[منتخبات شعرية وشذرات]


* اختيار وترجمة: رشيد وحتي

رسالة من جاك بيرك
سيدي العزيز،
كان ممكنا لـ «قداس المرأة» هذا «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» أن يمشي بعكس رفضك الأوّل، رفض «لن» (1960) بكل ما يحويه من بهجة وإيجابية. هل لنا أن نقول بأنكم كتبتموه «عكس الكلمة»؟ كلا، لأن كلمتك تحب نفسها إذ تقول ذلك وأنتم تحبونها. أنتم تعثرون، على كل حال، على تناغم متدفق وكأنه صاف، يجتمع فيه النداء الحسي للمرأة وتقديس الأم العذراء. هو تجدد، إذن، لاستلهامك، في الإصرار على «العروبة» الثورية التي تقترح دوما على نفسها «(إحراق) العالم بشموس العودة».
سيكون جديراً ببلدك، وبالعرب عامة، أن يصغوا إلى صوت شاعر يدعوهم إلى توحيد ما تجزأ من جديد، وإلى الملاذ بالوحدة ضد الازدواج، عل هذه المرافعة عن الحنان تقنعهم، أو بالأحرى تخضعهم لعودتهم إلى أنفسهم.
شكراً لإرسالك هذا الكتاب الرائع، حيث يتجاوب بهاء المادة مع جمال الكلمة، وتيقنوا، من فضلكم، أني أكن لكم كل الود.
پاريس، 5 سپتمبر 1977



أنسي الحاج سرياليّاً في غنوصيّته

ساران ألكسندريّان*
سآخذ، هنا، السّرياليّة، لا بمعناها التاريخيّ، بما أنّ السّرياليّة انتهت كفعل جماعيّ، وإنّما بمعناها الكيفيّ. رومانسي وسريالي، صارتا كلمتين مفتاحيّتين لتاريخ الشعر، كما لو أنّ الشاعر الأصيل لا يمكن إلّا أن يكون هذا أو ذاك، كانت الرّومانسيّة تنهض على هوجة الأهواء، والسّرياليّة على التّواشج الأكيد للحلم والواقع.
■ ■ ■

وحقّاً، بقراءة شعر أنسي الحاج، كنت في حماسة رؤيته يتناول بطريقة شخصيّة تماماً قيماً مجّدها الشّعراء المذكورون آنفاً، دون أن يقلّد أحداً منهم. كان بوسعه أن يعنون، مثل پّول إلوار، ديوانه بـ«الحبّ الشّعر»، لأنّه يعيش هاته الحالة من التّعارض، الّتي يصفها أندريه بروتون في ما السّرياليّة، بقوله: «لم يكن ثمّة، في نظري، شيء يمكن غفرانه إلّا... إلّا وبعيداً «الحبّ الشّعر»، لتستعيد ها هنا العنوان الوهّاج والمرتعش لكتاب لپّول إلوار: الحبّ الشّعر، اللّذان لا يفترقان في جوهرهما، ويعتبران الخير الوحيد». نلحظ، لدى أنسي الحاج، هذا الإصرار المزدوج على أن يجعل من القصيدة شكلاً أقصى للحبّ، ومن الحبّ قصيدة سامية معيشة، وهو ما يتأكّد شيئاً فشيئاً بقراءة شعره، حيث نرى بأنّه انطلاقاً من التمرّد والحلم يبلغ هذا الهدف.
■ ■ ■

أقنعتني قراءة شعر أنسي الحاج إذاً أنّه كان وريثاً روحيّاً للشعراء العظام الذين درستهم في كتابي السّرياليّة والحلم، أولئك الذين كان يقول عنهم أراغون إنّهم كانوا جميعاً «رؤساء جمهوريّة الحلم». لكنّ في شعر أنسي الحاج شيئاً لا نجده في السّرياليّة التّقليديّة، شيئاً مضافاً، يعطيه فرادة خاصّة. شيئاً لحظته خصوصاً وأنا أقرأ قصيدته النّهريّة «الرّسولة بشعرها الطّويل حتّى الينابيع».

أنسي الحاج يتسلّم «جائزة سعيد عقل» عن ديوانه «الرسولة...» (1975)

تذكّرت مقطعاً من بيان السّرياليّة حيث يصف أندريه بروتون سلسلة من الكتّاب قائلاً: «شاتوبريان سرياليّ في نزعته الإغرابيّة. بودلير سرياليّ في الأخلاق. مالارميه سرياليّ في النّجوى. سان-پّول-رو سرياليّ في الرّمز». دون أيّ قدرة على المقاومة، وأنا أقرأ «الرّسولة بشعرها الطّويل حتّى الينابيع»، قلت في نفسي: «أنسي الحاج سرياليّ في غنوصيّته». وهو ما بدا لي في الأبيات الثّلاثة الأولى: «هذه قصّة الوجه الآخر من التّكوين/ وجدتها وعيناي مغمضتان/ فالطّريق حبيبتي».
■ ■ ■

استنتج أحد أجود المعلّقين على التّراث الغنوصيّ بأنّ الغنوصيّين كان يسمّون المرأة Ennoïa، أي: الفكرة الأولى للّه. كانوا يعتقدون بأنّ اللّه فكّر في المرأة قبل أن يخلق الرّجل. من هنا تتأتّى الأنثويّه الصّوفيّة في الغنوصيّة.
■ ■ ■

من البديهيّ أنّ قصيدة أنسي الطّويلة نشيد حبّ دنيويّ، يبتهل فيه الشّاعر حبيبته الّتي ولدته. لكنّها أيضاً قصيدة دينيّة تفرد مساحات لإمكانيّات خلاص البشريّة، خلاص لن يتحقّق إلّا إذا تمّ تشريف المرأة لمزاياها الرّوحيّة، لا لوظيفته الجسديّة حصريّاً كزوجة وأمّ.
■ ■ ■

استعاد أنسي، في لاوعيه، ثيمات وهّجت غنوصيّة الأزمنة الأولى. ممّا يثبت حقّاً، كما تمنّى ذلك، أنّه شاعر ينابيع الكون. لذلك أعتبر أنسي ممثّلاً حديثاً للتّيّار الغنوصيّ، الّذي يبقى جوهريّاً في الفلسفة اللّاهوتيّة، وممثّلاً للتّيّار السّرياليّ الّذي — بتخلّصه من انحيازات السّرياليّة الماضيّة — يعدّ شعر المستقبل.
■ ■ ■

كان أندريه بروتون، مثلي، سيحبّ شعر أنسي، وخصوصاً «الرّسولة بشعرها الطّويل حتّى الينابيع»، وكان سيرى فيه ممثّلاً لتحرّر الرّوح. لأنّه يخلّص اللّغة من أسر البلاغة والدّوغمائيّة العقلانيّة، ولأنّه ينشد الوظيفة الميتافيزيقيّة للمرأة، يبدو لي أنسي محرّراً للشّعر ومحرّراً للحبّ، وأشهد، بحضوري هنا، على إعجابي بنشاطه الشّعريّ وبالانجذاب الأخويّ الذي أشعر به تجاه شخصه.

* مقاطع من كلمة تكريم لأنسي الحاج، ألقاها الشاعر والناقد العراقي ساران ألكسندريّان (1927 _ 2009) في «جامعة القدّيس يوسف» ببيروت، في 26 تشرين الثّاني 1998. العنوان من وضع المترجم.


«لن» _ 1960

1. للدفء
عوض أن تقبل من أمك تزوجها.
الأحرف تتلاحق. عوض ذلك يجب أن تتداخل. الصمت يشبه حروفاً يسكن يركب بعضها بعضاً بالتصاق تحت غارة. ليست الحروف قطارات. عوض أن تصمت مت.
— تحيا
تحت الحلق. وراء قشرتك.

2. ترتيلة مبعثرة
لن أسميك اسماً موسيقياً، لن أتبرع لك بمفاجأة
إنني شغوف بعريك حيث يأخذ هذياني مجده
إنني جائزة باسمك.
ما معنى الرمز؟ فم في الماء
لكني فم أصلع وأعمالي محترقة وبلا هدف.
الرمز غيب
وسرتك تغيب العالم كدوار الماء
الرمز قوة، ووهجك كسل مسلح
وأنا جرثومة مدللة بين نهديك.

لقد عمدوهن بأسماء غريبة إذا دعوتك شيئاً فسأنساه

هناك كتب لها رائحة الغرف وأناديها: يا كتباً لك رائحة الغرف. هناك شعر كالزجاج المكسر أناديه: أيها الزجاج المكسر. لكن لم أمسك لك بمنادى. أنت واضحة تتعقبني سمرتك ولهاث رحمك يسكنني.

مع نزار قباني (لندن ــ 1987)

تؤدين أدوارك في عيني وتفتحين شبابيك في نخاعي
ألحلم في مخدعك ومخدعك حيلة واعية!
ولسوف أدعوك
آه! ماذا؟
ولسوف أكتشف لك سجناً
آه
من يخرجني منه!

«الرأس المقطوع» _ 1963

1. بين أربعة رياح
سريران
بينهما نبيل روماني
على السرير الأحمر جبل يغالبه صبره. المرأة طازجة عليه، جامدة.
على السرير الأزرق رجلاه عاريتان. يلحس أبعاد ظهرها.
الباب مفتوح.
على الأرض، أمامها، مشيحاً بعنف، النبيل الروماني، ذو الشفة الجالسة على العرش.
الجدار الواقي من الهوة تبخر في الليل. الثلاثة معرضون.
فجأة ينغلق الباب ويرجع الجدار.
في مكان ما أستغيث...

2. الحياة المقبلة
منعت النساء من الانتحار بالحية، رميت الرسائل الزرق بالرصاص بعدما الحاكم محاها. وفي الساحة كبتوا النار بالزيزفون. وعند المساء لم يبق.
نعس العالم ونام.
خرج العاشق من السيف.

3. القفص
توقفت وبي رائحة العوسج وفارت الأنوار. وقعت النساء من النوافذ!
أما بقي طاووس أصيل؟
توقفت وبي رائحة الخبل. سريعاً تقصفت أنواري.
فاح حناني المربع.

مع بول غيراغوسيان في مرسمه

4. لهذا السبب
قال الناطور قف على الشوار تشنق الغيظ.
ماتت الدالية بعدها.

«ماضي الأيام الآتية» _ 1965

1. محور الزئبق
أنا من جنس المحور
الحاوي القنافذ والعقارب
القبرات الجزيلة الصحو
أحصنة إبليس الراهبات
النسر ونخاع الصعتر
وجداول السرطان والهدهد.

أنا من طبقة المحور
المؤلف من الإنكار
من قربان التخطي
من روح قدس المخالفة
وأجود فعلة الوجه والقفا.

أنا من حرية المحور
كل واحد مني جزيرة
وصحراء وإخوة وأشرار
كل واحد مني صين
ومصر ويونان
كل واحد مني واحد
في عمق الماء واستراحة الجنون
كل واحد مني له
ضوضاء الملائكة ورؤوس الشياطين
حلول إرهابي وعصيان أبدي
كلما دارت الأشياء دورة
كانوا فيها وراءها وأمامها
كلما شوهدوا في مكان
شوهدوا في مكان آخر.

2. الكأس
لن أتوقف
لن أتوقف
تحت القمر بالثوب الأبيض
غرقا
في اليوم التالي
بين ضربات الصدر.

أنت
في قبة الضباب
وآبار الكنائس المستطيلة
في الأعياد
وشعشعة الواجهات
وحقول الإيقاعات الشعبية
ونحل الضجيج اليائس
وإقلاع السفن والخمور
تتبقين لي دون أن أشعر
تتبقين لي وأنا أشعر
فتقف التجاعيد والطراوات
والأرض تمد رأسها
تتبعنا من كلمة إلى كلمة
من عصفور
إلى عصفور.

سمعت وأنا بعيد
وعندما حاولت أن أقرب
وضعت يدك.

سمعت وأنا بعيد
ورأيت خلف الغابات
الشعوب القديمة.

مع سعيد عقل

3. اللحظة حرير وحجر
لا أذكر كتبت لك كلمة شعر: كل هذا كان تقليداً لطعمك الجسدي.
وعندما تبحثين عن بلاد يصلبون فيها العصافير مقلوبة، أتبعك لأرى بنفسجات قدميك تتفتح من خمير رغبتي الرتيبة. وهكذا أعبدك، تحت حرير اللحظة أو حجرها، وتحسبين تعبي نبوغاً.
لم أؤلف لك كلمة. وما إن كتبت حتى قلت: لا أريد أن أرى رجلاً.
وقبل أن أنزل إلى الرصيف، أنزلت غواصتي في بحرك، داناي، حيث لا غواصة لا بحر لا داناي.
وأضحكتك لأني لم أغرق في هذا الغوص، وظننت صرخة خجلي أغنية انتصار…

«ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة» _ 1970

1. كان خصرها أشقر
منذ ربيتك وأنت نجمة ضئيلة. كان خصرك أشقر فلما كبرت صرت كرزة.
تسوّين شعرك بأسنان شهوتي.
تحذرينني وأحذرك.
أنا الثعلب وأنت الثلج.

2. أجمل القارئات
تجلسين على حافة السرير، بالك في الريح وقدماك في العاصفة.
■ ■ ■

تتحرك يداك موجتين. ويبدأ السرير إلى الجنوب.
■ ■ ■

تمر الحروف. تحسبين أنك هرة. تنامين بين الحروف.
ينقلك النوم إلى الملك.
■ ■ ■

ترحلين على الكلمات إلى الأحراج. تقتربين من الصخور فتصبح مرايا. يصير الندى جداول، النقاط عصافير، الفواصل فراشات، الأرقام أشجاراً.
وينتظرك السرير عند غدير.
■ ■ ■

الصفحة السوداء جنيّة تؤجل عمل اليوم إلى الغد. تستحضر روح اللذة إلى نهديك الطافرين في عطلة.
لا أحد يحزر كم تشتهين وماذا تتخيلين.
■ ■ ■

أعجز عن حماية نفسي من أحلامك. أعرفك قليلاً أيتها القارئة الجميلة، أنت خليلتي وأختي. أعرف قليلاً كيف تمسكين الكلمات من خصرها، وتعصرين، تعصرين.
■ ■ ■

يضيء وجهك فتخفضين الضوء.
العتم المثالي هو الذي يعتقد أن أحلى ما فيه عري الجسد الأبيض.
■ ■ ■

تنفصل الغرفة بضحكة. تطير على تنفض نهديك.
■ ■ ■

تتربص بك أحراج جديدة عند كل نزول إلى السطر. تلتمسين جلد الكتاب فتخفضين الضوء أكثر.
■ ■ ■

سريرك مركب وهودج.
تشتد الريح. تجن حول قدميك العاصفة.
أنت، أجمل القارئات، على حافة السرير، تذهبين، تذهبين..
تصعد الكلمات إلى السرير تنتظر عودتك.
■ ■ ■

حين تعودين وقد انطفأ الضوء، ترتمي عليك الكلمات فرحة، ويتفجر وجهك بالنور، وتمسكك الكلمات من خصرك تعصرك، تعصرك..

3. غيمة الشمس
اليد على خصرها تجعلها وردة
الهواء على وجهها يجعلها فراشة
الضحك يجعلها موجاً
الحزن يبقيها شمساً خلف غيمة تحميها من اللصوص.

4. حتى مجيئي
لا أعرف لك أحداً ولا أرى ليلاً أو نهاراً. لا أسمع صوتاً ولا أشمّ وردة. أنت الوهم البض.
■ ■ ■

أتمنى القمر والشجر والحجر جواسيس على تحركات ركبتيك!
■ ■ ■

يتنشقها النهار. تستحم في مساقط الليل.
■ ■ ■

أخذتك وحملت مني الصباح.

5. التي تلبس فستان الورد
كعنق وردة
ابتهلت إلى حريتي
التي
لم
تقدر
أن
تفعل
لي
شيئاً.

جميلة الثلج
عيناها صعود ملاك وسقوطه
عيناها لم أحدق فيهما إلا نادراً، بسبب الأمل.
بسبب أملي أن أحدق فيهما غداً
عيناها الحالمتان بيأسي.

قوية بفستان الورد
وقميص الهواء
ومعطف السماء البيضاء.

يجمعنا كل شيء
ولا يفصل بيننا إلا الحب.

«الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» _ 1975

[مقطع]
أقسم أن أكون لعبتك ومغلوبك
أقسم أن أحاول استحقاق نجمتك على كتفي
أقسم أن أسمع نداء عينيك فأعصي حكمة شفتيك
أقسم أن أنسى قصائدي لأحفظك
أقسم أن أركض وراء حبي وأقسم أنه سيظل يسبقني
أقسم أن أنطفئ لسعادتك كنجوم النهار
أقسم أن أسكن دموعي في يدك
أقسم أن أكون المسافة بين كلمتي أحبك أحبك
أقسم أن أرمي جسدي إلى الأبد لأسود ضجرك
أقسم أن أكون باب سجنك المفتوح على الوفاء بوعود الليل
أقسم أن تكون غرفة انتظاري الغيرة ودخولي الطاعة وإقامتي الذوبان
أقسم أن أكون فريسة ظلّك
أقسم أن أظل أشتهي أن أكون كتاباً مفتوحاً على ركبتيك
أقسم أن أكون انقسام العالم بينك وبينك لأكون وحدته فيك
أقسم أن أناديك فتلتفت السعادة
أقسم أن أحمل بلادي في حبك وأن أحمل العالم في بلادي
أقسم أن أحبك دون أن أعرف كم أحبك
أقسم أن أمشي إلى جانبي وأقاسمك هذا الصديق الوحيد
أقسم أن يطير عمري كالنحل من قفير صوتك
أقسم أن أنزل من برق شعرك مطراً على السهول
أقسم كلما عثرت على قلبي بين السطور أن أهتف:
وجدتك! وجدتك!
أقسم أن أنحني من قمم آسيا لأعبدك كثيراً.

«الوليمة» _ 1994

1. الأوّلون آخرون
أنا صديق الأشياء المنسيّة، وحين يطلع النهار تكتشف النوافذ بيان الليل.
عندئذ أنام، تاركاً للنهار ذاكرة الخبث المرهقة هذه.
ولا أغادر نظام تلك المناطق المقلوبة إلا لجناحَيْ ملاك يأخذانني حيث لا يسمح للملائكة.
هناك، حتى الأشياء العاقلة كالخزائن والطاولات، بل وأساتذة الحكمة، لا تتكلم، عندما تخلع عنها الطاعة، سوى لغة السقوط والندم.
وكما العاقل عقله يجننه، كذلك فإن المجنون جنونه يهديه.
والرابح يخسر والخاسر يربح.

2. الباب المرصود
من طيات ثوبك المشقوق
تروح
ظلال طليقة
ومن بياض عينيك ينفصل
برود
يفتح الحدود من جديد
ويغلقها..

3.سياج العراء الأخضر
عليكما بالغابة أيضاً، ينهمر ليلكما في أحضان يدها الهائلة.
القصعين والوزال والطيون، في مملكة الصنوبر، رفاق بلا حسد، منارة ترصدها صفوة الخطايا، ومخادع يغمرك، إذ تغمرك، عبق المجون الخبيء في التراب. وقبة الصنوبرات وأسوار أفيائها تبسط عليكما، أيها المستلقيان على الصخرة الملساء كالسماء، حماية الحرية...

4. القدر
القدر ابتسامتك الواقفة على كتفي
القدر لقاؤنا غير المستحق على حافة كل منا
القدر جمودك عندما أسكتك فتغلين
القدر غربتانا تعانقهما صحوة نومنا
القدر هو الصفحة البيضاء تنظر إليّ
فأقع منها كنسر يلاعب الفراغ
وأرتفع كروح من تحت الماء.

5. وفاء العصافير
أنساب كالماء بين الصخور.

جلست لأنظم
فرأيت الأوزان عصافير تبكي في أقفاصها.
أكان يمكن أن أترك العصفور حزيناً
من أجل أن أزين بيتي؟
وتركت الأوزان لأشداء القلوب.
وكم أنا معجب ببراعتهم!
وكم يطربني الغناء المنظم!
وكنت أود لو أكون مثلهم
ولكن ما حيلتي
إذا خلقني الله ضعيفاً أمام الحرية
فضيعت الأوزان وضيعتني
ولم أربح غير وفاء العصافير.

6. يوم بعد المطر
— أين، مع الشوق؟
— إلى الضفاف، صفصافة.
— ما هو العطر؟
— جنية ترمي الشائعات.
— من تنتظرين في العاصفة؟
— أنسى.
— ما هو الوعد؟
— يوم بعد المطر.
— ماذا تقطفين في بستان العالم؟
— البستان والعالم.
— ماذا تتركين لهم؟
— صوت الصيف ليناموا.
— ما اسمك؟
— اسمي على الشاطئ.
— متى نلتقي؟
— في غياب آخر.

7. منتهى الواقعية
لو لم أكن نائماً لكنت هائماً
البقية الباقية من اليقظة أهيمها حتى النوم.
وأتعامل معكم، وأنا نائم، بمنتهى الواقعية.
وإذا لم تفهموا فليس لأني غامض بل لأنكم تقرأون.
وكان يجب أن تناموا.

8. الرحالة
ركض وفتح وقفز وهبط إلى فلورانس، المدينة المسموعة، مع أنها مرسومة وراسمة، بكمنجات وفيولونسلات تمتقع لها الذكريات شهوة إن لم يكن حسداً.
ركض وفتح وقفز وهبط إلى باريس، المكحّلة حول عيون شعرائها، الأعيق بين نسائنا، التي كنائسها أشباح ذات تهديد جنسي.
ركض وفتح وقفز وهبط إلى لبنان، الممتحن للخراب الأوسع، المضروب لفرحته، المدمر لصوته الجميل جداً.
ركض وفتح وقفز وهبط وصعد وراح.
وفتح.
ودخل.
وفي الصالة السينمائية المظلمة جلس وعاد إلى بطن أمه.

«خواتم» 1و2 _ 1991-1997

عندما يحصل الحب تهجم العاصفة عمياء. يتجسد الجنون على شكل قلب.
كل حب اغتصاب.
■ ■ ■

الحقيقة عقاب الغيرة.
■ ■ ■

يوم ظننتني انتصرت على غيرتي كنت، في الواقع، قد بلغت قاع الاحتمال، فاستقلت من المنافسة حتى لا أغار. ظننتها قمة التضحية، وكانت ذروة الأنانية.
■ ■ ■

أصدق ما في الحب الغيرة، قاتلته.
■ ■ ■

ليست دموعك ما يقنعني، بل هو شعوري بعبثية حقي. فجأة تغمرني أمواج عبثية هذا الحق وأستسلم متنازلاً عنه لأي شيء تريدين، بما فيه الخداع، حتى أتفادى عبثية أخرى أسوأ، اسمك: عبثية الحقيقة.
■ ■ ■

نستطيع أن نفتدي الحب كما نفتدي خطايانا.
■ ■ ■

يتحدث الرجل عن التخطي وتفكر المرأة في العناق. هو يخرج وهي تدخل. خلافاً للشكل المظنون في التواصل.
■ ■ ■

تتجنب الحب حتى لا تصل بعده إلى البغض.
تتجنب البغض حتى لا تصل إلى اللامبالاة.
تتجنب اللامبالاة حتى لا تصل إلى الحب.
تتجنب الحب حتى لا تقع وراءه في القفر..
أنت كيفما درت خراب ما قبله، أو ذكرى نفسك.
موجة حركة عمياء،
وصدى موجة..
■ ■ ■

كنت أجمل لأن ابتسامتك كانت ابتسامة فتاة مظلومة تغالب حزنها، وتسامح.
كنت تحركين شعوراً بالذنب تجاهك ونخوة الحماية.
لما تحررت، فرغت عيناك.
أأقول: واأسفاه على خوابي العذاب! وكل ما أبغيه هو بلاغته من دونه؟
■ ■ ■

المبغض يعلمك. المحب يجملك.
■ ■ ■

حين تمجنين تخدمك براءتك، وحين تستعيدين هدوء التعقل تخدمك في رأسي ذكرى مجونك.
■ ■ ■

إصغاؤها لشعرك أشعر منه.
■ ■ ■

يداك الخفيتان تفتحان أبوابي الخفيّة.
■ ■ ■

من شدة الظل صرت شمساً خضراء.
■ ■ ■

لا أدافع عن الماضي، بل عن أمي.

■ شكر خاص لندى الحاج كريمة الشاعر الراحل على فتح أرشيفها لـ «الأخبار»