في «ما طلبتُ من الله» لجاهدة وهبه، المقدمة الموسيقية تبدأها آلات النفخ لتنثر مناخاً من الترقّب الفَرِح على ما يشبه هدوء الأداجيو ولكن بخفر، وكأنها تترقّب ولادة حدث جميل (بداية رمضان) لتُعبّر عنه مجموعة الفلوت أوبوا كلارينت والباسّون بمقام العجم مبتدئاً بالدو ماجور في الثواني الخمس الأولى لتنتقل منه في الثانية ١٢ بنقلة رائعة إلى مقام ري ماجور.

تبدو هنا فوراً ملامح شخصية جاهدة وهبه الموسيقيّة في التلحين إذا لا يُخفى على المتابع لها أن سر جمال أسلوب تلحين كل أغانيها يأتي من كونها تعرف كيف تتوسّل فخامة التعبير بالنقلات المقامية. يحدث هذا بشفافية لا تعرف التكلّف وبشكل تخطف به نفس المتلقي، ولا تترك له حالاً واحدة ليستقر عليها، مما يضعه في حالة من الترقّب والفرح حتى ولو كان اللحن حزيناً. غالباً ما يحدث هذا بالمقام الشرقي كما نرى في هذه الأغنية الطويلة او هذه «الإنشادية الابتهالية» بزمنها ١٠ دقائق وبأجوائها الموسيقية المبتكرة بالتشويق الذي يتجدّد بمفاجآت التغييرات بالمقامات الشرقية كما بقية أغنياتها الأخرى مثل أغنية «يا ولدي» لنفس الشاعرة أو «كتَبتَني» وغيرها. يحدث هنا حيث تبدأ المفاجآت التي تحاول أن تتوازى بها بأجواء شهر رمضان الروحانية المباركة. تبدأ من العجم على الدو الى العجم على الري ثم عجم على الدو في آخر الدقيقه الاولى 0,52 لتنتقل بعدها إلى نهوند الـ «لا» بالتناوب. في الدقيقه وخمسين ثانيه تقفل على الكرد على المي بينما يعود المقام الذي يستمر حتى الدقيقتان و١٥ ثانيه على نهوند ال لا La لينتقل إلى الراست على الـ «لا».
عند الدقيقتين و١٦ ثانيه حتى الدقيقتين و ٥١ ثانيه! يعود النقل قبل الدقيقة الثالثه بلحظات الى نهوند الـ «لا» ليرتقي منها الى الكرد على المي ويبقى لعشرين ثانية يعود بعدها الى العجم على الدو ومنه إلى نهوند الـ «لا» ليقفل على كرد المي. بعد الدقيقة الرابعة بقليل نصل الى بيّاتي المي. أجمل نقلات الأغنيه تعاطفاً مع المناسبة الجليلة كان قبل الدقيقة الخامسة بقليل حيث يتأجّج الجو الرمضاني روحانياً بحجاز المي على طريقة الآذان إلى مرور عابر على حجاز كار مي لينتقل الى حجاز ال "لا" يليه الكرد فحجاز الكار كرد عند الدقيقة 5,53.
بعد الدقيقة السابعة بقليل يصل الى مقام بياتي على المي وبعد حوالي ٢٠ ثانيه ينتقل الى الصبا على المي فإلى نهوند ال «لا» فالكرد على المي فعجم الدو الى نهوند الـ «لا» لتقفل الأغنيه أخيراً على كرد المي. لقد تعمّدت ذكر كل مقامات الأغنية حتى أثبت وجهة نظري التي تجعل من السيدة جاهدة وهبه ملحنة لا تعرف فقط أسرار التلحين بل تتقن بذوق وأناقه طرق الدخول والخروج عبر سككه المقامية التي يخاف الكثيرين منها. تعرف جاهدة الأصول خصوصاً عندما تختلط علاقة النغمة بالكلمة فتتيقّن عملية البحث عن طرق الخروج بالمعنى سالماً بالتعبير الفني الذي تأخذه الكلمة الى برّ الدهشة كاملة بما يوازيها لحناً بالمقام! أما الجديد والمثير الذي حدث هنا فكان التقاء دور الملحن البارع بدور آخر يوازيه أهمية لتنجح به صياغة الأغنيات الكبرى في خروجها إلى شكلها المثالي وهو وجود الموزّع الموسيقي القادر على مزج أسلوب التفكير الأوركسترالي بنوع من الأرينجمانت الناضجة فالقدرة على إخراج الشكل اللحني للمقام برؤية محلية يتشابك فيها العمل على دمج المادة اللحنية بأفكار البوليمودال دون جرح كرامة المقام بغربنته( اي جعله يفقد روحه الشرقية ضمن تفكير توزيع دياتوني يبتعد بالشخصية المقامية إلى الهارمونية الغربية بعيداً عن روحها المحلية الشرق-عربية. لقد أثبت الموسيقي والموزع الأوركسترالي الأستاذ مايك ماسي أنه لا يفهم فقط حدود العمل الذي يذهب بشفافية وأصالة ليصل بعملية توزيع الماده اللحنية بما يحفظ روحها شرقيةً حرة فقط ، بل يعرف أيضاً كيف يرفعها إلى بعض معادلات البوليموداليتي التي تحتفل بحب، بإبقاء روح اللحن مزدهراً بالبوليفونية التي تجيد التعامل بحساسية المادة الشرقية المقامية التطلعات. إذا أضفنا اجتهاد الرجل هذا مع عملية قولبة التوزيع ضمن نسيج الإيقاعات خصوصاً المركبة منها والتي وصلت أحياناً الى ثلاث إيقاعات متوازية بلعبة البوليريتميك الشرقية والتي أنجزتها السيدة جاهدة وهبه ضمن عملية التلحين، فأحب أن أشير إلى أبرز الإيقاعات الشرقية التي أنجزتها ضمن نسيج التلحين وكانت واضحة في تلاقيها المركّب فوق بعضها وهي تنظم النسيج العام للتوزيع الذي قام به الفنان مايك ماسي بوليفونياً متوازياً بالبوليموداليتي البوليفوني بحب وشغف تفوح منها عطور الموسيقى العربية. الايقاعات إذن كانت كالتالي البلدي وإيقاع كاتاكوفتي مركّب وايقاع الوحدة وايقاع كراتشي والمقسوم والهجع المركّب بالرومبا. يمكن أن نرفع لمايك ماسي القبّعة لهذا التوزيع المرهف بفهمه للعبة التوزيع التي تبنّت طبيعة اللحن وروحه ولكنها لم تستسلم لكسل المونودية حيث الحنين إلى الماضي الذي لا يفضي الى شيء جديد، بل ارتفع به مايك ليحاكي تطلعاته الشرعية والروحية كمحترف يريد أن يواجة عصره بأصواته وتطلعاته، فيتولد العمل بين يديه وفكره معاصراً وخلّاقاً ليقول هويته... هويته التي لا تقطع مع الماضي والجذور ولكنها ترتفع لتقول عالمية مُبتَكَره تقارب كل تطلعات الحداثة النابعة من الذات! هل فرض الّلحن نفسه على الموزع والمُؤركس أم أن الثاني استماله بما يستحقه من أصالة ساومه عليها؟ أترك الإجابة على هذا السؤال للمختصين والمهتمين، وأقترح على من له شأن بترشيح هذه الأغنية كإحدى أجمل (ربما أكمل وأنضج ) الأغنيات التي سمعناها في العامين السابقين واللذين أثقلا الساحة الفنية العربية بالكثير من الغث والهبوط والتفاهة! هذه أغنية مبتكرة بالتقاء عناصرها في كل شيء، ليس فقط بلحنها وتوزيعها وأركستها بل بكلامها الشعري الممتلئ بالصدق وشفافيته الروحانية التصوفية التي قلّ نظيرها أيضاً حديثاً وأنجزتها الأديبة والشاعرة المرموقة السيدة أحلام مستغانمي. باختصار إنها أغنية لقاء لروافد فنية رفيعة جمعت ثلاث شخصيات عملت عليها بحب وشغف واهتمام يندر أن نجده هذه الأيام بهذا العمق والأصالة الموجهين ليس فقط للنخبة بل أيضاً للعامة، وهذا سيكون سراً من أسرار مكونّات هذه الأغنيه الشاهقة!