لا ثورة، ولا حركة وطنية، يمكن أن تنجح، إلّا بتوفُّر البنية الاجتماعية المناسبة للتغيير المطلوب. فالدعوة إلى التحوّل النوعي في المجتمع، بغضّ النظر عن صدقيتها، وعن إرادة المبادرين لها، تحتاج لبيئة اجتماعية تدعم توجّهها، وتشارك في نشاطاتها، بكل ما تملك، من إمكانيات وطاقات، من أجل تحقيق الأهداف المرجوّة. إذ لا يمكن أن تنجح ثورة اشتراكية، سواء كانت انقلابية أو بالانتخابات الديمقراطية، إلّا بوجود طبقة عمالٍ وفلاحين وكادحين مؤهلة للمشاركة الفعّالة فيها، والتضحية من أجل أهدافها المرسومة. كما لا يمكن لحركة تحريرٍ، أن تنجح في طرد المستعمر، من دون أن تنتظم أغلبية الفئات الشعبية الوطنية في النشاط التحرّري، مباشرة وغير مباشرة، وأن تكون قادرة ومستعدّة للسير بنضالها إلى أن يتحقّق مرادُها. هذا ما كان عندما أُنشِئَتْ منظمة التحرير، وانطلقت المنظمات الفدائية، وساعد في ذلك تنامي المَدّ القومي والتحرُّري العربي، حيث كانت قضية فلسطين في صلب اهتمامات ذاكَ المد.

ما يجعلنا نطرح موضوع البنية الاجتماعية التحتية، هو فشل كل محاولات الإصلاح في الحركة الوطنية الفلسطينية، والإصلاحُ ضروريٌّ، لتصويب مسارها باتجاه هدف التحرُّر، وممارسة حق تقرير المصير. إذن، لا بدّ من البحث في أسبابِ ذلك؛ وبحسب اعتقادي، إنّ أهمها يعود إلى الخللِ في هذه البنية التي ترتكز إليها المنظّمات على اختلافها، وتجد فيها ما يساعدها على الاستمرار في «غيّها»، ضاربةً بعرض الحائط المصلحة الوطنية العليا.

تركيبة اجتماعية فلسطينيّة مشوّهة
لننظر إلى واقع البنية الاجتماعية الحالي من زاوية النشاط الاقتصادي للفلسطينيين، ومصادر رزقهم؛ وفقاً للمصادر الرسمية، وشبه الرسمية، فإنّ مجموع المساعدات التي وصلت إلى السلطة الفلسطينية خلال فترة 1994-2017، قد بلغت 36.5 مليار، من بينها 1.6 مليار د.أ على شكل قروض ميسّرة. أمّا الأنروا فقد صرفت في نفس الفترة 16.5 مليار د.أ، من بينها 9.49 د.أ في الضفة والقطاع. وتصرف الجمعيات غير الحكومية أكثر من مليار د.أ سنويّاً (بكر ياسين اشتية - بوابة اقتصاد فلسطين).
أما بالنسبة إلى عدد العاملين في المؤسّسات المذكورة، فيبلغ حوالى 200 ألف في السلطة، و19 ألفاً في الأنروا، و40 ألفاً في الجمعيات غير الحكومية، أي ما مجموعه حوالى 259 ألف موظف. وبالنظر إلى أن كلّ موظّف هو معيل لأسرة، ومتوسّط حجم الأسرة حوالى خمسة، فإنّ أكثر من مليون وربع يعيشون على هذا النوع من الموارد. ولا داعي للتذكير بالأزمة المعيشية التي حصلت عندما حجبت «إسرائيل» المقاصّة عن السلطة.
لنحاول تلمُّس أثرَ الأرقام المذكورة أعلاه على التركيبة الاجتماعية في الضفة والقطاع. إن أوّل ما يلفت الانتباه أن هذا العدد الهائل من الموظفين، بالمقارنة مع حجم القوة العاملة، يعيشون على موارد أجنبية خارجة عن أيّ نوع من السيادة الفلسطينية، ويحتلون مواقع مؤثّرة في المجتمع. بنتيجة ذلك، تشكّلت فئة اجتماعية كبيرة، وقويّة، ويجمعها قاسم مشترك، هو كسب العيش من المساعدات التي تأتي، في نهاية الأمر، لخدمة مصالح المانحين، أو بما لا يتعارض معها في أحسن الأحوال. لذلك، فإنّ هذه الفئة، باستثناء قلّة منها لا نشكّ في استعدادهم للتضحية، إمّا أن تعمل بكلّ ما تملك لإحباط أيّ جهدٍ وطني/ثوري جاد، وإما أن «تضع رِجلاً في البور والأخرى في الفلاحة»، أو تختار الصمت والحياد.

التركيبة الاجتماعية في الضفة والقطاع، أصابها تَشَوُّهٌ ملحوظ بعد «أوسلو» وقيام السلطة الفلسطينية التي باتت المُشَغِّل الرئيس للسكّان


لا مبالغة في قول إن التركيبة الاجتماعية في الضفة والقطاع، قد أصابها تَشَوُّهٌ ملحوظ بعد أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية التي باتت المُشَغِّل الرئيس للسكّان. ويعود هذا لطُفَيْلِيّتها، واعتمادها على المساعدات الخارجية. ليس هذا غريباً على القيادة الفلسطينية، التي عملت في لبنان على إنشاء جيشٍ جرّارٍ من المُتَفَرِّغين، جلّهم بدون وظيفة يتطلبها العمل الوطني، مستخدمة بذلك الأموال التي كانت تنهال عليها من الدول العربية. كان هذا جزءاً من السياسة المعتمَدة لخلق أتباع، وبيئة خاضعة لها، فتشوّهت البنية الاجتماعية السابقة التي كانت منتجة، وقادرة على توفير مقوِّمات عيشها الأساسية، وفي نفس الوقت ساهمت بفاعلية في مجمل نشاطات العمل الوطني، وكانت تتمتّع بقرارٍ مستقل ـــ نسبيّاً ـــ بشأن خياراتها السياسية. ولقد ظهرت خطورة نهج «التفريغ» بعد خروج المنظمة من لبنان، عندما وجد كثيرون أنفسهم بلا مصدر رزق، وإذا وجدوه، فلا ينقذهم من العَوَز. ومن نتائج ذلك، صارت البنية الاجتماعية في المخيّمات هشّة، فباتت تعاني من أمراضٍ وانحرافات اجتماعية، وخاصة بين الشباب، وتحولّت إلى مادة للتجاذبات المحليّة والإقليمية وحتى الدوليّة، وللاستثمار في برامج تلحقُ الضرَرَ بالقضية الفلسطينية. ربّما من المفيد، هنا، ذكر البنية الاجتماعية التحتية اللبنانية التي تحوّلت إلى بُنَى مختلفة تتقاسمها الأحزاب وترعى مصالحها، ما أدى إلى استحالة أن تتوحّد جميع فئات الشعب المتضرِّرة في مواجهة من أفقرها وسلبها أموالها، وإلى عجز القوى المخلصة للمصلحة العامة أن تجد تأييداً عمليّاً ومؤثّرًاً، من قِبل الشعب، لبرامجها الإصلاحية.
بالعودة إلى التركيبة الاجتماعية في الضفّة والقطاع، وبناءً على أن مصادر رزق هذه النسبة العالية من القوة العاملة، هي من المساعدات الخارجية، وغالبيتها تخدم السلطة مباشرة، وبالنظر إلى التأثير السلبي لذلك على البنية الاجتماعية، لا بدّ من أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، في أي برنامجٍ وطني فلسطيني إنقاذي. إذْ كيف يمكن القيام بمشروع وطني/ثوري، بدون تركيبة اجتماعية مؤهّلة لأن تكون رافعةً له؟ فالحامل الاجتماعي ضروريٌّ لتحقيق الأهداف السياسية. ما فرضته أوسلو، وسلطتها، بات واقعاً مدَّدَ خيوطَه في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، فبات من الصعب إلغاؤه بعصا سحرية. وبما أن القضية الفلسطينية هي بالأصل مركّبة ومعقّدة؛ بالتالي، لا بدّ أن يكون العمل الوطني الفلسطيني، مركّباً ومعقّداً كذلك.
إنّ محاولة تسليط الضوء على العيب الذي يعتري البنية الاجتماعية التحتية الفلسطينية، وإظهار العوامل المعيقة، وقد تكون محبطة، للعمل الوطني الجاد، لا تدعو للاستسلام لها، كما قد يُهَيَّأ للبعض، وإنما على العكس من ذلك، هي دعوة لمواجهة الواقع بمسؤولية تغييرية ثورية. إنّها دعوة للعمل السياسي الاجتماعي المؤثّر في هذه البُنية، ربطاً بالهدف الاستراتيجي العام، المتعلّق بحق شعبنا بفلسطين الانتدابية. لذلك، وبعد التأكيد على هذا الهدف الاستراتيجي، لا بدّ من وضع أهدافٍ فرعيةٍ تستهدف تقليص شوائب هذه البُنية، وتوسيع ما هو صالح فيها. ويحتاج تحديد هذه الأهداف إلى جهدٍ كبير وجماعي، يكون فيها دورٌ بارزٌ لخبراء الاجتماع والاقتصاد، المفترض أنهم قادرون على قراءة الواقع بدقّة، وتشخيص الأمراض، ووصف الأدوية. وبعد نضال عنيد، والتقدّم في هذا المجال، وكلّما زادت كفة الصّالحِ في البُنية رجحاناً، كلّما اقتربنا للحظة الاستحقاق الفعلي للتغيير الواثق نحو فلسطين.
* باحث وكاتب فلسطيني