عقد المبعوث الدولي الخاص لليبيا، غسان سلامة، أمس، مؤتمراً صحافياً في جنيف تمحور حول الحوار العسكري الجاري بين طرفي النزاع الليبي. وقال سلامة إن الوفدين الممثلين لقوات المشير خليفة حفتر وحكومة «الوفاق الوطني» انطلقا منذ وصولهما، أول من أمس، في نقاش أجندة الحوار لتحديد النقاط التي تُتداول فيه. وأضاف إن الوفدين لم يجلسا على طاولة واحدة، حتى الآن، لكنّه أعرب عن أمله في تحقق ذلك. النقطة الأهم التي أشار إليها المبعوث الدولي، هي ضرورة الوصول، في أقرب وقت، إلى اتفاق مكتوب يرسّخ الهدنة القائمة منذ بداية الشهر الماضي، ويقلّل الخروقات، كما يحدّد أنواع المساعدة التي ستقدّمها الأمم المتحدة. أما طريقة تحقيق ذلك، فتتمّ عبر نقاش شروط كل طرف ومحاولة البحث عن حلّ وسط. لكن يبدو هذا الأمر صعباً، في ظلّ تشبّث «حكومة الوفاق» بانسحاب قوات المشير حفتر من المواقع التي دخلتها منذ إطلاق هجومها على طرابلس، في 4 نيسان/ أبريل، واشتراط هذه الأخيرة حلّ التشكيلات العسكرية غير النظامية الموالية لـ«الوفاق».

وقد جاء هذا الحوار نتيجة «مؤتمر برلين»، الذي احتضنته ألمانيا الشهر الماضي وحضرته دول فاعلة في الملف الليبي. لكنّ هذه الاجتماعات العسكرية ليست الأولى، فقد احتضنت القاهرة نقاشات مماثلة، بين عامَي 2016 و2018، كان يجلس فيها ممثلو طرفي النزاع على طاولة واحدة، من دون أن يكون لها أثر كبير، لتتعطّل بعد ذلك مع انطلاق المواجهات العسكرية المباشرة بين المحوَرين.
المشكلة الأكبر لهذا الحوار، غير المباشر حتى اللحظة، أنه يجري في ظلّ انتهاك متصاعد للهدنة، وتواصل خرق الإمارات وتركيا لحظر التسليح الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي تمّت إعادة التأكيد على احترامه في الوثيقة النهائية لـ«مؤتمر برلين». فمنذ دخول الهدنة حيّز التنفيذ، سيطرت قوات حفتر على مدينة سرت الساحلية وسط البلاد، وكرّرت قصف مطار «معيتيقة» الدولي في طرابلس، بينما تشهد مناطق غرب سرت، الآن، مواجهات مستمرّة مع قوات «الوفاق». كذلك، تعكس كميات ونوعيات الأسلحة التي أرسلتها أبو ظبي وأنقرة، عدم الرغبة في وضع حدّ للحرب. ففي الأسابيع الأخيرة، نظّمت الإمارات على نحو شبه يومي، رحلات لطائرات شحن عسكري إلى شرق ليبيا، حوَت آليات ثقيلة وبعض المقاتلين السودانيين الذين جنّدتهم بطريقة مخاتلة، فيما أرسلت تركيا، جواً وبحراً، مدرّعات ومدافع ومضادات للطائرات ومستشارين ومقاتلين من الجماعات المسلّحة السورية الموالية لها.

النفط في معادلة الحرب
لكن الحرب في ليبيا لم تعد تقتصر على السلاح والقتال، بل كذلك على النفط الذي يوفّر أكثر من 90 في المئة من موارد الدولة. فعشية «مؤتمر برلين»، أعلنت قبائل في الهلال النفطي على سواحل شرق البلاد، تعطيل أهم موانئ تصدير النفط، وتلا ذلك إغلاق حقلي «الشرارة» و«الفيل» في إقليم فزان (جنوب غرب البلاد). أدى هذا الأمر إلى تراجع إنتاج النفط من 1,3 مليون برميل يومياً إلى 72 ألف برميل فقط، توفّرها منصات الإنتاج البحرية، ما يهدّد بأزمة اقتصادية تمسّ غالبية سكان البلاد، الذين يعمل حوالى مليون ونصف مليون منهم في القطاع الحكومي. وقد جاء القرار من قبائل دعمت إيقاف تصدير النفط، عام 2013، بحجّة سوء توزيع عوائده وعدم استفادة شرق البلاد من أرباحه، رغم أنه يضم معظم مناطق الإنتاج والموانئ. وقد ترافق ذلك مع صعود نجم حركاتٍ مطالبة بالفيدرالية، الأمر الذي أدى، حينها، إلى حرمان خزينة الدولة من مليارات الدولارات، وانتهى بزعيم تلك الحركة، إبراهيم الجضران، بتلقي أموال من الحكومة مقابل استئناف التصدير تحت إشراف قواته العسكرية.

لم تعد الحرب تقتصر على السلاح والقتال، بل على النفط الذي يوفّر أكثر من 90% من موارد الدولة


وبالرغم من أنّ المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر عسكرياً على تلك المناطق، كان قد نفى مسؤوليته عن القرار الأخير، إلّا أن المسؤولية تبدو متقاسمة بينه وبين القبائل. فقد طالب حفتر، في الأشهر الأخيرة بإعادة النظر في طريقة إدارة القطاع النفطي الذي تديره الآن «المؤسسة الوطنية للنفط» و«مصرف ليبيا المركزي» الموجودان في طرابلس. كما كان محوره قد حاول، سابقاً، تصدير النفط والاستفادة من عوائده، عبر إنشاء مؤسسة نفطية ومصرف مركزي في بنغازي شرق البلاد، لكنّ هاتين المؤسستين لم تحظيا باعتراف دولي، ما جعل أنشطتها غير قانونية.
الآن، تبرّر القبائل إيقافها القطاع، برفض تحويل عوائده إلى حكومة «الوفاق الوطني» التي «تدعم الإرهابيين»، وفق ما تشير، في حجّة يتقاسمها معها حفتر. لكن، تحت هذا الشعار، تختفي مظالم يشعر بها سكان شرق البلاد، حيث يرون أنهم لم يستفيدوا تاريخياً من الثروة الآتية من «أرضهم»، وحان الوقت لتصويب ذلك. وفي الإطار، جاءت آخر ردود الفعل من هذه القبائل، نهاية الأسبوع الماضي، حين أعلن متحدث باسمها عزمها على تنظيم اجتماع، يوم الخميس في بنغازي، لتقديم «مسوّدة تقسيم الثروة» للبرلمان. وتأمل هذه القبائل أن تتبنّى المؤسسة التشريعية مشروعها، وتحوّله إلى أمر واقع، الأمر الذي يبدو مستبعداً، في وقت حذّر فيه رئيس مؤسسة النفط المعترف بها، إبراهيم صنع الله، من التعامل مع هذه القبائل، داعياً إلى محاصرتها قانونياً.
وعلى هذا الصعيد، أعلن، أمس، المبعوث الدولي، في مؤتمره الصحافي، عن عقد جولة حوار اقتصادي ثانية في القاهرة، الأسبوع المقبل. وكانت الجولة الأولى قد انعقدت، مطلع الشهر الماضي ــــ أي قبل «مؤتمر برلين» ــــ في تونس، حيث حضر مسؤولون عن المؤسسات المالية المعترف بها في طرابلس، والمؤسسات الموازية شرق البلاد.

عودة الحوار السياسي؟
إلى جانب الجيش والثروة، أعلن المجتمعون في برلين دعمهم المحور الثالث في خطة سلامة، وهو إحياء الحوار السياسي. وقد عمل المبعوث طويلاً على هذا الملف، على أن يعقد مؤتمر مصالحة في مدينة غدامس في جنوب ليبيا، يوم 13 نيسان/ أبريل، لكنّه أُحبط بشنّ قوات حفتر هجومها على العاصمة. الآن، يعمل سلامة على عقد اجتماعات، بعد أسبوعين، بين ممثلين عن برلمان شرق البلاد و«المجلس الأعلى للدولة»، الذي تأسس نتيجة «مؤتمر الصخيرات»، نهاية عام 2015، ويعمل في طرابلس. وفيما سلّم «مجلس الدولة» قائمة وفده للبعثة، قال المتحدث باسم البرلمان، عبد الله بليحق، أمس عقب جلسة نيابية، إنهم لن يشاركوا في الحوار إلا بشروط. وأهم تلك الشروط: إشراف البرلمان على اختيار ممثليه وأن يكون عدد هؤلاء أكثر من عدد ممثلي «مجلس الدولة»، وضرورة تحديد فترة زمنية مضبوطة للحوار وقائمة للمواضيع التي سيتطرّق إليها، وأن يكون للبرلمان الكلمة الفصل في أي قرار يتم التوصل إليه.