سعد الله مزرعاني

ويتذكّر الجميع أنّ وليد جنبلاط قد مضى إلى أبعد ممّا طالبه به المسؤولون الأميركيون ونظراؤهم في دول محور الاعتدال العربي. وهو تجاوز أيضاً بكثير زملاءه في تحالف 14 آذار من خصوم سوريا التقليديين، في حزب الكتائب وفي «القوات اللبنانية» وسواهما.
وتشاء الوقائع والتطوّرات أن يكون البناء أصعب بكثير من الهدم، وإقامة الجسور أصعب بكثير من نسفها، وبناء علاقات الثقة والتعاون أصعب بما لا يُقاس من تخريب العلاقات وتدمير ما هو قائم منها حتى دون تبرير أو تفسير أو حسابات. لكنّ النتائج ليست مضمونة دائماً، وخصوصاً حين يكون التطرّف قد بلغ حدّه الأقصى من جهة، وحين تطرأ تحوّلات وانعطافات كبيرة في الموازين وفي المعطيات وفي المحصّلات، من جهة ثانية.
ولهذا يمرّ وليد جنبلاط في شبه محنة على مستوى أسلوبه وأدائه، وإن كان الترحيب ضرورياً بتحوّلاته، وخصوصاً، إذا وقعت هذه التحوّلات في بعض جوانبها ضمن نهج مراجعة تنطلق من مصالح لبنان العامة، أي من معطيات الصراع الدائر في المنطقة بوصفه صراعاً تدافع فيه شعوب المنطقة جميعها، وخصوصاً الشعب الفلسطيني، عن أبسط حقوقها في أرضها وثرواتها وسيادتها وحريّتها...
لا يملك المراقب الحريص لما يجري تداوله بشأن زيارة وليد جنبلاط إلى دمشق، سوى التمنّي بأن تصل الأمور إلى خواتيم إيجابية. وهذا الأمر يتجاوز، طبعاً، بكثير ما هو شخصي في السلوك والعلاقات. إنّ الأساس هو سلوك نهج المراجعة وحسن استخلاص العبر. وفي هذا السياق، فإنّ ما يكابده جنبلاط اليوم، يكاد يختصر أو يكثّف ما يجب أن تقدم عليه فئة كبيرة من السياسيين ومن القوى السياسية، في تعاملها مع الأحداث، ومع المحاور، ومع المبادئ، فضلاً عن المعايير والأساليب... وأودّ هنا، مستدركًا، أن أقول إنّ ملف العلاقات اللبنانية ـــــ السورية ينطوي على الجسيم من الأخطاء. وهذه الأخطاء ارتُكبت من جانب أطراف مسؤولين لبنانيين وسوريين. قد تتفاوت الدرجات في حجم الأخطاء، لكنّها تبقى كبيرة وهي تحتاج إلى تصحيح يُبنى على مصالح البلدين الأساسية والفعلية، لا مصالح هذه السلطة أو تلك، أو هذا الفريق أو ذاك. كذلك يستدعي الاستدراك استبعاد كلّ تبسيط من نوع أنّ على الجميع سلوك ما يحاوله الآن جنبلاط حيال دمشق أو سواها. إنّ مطالبة «الطبقة السياسية» اللبنانية الحاكمة أو المشاركة في الحكم، بمراجعة سياستها هي أمر مصيري لمعالجة الخلل الخطير والكبير في الوضع اللبناني وفي نظام علاقات اللبنانيين في ما بينهم، وفي علاقاتهم بالقوى الخارجية، صديقة كانت أم شقيقة أم عدوّة.
لقد أدخل وليد جنبلاط على الحياة السياسية اللبنانية عنصر المفاجأة وسرعة الانتقال من موقف إلى موقف ومن موقع إلى موقع. وقد يكون له الآن، في «اعترافاته» المتلاحقة والمُدَوْزنة على وقع تقدّم علاقته مع القيادة السورية وحلفائها في لبنان، فضل كشف الكثير ممّا تتصف به الفئات التي حكمت لبنان منذ الاستقلال (على الأقل) حتى اليوم. إنّ إدراك هذا الأمر من قبله، مقروناً بعوامل أخرى في توازنات القوى والمصالح، قد يدفع تجربة الرجل لكي تتحوّل محطة مهمة في مراجعة لن ينجو منها أحد، بما في ذلك فريق المعارضة الأكثر جذرية في الخريطة السياسية اللبنانية. وفي هذا المعنى فإنّ جنبلاط لا يخوض تجربة خاصة بفريقه الحزبي أو المذهبي، أو ذاتية به كسياسي ـــــ ركن في المعادلة التقليدية اللبنانية. إنّه مُطالب بالذهاب أبعد، أي في تحويل تجربته في مرحلة غنية ومعقّدة من الحياة السياسية اللبنانية، إلى أنموذج لمحاكمة سياسات وعلاقات وبرامج وذهنيات أجيال متعاقبة من ممثلي الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان.
من هنا، يبدو غير مفتعل الاهتمام بتفاصيل ما ستؤول إليه العلاقة بين رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي والسلطات السورية. ويستطيع المراقب أن يلاحظ أنّ بعض هذه الهواجس ليس غائباً عن مواقف وليد جنبلاط. لقد تميّزت اندفاعاته الجامحة مراهنة على المشروع الأميركي، بالكثير من التماسك والاتساق. أمّا مواقفه الآن، رغم الإيحاءات، فتشي بالكثير من مظاهر التجريبية والارتباك. ولهذه الأسباب ولأسباب عامة كثيرة ومهمّة أخرى، يصبح فتح ملف العلاقات مع القوى الخارجية مسألة شديدة الإلحاح. لقد نما حجم العامل الخارجي في معادلة التوازنات والنفوذ والسلطة في لبنان إلى درجة غير مسبوقة. وهو نموّ مقلق بكلّ المقاييس العامة. وبديهي أنّه لا يمكن تناول هذا الموضوع، دون ربطه بتناقضات الوضع الداخلي، وبنظام علاقات اللبنانيين في ما بينهم، وذلك، أيضاً، ارتباطًا بنظامهم السياسي ذي الأسس والمرتكزات والآليات الطائفية. بكلام آخر، فكلّ مصادر وأسباب ونتائج الخلل والأزمات في الوضع اللبناني مطروحة اليوم على جدول أيّ بحث مسؤول لوضع حدّ للتدهور العام، ولبدء معالجة الأزمات اللبنانية المتعدّدة والمتفاقمة.
ثمّة أشكال عديدة من الخلل وثمّة مخاطر تترتّب وتتراكم، نتيجة لهذا الخلل. وقد آن الأوان للارتقاء، في مواقف القوى التي تسلّمت مقاليد السلطة والحكم في البلاد، إلى مستوى ما يحدق بلبنان من مخاطر، وبشعبه من تفتت وشرذمة وانقسام وصراعات واسترهان.
تجسّد حالة وليد جنبلاط اليوم، إذن، محطة مهمة في سياق لا يعنيه وحده، أو هكذا يجب أن تكون الأمور. وسيكون الفارق كبيراً، على المستوى السياسي العام، بين أن تكون مشكلة رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي مع النظام السوري مشكلة خاصة، أو تكون جزءاً من مشكلة عامة: وبوصفها كذلك، توضع لها المخارج والحلول؟!
* كاتب وسياسي لبناني