يسعى مروان حرب في كتابه «الشهابية ـــ حدود التحديث السياسي في لبنان» (دار سائر المشرق ــ بيروت) إلى البناء على فكرة أساسيةِ التحديث السياسي في مرحلة الرئيس فؤاد شهاب (1958 ــ 1964)، مبرزاً أهم الأفكار والإنجازات التي عملت عليها الشهابية باعتبارها أكبر محاولة للنهوض بدولة حديثة. الأطروحة التي نقلها من الفرنسية إلى العربية سليمان رياشي، قُدّمت في الأساس لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، لذا غلب عليها الطابع الأكاديمي العلمي. وقبل الخوض في تفاصيل الكتاب، يضعنا المؤلف الحائز «جائزة سمير قصير لحرية الصحافة» عن فئة «الباحثين الشباب» أمام الإطار الزمني الذي رافق ولادة الشهابية التي كان أحد روافدها أزمة عام 1958 خلال رئاسة كميل شمعون.


شهاب الذي وصفه المؤرخ الراحل كمال الصليبي بـ«المثالي»، جاء إلى رئاسة الجمهورية في مرحلة زمنية مفصلية، بعدما شهد المحيط العربي أزمات عدة، وفي طليعتها انعكاسات حرب السويس عام 1956، والتجاذب المحموم بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي، وتصاعد الانقلابات في أكثر من بلد عربي. هل للرئيس فؤاد شهاب فلسفة سياسية؟ يطرح حرب هذه الإشكالية، مفصّلاً مواصفات التحديث السياسي عند الشهابية، مع العلم أنّ الصحافي والوزير السابق جورج نقاش كان أول مَن استعمل مصطلح «الشهابية» عام 1960.
أربعة مفاصل شكلت عماد مشروع الرئيس شهاب التحديثي: القناعات الشخصية، وعلاقته بالأب لويس جوزف لوبريه مدير بعثة «إيرفد» وأحد أهم الباحثين الفرنسيين في قضايا التنمية، والرؤية الشهابية للتنمية، وفهمه للنظام السياسي اللبناني. الرئيس الذي لم ينتسب إلى أي إيديولوجية سياسية، شُغل بهمّ وطني أساسي، هو كيفية تقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق الطرفية والعاصمة بيروت. كان شهاب مدركاً لهذا التفاوت بين المناطق، باعتبار أنّه كان قائداً للجيش اللبناني، كما كان على معرفة تامة بطبيعة البنى القبلية/ الطائفية ومخاطر الاقتصاد الليبرالي غير المنضبط، والمفتوح بدوره على الأزمات الخارجية. لذا، نهض مشروعه على ضرورة الإنماء الإنساني والاقتصادي والمناطقي المتوازن، الكفيل وحده بخلق هوية لبنانية جامعة. شهاب «المأخوذ بفكرة العدالة» كما وصفه المؤلف، اعتمد في نهجه الوطني على مجموعة من المبادئ، هي الحفاظ على استقلال لبنان وسيادته، وتكريس الوحدة الوطنية، وتطبيق الدستور بأمانة ودقة، والتوازن السياسي والاجتماعي ــ الاقتصادي، ودور لبنان العربي وسياسة الانفتاح العقلاني/ الحذر تجاه الغرب. المبادئ تلك أصبحت سمة لدى كل من اقتنع بها، وبات هؤلاء يُعرفون بـ«النهجيين»... فأين هم ساسة لبنان الحاليون من هذا النهج؟
تأثر فؤاد شهاب داعية «الاقتصاد ذي الوجه الإنساني» بالأب لوبريه ــ أو «الكاهن الأحمر» كما وصفه كمال جنبلاط في مذكراته ــ الذي شغل موقع المستشار الاقتصادي للرئيس التحديثي. «فيلسوف دولة لقضايا الإنسان» كان رجل مواقف مسكوناً بهاجس الإنماء؛ إنماء الإنسان ومجاله الجغرافي. عمل على توطيد التنمية لأنها وحدها القادرة على تقليص الفجوات بين المناطق، وبالتالي السير بالحداثة السياسية كرافعة لبناء الدولة حديثة.
إجرائياً، سجل الرئيس شهاب في فترة ولايته أهم الإنجازات في لبنان على مختلف المستويات السياسية والإدارية والإنمائية. رفع عدد النواب من 66 إلى 99 نائباً من أجل استيعاب الخصوصيات الطائفية والتنوع المناطقي، وجعل القضاء الدائرة الانتخابية في سبيل تحقيق التوازن، وحوّل سياسة لبنان إلى حياد إيجابي تجاه العالم الخارجي مع الإصرار على عمق البلد العروبي، وحافظ على ليبرالية الاقتصاد اللبناني من خلال التخطيط والعقلنة والأنسنة، كما خفف من الفروق بين بيروت والأطراف عبر الإنماء، وناضل ضد التمركز الشديد للثروة. وإضافة إلى تأسيس مجلس التخطيط والتنمية، نظّم شهاب الإدارة العامة بما يساعد على محاربة التدخلات السياسية.
حاولت الشهابية «العبور من دولة الطوائف المتنازعة إلى دولة الأمة المندمجة». ولعل هذه الفكرة التي يركز عليها حرب ويدرسها ويكشف معطياتها، شكلت بالفعل العمود الفقري لمشروع الرئيس التحديثي الذي آمن دائماً بأن التوتر الطائفي منبعه اقتصادي وتنموي، وليس هويّاتياً/ دينياً أو مذهبياً. العبور إلى الدولة عبر نهج الإنماء المتوازن، بما يوفره من بيئات اندماجية، لم يُرضِ القوى الإقطاعية والطائفية والرأسمالية والاحتكارية. وقد أدرك شهاب هذه المعضلة باكراً، ما جعل الأب لوبريه يوجّه رسالة إلى مجمع المطارنة (في 28 شباط/ فبراير 1962) جاء فيها: «إنه (شهاب) مصمّم بحزم على دعم وتنظيم التنمية الشاملة في البلاد، لكن الطبقات الحاكمة ورجال الإكليروس وهم ملاكون كبار يريدون الالتفاف على القضية الاجتماعية».
من المآخذ التي سُجّلت على تجربة الرئيس فؤاد شهاب، دور «الشعبة الثانية» (أو المكتب الثاني) الهادفة إلى «وقاية البلاد من أي تحديد أمني» كما يوضح باسم الجسر. لكنّ تحولاً طرأ على وظيفة الشعبة، إثر محاولة الانقلاب الذي قام به «الحزب السوري القومي الاجتماعي» (ليلة رأس السنة 1961/ 1962)، إذ انتقلت الشعبة من مهمتها الاستخبارية إلى التدخل السياسي «الفج» كما يلحظ الكاتب. ومن الملاحظات المهمة التي يبديها الفيلسوف الفرنسي ألان فينكلكروت في كتابه «هزيمة الفكر» أنّ «تفكيك (الشعبة الثانية) جهاز المعلومات في الجيش في ظل ولاية (سليمان) فرنجية شجع على انتشار التشكيلات السياسية وأجهزة المخابرات الأجنبية، ما أطلق عملية تفكك الدولة بعد حين»، كذلك فإنّ حرب نفسه يدافع عن الشعبة ويرى ضرورتها «في دولة تريد الحفاظ على أمن جيشها ورفع معنوياته، وخصوصاً في دولة ليبرالية كما في لبنان».
واجهت الشهابية معضلات كثيرة، أولاها المواجهة مع طبقة الزعماء أو السياسيين الذين وصفهم شهاب بـ«أكلة الجبنة»، فهؤلاء التقليديون وآكلو الدولة، اعترضوا بشراسة على كل عملية إصلاح للنظام السياسي. ثانية المعضلات هي تأثير البعد الزمني القصير على وتيرة الإصلاح، «فالمشروع الشهابي كان بحاجة لولاية أخرى كي يتحقق ويبلغ مرحلة النضج» كما يشير نواف كبارة في كتابه «الشهابية في لبنان 1958 ــ 1970».
كتاب «الشهابية ـــ حدود التحديث السياسي في لبنان» يحيلنا على طرح أسئلة برسم الطبقة السياسية الحالية، بعدما وصلت إلى مرحلة من الجنون السياسي غير المسبوق: أين هم الزعماء الحاليون من مشروع فؤاد شهاب التحديثي والإنساني؟ ما معنى تمركز الإنماء في العاصمة على حساب المناطق الطرفية؟ أي دور للطبقة السياسية في التجييش الطائفي والمذهبي بما يحمله من مولدات تفكيكية للهوية الوطنية؟ وسط هذا الصخب والضجيج، هل سيأتي يوم «الغضب الكبير» أو الثورة الشعبية كما توقعها شهاب؟