الدول الـ19 التي تقودها النساء، حققت نتائج أفضل في ما يتعلّق بإدارة أزمة (كوفيد 19) بكبح الوباء وبنتيجة أقل في الوفيات. هذا لا يعني، بحسب الدراسة، أن القادة الرجال عملوا بطريقة خطأ، فقد كان بينهم جيدون جداً مثلا: تشيكيا، اليونان، أستراليا، فيتنام، إلخ....
وفي المقابل، قليلة هي البلدان التي تديرها نساء، وقد فشلت في عملها.

في الخلاصات
1- كشف الوباء مواصفات العالم، وبخاصة اثنتين من هذه المواصفات؛ ضعف الحوكمة الشاملة من جهة، وتأرجح مركز الثقل من جهة أخرى.
2-الأخطار التي ترتبط بالجائحة حذرت منها رئيسة الشؤون السياسية وتعزيز الثقة في الأمم المتحدة.
أ-تآكل كبير في الثقة بالمؤسسة العامة.
ب-تفاقم بعض التحديات في موضوع حقوق الإنسان.
ج-هشاشة السياقات السياسية والسلم.
3-إن كوفيد أسهم في تسريع بعض المشاكل وفي تعجيل تفاقمها.
4- أضعفت الجائحة القوى العالمية (أميركا، بريطانيا، روسيا) وقوّت الخصومة بين الولايات المتحدة والصين الى درجة الكلام عن حرب باردة جديدة بينهما.
5-أظهرت الجائحة أهمية تعدد الأطراف في عالم معولم، وأن لا دولة باستطاعتها الانتصار وحدها من دون الأخرى.
6- ستتبدل التوازنات الجيوبوليتيكية والعلاقات التي تنتج عنها؛ فيمكن أن تؤثر الجائحة على السلم والأمن الدوليين، وأن تزيد خطر النزاعات الكامنة بين الدول على المستوى الإقليمي والعالمي.
7-إن طرق قيادة الأزمة الصحية على الصعيد العالمي تبدو غير متناسقة، وفي غالبية الوقت هستيرية على صعيد التواصل ومستوى السكان. وعند الانتهاء من احتواء الوباء سيكتشف العالم أن عدداً كبيراً من الدول وقد فشلت بحق في إدارة الأزمة.
8-لا يحتاج القادة خلال الأزمات الى تنفيذ خطّة استجابة معدّة مسبقاً، بل يحتاجون الى إنتاج سلوكيات وتبنّي عقليات تساعدهم في التطلع لى المستقبل.
9-أزمة كوفيد 19 تحتاج الى إبراز أهمية وزخم نموذج القيادة المبني على المصداقية والشفافية والنهج الإنساني.
10-تاريخياً، أجبرت الجائحات الكائنات البشرية على أن تقطع مع الماضي وتصوُّرِ عالمٍ جديد، وهذه الجائحة لا تمثّل استثناءً.
11-الأزمات لا تضع العدادات على الصفر، بل تتآلف مع العالم كما هو.
12-كشفت الجائحة عن قوة السلطة الأنثوية، علماً بأن نجاح إجراءات مكافحة الوباء تتطلب صفات التواصل والوضوح والتعاطف التي يفتقدها العديد من الرجال المشبعين بالنموذج التقليدي للقيادة.

* الأمين العام لـ«المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا