تُرافقني مع كل نفَس. لمْ ولن تتحوَّل إلى ذكرى تفيض بها ذاكرتي. كيف ذلك ولا تزال الحياة تضجّ بك، متصارعةً في كلماتك المتزاحمة في فصول حياتنا!

أبي، لن أُلَطِّف لك الحاضر وما سبقه في السنوات الخمس، التي أردتَ أن تتنحّى فيها عن مسرح الأحداث الأليمة العاصفة في أشلاء العالم العربي. لن أُصوِّر لك الجمهور المصفِّق في القاعات لبهلوانيّات الإعاقة الفكرية والسياسية والأخلاقية والروحية. فأنتَ اخترتَ رحيلك في الوقت المناسب كي لا تحرقك الأضواء الكاشفة للعقم الإنساني، الذي طالما أطلقتَ صرخاتك المدوية في وجه ظلاميته، وما كان من أحدٍ ليتلقّف حرقتك، إلا مَن أحبّك وتطابقتْ صرخته مع شغف روحك.
أبي، يا مَن لأجله أُحب ملكوت الحرف المُحيي، يا مَن كَتب بِحبر دمه أسفار الحياة والموت، أسألك وأنت في عليائك، هل وجدتَ الأجوبة الملِحّة التي أشعلت لياليك؟ نحن هنا مِن تواضُع التراب وتوهُّج النار لا نزال نبحث وندور، والبعض القليل والنادر يصغي لتموّجات الهواء وفي عيونه ماء.
أبي، هل تتذكّر الوعد الذي عاهدتكَ به أياماً قليلة قبل رحيلك؟ أنا على الأقل، أتذكّر.
قلتُ لكَ، محاوِلةً بكل ما لديّ من طاقة، أن أستبقيك خالداً في الحقيقة الجوهرية التي لا تزول رغم فناء الجسد. وكأني بجموحي ذاك، أواجه واقع الموت الحسّي بعشبة الخلود. أردتُ في كلماتي المنطلِقة من وعْد الحب، الذي طالما صدّقناه وتبعناه مغمضي الأعين حتى الأخير، أردتُ ببساطة أن أحضن موتك وأحوّله بدفْق الحب إلى حياة، وقلتُ لكَ: «بابا، سأُنشِئ لك مركزاً يحمل اسمك».
كلمات قليلة خرجت من صدري بنفَس واحد دون تفكير مسبق، كانت كفيلة بأن تحرِّك نظرك الملتمِع فجأة نحوي، مع محاولة جزئية منك لتدير رأسك صوبي. خمس كلمات أشعلتْ رغبتك بالحياة ولو لأيام قليلة جداً، أعدتَ فيها السؤال عن إمكانية تحقيق مشروع كهذا، وذلك بما تبقّى منك على قدرة للتنفس والكلام.


كلمات ما زالت تحفر في نفْسي وتُسائِلني كما سألتَني أنت على التمام «كيف سيتمّ ذلك؟ صعْب ولبنان بلدٌ صغير».
كنتَ في أيامك الأخيرة كما في حياتك كلها، الرائي الذي يسْتشِف الأمور ويدركها ببصيرته المدهشة، وأنا لم أشأ أن أصدّق استحالة تجسيد فكرة أملاها عليّ صوت الحب ببساطة الحق.
كيف أُصدّق صعوبة الأمر وأنسي الحاج ليس أبي وحسب؟!
هذا الإنسان المدهش الصادق، المارد المرهف، الخارق الهشّ، الرؤيوي المؤمن، السرّي المنتهِك، القابض على الرجاء في الهاوية، البحّار المؤتمَن على شعلة الحب كاملة ممتلئة كما ظلّت في قلبه.
هذا الإنسان الذي عرفته أباً حنوناً وشاعراً مارقاً ومفكراً مشرقاً وعبقرياً متواضعاً، كان صانع أحلامٍ فوق كل شيء، مبتكِراً من كلماته وأفكاره وخيالاته غيوماً تخطّت عمره وأعمارنا...
عبَر الزمن ولم يطوِ صفحة، بل اخترع صفحات من الزمن المضيء الذي حلم به له ولنا، ولقرائه الحالمين والمتجرئين والمتمردين على كل ظلم وكبت وسجن وتبعية وتعصّب وجهالة وعمى وكره وبطش وأذى يلحق بأصغر نملة تدبّ على الأرض، وصولاً إلى حزن الله على بؤس خليقته.
هذا الإنسان المتفلِّت من كل قيد، لم يشأ أن يستأثر بالحرية وحده. ظلَّ يلهث مهرولاً نحو القمة لينتشل النار من فم الأسد ويوزِّع شذراتها على الكائنات كلها، علّها تجيد الحلم وتجسّد الحرية.
كائنٌ من نار، كلماته من نار وحريته نار.
كيف يمكن لكائن ناريّ كهذا، أن يخمد في وجدان وعْدٍ أُطلقَ سهمه من قلبي، ليصيب قلب أبي النابض، أياماً قليلة قبل الصمت الأخير؟
في مكتبتك القابعة تحت الأرض، في المبنى الذي يسكن فيه أخي لويس، ترتاح روحك آمنةً بين أوراق الكتب التي عشتَ من أجلها وساعدَتك على المضيّ في الحياة. أمام مكتبك المخلص لك، الذي تلقَّف أمواجك الهادرة على مدى ستين عاماً، ننتظر لويس وأنا أن نحقق لك ذلك الوعد الخفيّ والصارخ في البريّة:
تعالوا إلى وليمة الحب، إلى كتابة الحب وعيْش الحب. تعالوا لنحيي وليمة أنسي الحاج، الذي يحبّها حارّة ومقبلِة على الحياة!
لا يكفي أن يمسح أخي الغبار عن مكتبتك ومجموعة لوحاتك الفنية وأغراضك الشخصية وصورك العائلية ويحفظها برموش عينيه! وأنتَ من عشاق الحياة بنبضها الخافق على إيقاع التجديد وآلات النفخ والوتريات.
لا يكفي أن تكون مكتبتك التي جمعتها طيلة حياتك نفَساً نفَساً، مُصانةً تحت ناظرنا، لأن المطلوب أن تدبّ الحياة فيها وتعيش، وأن تشكّل الجسر بينك وبين محبّيك والعطاش إلى التواصل مع فكرك.
المطلوب هو إحياء الروح وليس تحنيط الأموات. إحياء الوعد في مركز ولو صغيراً بحجم مكتبتك «الصغيرة» ــــ كما اعتبرتها أنت ــــ يحمل اسم أنسي الحاج.
هذا الاسم الذي لا يخصّ عائلتك الصغيرة وحسب، بل هو أوسع من الوطن امتداداً إلى الإنسانية جمعاء... وهل مَن يسمع؟

* شاعرة وكاتبة