لا تذكر قصيدة النثر إلا ويذكر أنسي الحاج (1937 ــ 2014) معها وفي قلبها وروحها ورؤيتها، وهي القصيدة التي خاض مع أدونيس في مجلة «شعر» معركة تعريفها، قصيدة تحتفي بالشعر الخالد والأشكال المتغيرة. بدأ أنسي الحاج في مقدمة ديوانه الأول الصاعق «لن» (١٩٦٠) معركة، بحسب الناقدة خالدة سعيد، هي الأعنف منذ انطلاق حركة الشعر الحديث و«جعلت منه الناطق الرسمي باسم قصيدة النثر (في تلك المرحلة على الأقل)، ليس فقط لأنها تجلت في أعماله، بل قبل ذلك كله لأنه حمل لواء الدفاع عنها واحتل موقع التطرف في تبنيها». كانت بيروت تغلي، مختبراً ثقافياً وشعرياً وفضاءً تجريبياً عميقاً ومركّزاً: يوسف الخال يحاضر في «الندوة» اللبنانية عام ١٩٥٩ في انتقال القصيدة من الإطار التشكيلي ونسق التفاعيل إلى نظرة جديدة في الحياة والإنسان، محمد الماغوط ينشر «حزن في ضوء القمر» (١٩٥٩)، ثلاثة مقالات لأدونيس في مجلة «شعر» وأبرزها ما جاء في العدد ١٤ عام ١٩٦٠ لتقديم مفهوم الشعر الحديث ومفهوم قصيدة النثر مستلهماً الكتاب المرجع للناقدة الفرنسية سوزان برنار التي وضعت لهذه القصيدة شروطاً ثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجانية. مقدمة «لن» دارت في هذا الفلك، لكن أنسي الحاج أعطاها بعداً رابعاً: هوية التمرد أو «هوية اللعنة»، ليقول عنها مقتفياً أثر الشاعر الفرنسي أنتونان آرتو: «قصيدة النثر عمل شاعر ملعون».


(باريس - شباط 1981)

أراد أنسي، في «لن» و«الرأس المقطوع» (١٩٦٣) تحديداً، للقصيدة أن تكون فضاءً لطاقة الهدم وطاقة البناء، وأن تعثر كما قال رامبو على «لغة تختصر كل شيء، العطور، الأصوات والألوان» أو كما قال بودلير قصيدة تستعمل الشكل المرن والمتلاطم الذي يتوافق وتحركات النفس الغنائية وتموجات الأحلام وانتفاضات الوجدان. مرونة ظهرت أكثر في ديوان أنسي الثالث «ماضي الأيام الآتية» (1965).
ولد أنسي الحاج في قيتولي (قضاء جزين) عام ١٩٣٧، ليتابع دروسه في مدرسة «الحكمة»، ويبدأ حياته المهنية منذ عام ١٩٥٦ محرراً للصفحة الأدبية في صحيفتي «الحياة» و«النهار»، محوّلاً الأدب من زاوية يومية إلى صفحة متكاملة. أصدر بعدها «ملحق النهار» الثقافي الذي أسهم في مواكبة حداثة بيروت الأدبية والثقافية في سبعينيات القرن الماضي، يعاونه شوقي أبي شقرا الذي انضم بدوره إلى أسرة مجلة «شعر». المجلة التي كانت تمثل الجناح المشرقي للحداثة الأدبية العربية، بعد أن اكتمل جناحها المغربي بمجلة «أنفاس» التي صدرت في الرباط عام ١٩٦٦. حين توقفت مجلة «شعر» كتب أنسي «لقد سئمنا الجلوس وراء المكاتب وانتظار شعر الآخرين الذي لا يُقرأ، والتطلع في وجوه بعضنا البعض ونحن ننقص شهراً بعد شهر ويدب فينا الكسل. الكسل المنقذ، المنقذ من تحول الشعر إلى وظيفة والشاعر إلى كرسي». استمر أنسي في «النهار العربي والدولي» بعد نهاية مجلة «شعر» عند العدد ٤٤ عام ١٩٧٠، ليصدر في العام ذاته مجموعة «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة» ويتبعها بـ «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» (١٩٧٥) وكتاب مقالات من ثلاثة أجزاء بعنوان «كلمات كلمات كلمات» (١٩٧٨)، ثم «الوليمة» عام ١٩٩٣ و«خواتم» بجزأين من التأمل الفلسفي والوجداني (١٩٩١ و١٩٩٧). بعد وفاته، أصدرت ابنته الشاعرة ندى الحاج نصوصاً غير منشورة في حياته بعنوان «كان هذا سهواً» (دار نوفل) عام ٢٠١٦. استقال أنسي الحاج من إدارة تحرير «النهار» عام ٢٠٠٣، وانضمّ عام ٢٠٠٦ إلى أسرة جريدة «الأخبار» في نواتها التأسيسية، ليجعل من أعداد يوم السبت وليمة تبدأ قراءتها من الصفحة الأخيرة. «احفر في الهاجس، تابع الحفر، حتى ينبجس اللب من الطرف الآخر. فإما جوهرة وإما فرَج الفراغ»، أنسي الحاج لا يتكرر، شاعراً وإنساناً.