لا توجد كلمة واحدة عن الغازات المسيّلة للدموع على الموقع الرسمي لوزارة الداخلية والبلديات اللبنانية، ولكن حول العالم، يسوّق الغاز المسيّل للدموع بواسطة المسمّى نفسه، بأنه غاز بريء غير مؤذٍ، يسبب الدموع ليس إلّا. الواقع أنّ الغاز المسيل للدموع يأتي مباشرة من الغازات السامّة، التي أنتجها الأوروبيّون في الحرب العالمية الأولى. وهو سلاح كيميائي، مهما قال عنه العسكريون والشرطة والحكومات إنّه «حضاري». بحسب الاختصاصيّين، هناك أنواع عديدة من الغاز المسيّل للدموع (مثل CS, OCK, PAVA)، وهي تحتوي على مواد يمكن أن تسبّب السرطان، وكذلك العيوب الخلقية؛ وعادة ما تورّد الشركات المنتجة تحذيرات من إمكانيّة تسبّبها بأذى دائم، أو بالموت.

يعود استخدام هذا الغاز إلى الحرب العالمية الأولى، عندما رمى الفرنسيون، في شهر آب / أغسطس عام 1914، الجنود الألمان بعبوات من غاز يدعى methylbenzyl bromide، ما اضطرّ الجنود الألمان إلى الخروج من تحصيناتهم، فقتلهم الجنود الفرنسيون على الفور. وردّ الألمان برميهم الفرنسيّين بغاز الكلورين، في نيسان/أبريل عام 1915، كما تورد الباحثة أنّا فاينجينباوم في كتابها عن الغاز المسيل للدموع.
بعد انتهاء الحرب، أراد هؤلاء الذين شاركوا في الحرب الكيميائية، خصوصاً في الولايات المتحدة، تطوير ما سمّوه «استخدامات سلميّة لغازات حربية». تشرح فاينجينباوم أنّ الولايات المتحدة وألمانيا وجنوب أفريقيا كانت من أولى الدول المتبنّية للغاز، ولحقتها بريطانيا؛ وقد روّجت الولايات المتحدة لاستخدام هذا الغاز على المستوى الدولي. رغم ذلك، تورد مصادر متعدّدة أنّ هذا الغاز ممنوع من الاستخدام في الحروب، بحسب بروتوكول جنيف 1925، واتفاقية الأسلحة الكيميائية لعام 1993.
وقد وقع الاختيار على هذا الغاز، لأنّه كان يمكن استخدامه عملياً لقمع المتظاهرين والحفاظ على «الأمن» الداخلي، بقليلٍ من التدريب ومن دون تكلفة عالية، ولأنّه يمكن استعماله على مساحات واسعة، عن بُعد، وعلى أفراد عديدين. والأهم أنّه يمكن تسويقه على أنّه سلاح «غير قاتل»، ولا يثير سوى نزول الدموع (كما يوحي اسمه)، كما أنّه في حال تسبّب في القتل، فلا يكون ذلك عبر إهراق الدم (كالمسدّسات والرشّاشات)، وهو ما تفضّل الشرطة عادة تجنّبه، أثناء عمليّات القتل التي تمارسها في جمهوريات ديموقراطية أو جمهوريات شكلية مثل لبنان.

يجري التسويق للغاز المسيل للدموع على أنّه لا يتسبّب في القتل ولكن الحقيقة أنّه يقلّل من إمكانية القتل ولا ينفيها تماماً

وتلاحظ فاينجينباوم، بذكاء، أنّ عملية الفرار الاضطراري التي تسبّبها تلك الغازات بين الجماهير المحتشدة، تعطي الانطباع بالفوضى، ولكأنّ هذه الفوضى هي التي سبّبت إطلاق الغاز، وليس الغاز هو الذي سبّب الفوضى، إذ عندها «أي شيء يبدو سلمياً، سيظهر أشبه بأعمال شغب. أي شيء يبدو هادئاً سيبدو شيئاً فوضوياً، وهذا التحوّل في الصور التي تغطيها وسائل الإعلام، يجعل الأمر يبدو كأن الشرطة لها ما يبرّر لها استخدامها للسيطرة، لأنّها اضطُرت إلى السيطرة على تلك الفوضى».
وبالرغم من أنه لا توجد أرقام مبيعات دقيقة للغاز المسيّل للدموع، لأنه لا يوجد توثيق لتجارته، إن كان على مستوى وطني أو دولي، فإنّ فاينجينباوم تشير إلى أنّه منذ انطلاق الانتفاضات في العالم العربي، عام 2011، بات المصنّعون يتفاخرون بأنّ المبيعات قد تضاعفت ثلاث مرات.

أسلحة غير مؤذية؟
طبعاً، يجري التسويق للغاز المسيل للدموع على أنّه لا يتسبّب في القتل، ولكن الحقيقة أنّه يقلّل من إمكانية القتل ولا ينفيها تماماً. ففي البحرين، مثلاً، قُتل 34 متظاهراً من جرّاء استخدام الغاز المسيل للدموع. كما أنّ الغاز يسبّب بأذى دائم؛ ففي بحث خاص بالموضوع شمل 5131 شخصاً أصيبوا بالغاز، وثّق الباحثون حالتي وفاة و70 حالة إعاقة دائمة من جرّاء استعماله (حوالى 1.3 في المئة من المصابين)، كما وثّقت الدراسة أنّ الأسطوانات التي تحتوي الغاز تسبّبت في 231 إصابة، 63 منها (27%) كانت إصابات فادحة؛ كما وثّقت 73 إصابة في الرأس والرقبة، منها 6 حالات فقدان بصر، و45 إصابة في الصدر والبطن والظهر والأعضاء التناسلية، و95 حالة من الإصابات في الذراعين والرجلين تسبّبت في ثلاث حالات من البتر، و16 حالة من الإصابات الخطرة التي تسبّبت في إعاقة في أحد الأطراف. وخلصت تلك الدراسة الواسعة إلى أنّه «يمكن (للغاز) أن يتسبّب في إصابات كبيرة وإعاقة دائمة وموت». وبالنسبة إلى الميت وأهله، لا يوجد موت بسبب غاز سلمي، وآخر بسبب غاز حربيّ، كما أنه بالنسبة إلى المعوّق وأهله، لا توجد إعاقة بسبب غاز سلمي، وأخرى بسبب غاز حربي.
في عام 1918، نشر الشاعر ــ الجندي البلجيكي دان بوينز، شهادته عن حرب الغازات بين الفرنسيين والألمان، وتستشهد فاينجينباوم بالقصيدة:
«الرائحة الكريهة لا تُطاق، بينما الموت يسخر
والأقنعة حول الخدين تبدو كأنوف حيوانات وحشية،
الأقنعة بعيون برّية، مجنونة أو لا معقولة،
جثثهم تنجرف حتى تتعثر بالفولاذ
الرجال لا يعرفون شيئاً، يتنفسون في خوفٍ
أيديهم تتشبث بالأسلحة كأنّها عوّامة لغريق،
إنهم لا يرون العدو، الذي يلوح في الأفق ملثمٌ هو الآخر،
ويقتحمونه مخبئين في حلقات الغاز
وهكذا في الضباب القذر، تحدث أكبر جريمة قتل».

* أستاذ جامعي

مراجع
(1) Feigenbaum, A. (2017). Tear Gas: From the Battlefields of World War I to the Streets of Today: Verso Books.
(2) Physicians for Human Rights. (2012). Tear Gas or Lethal Gas? Bahrain’s Death Toll Mounts to 34. Retrieved from https://phr.org/our-work/resources/tear-gas-or-lethal-gas-bahrains-death-toll-mounts-to-34/
(3) The Economist. (2019). Banned in warfare, tear-gas is the default response to controlling protests. Retrieved from https://www.economist.com/international/2019/11/14/banned-in-warfare-tear-gas-is-the-default-response-to-controlling-protests
(4) International Network of Civil Liberties Organizations. (2019). LETHAL IN DISGUISE: The Health Consequences of Crowd-Control Weapons. Retrieved from https://www.inclo.net/issues/lethal-in-disguise/
(5) Tremonti, A. M. (2018). The Current: November 28, 2018. Retrieved from https://www.cbc.ca/radio/thecurrent/the-current-for-november-28-2018-1.4922257/nov-28-2018-episode-transcript-1.4924306