القاهرة | غيّب الموت أول من أمس الكاتب المصري أحمد خالد توفيق (1962 ـــ 2018). يعتبر الراحل أحد جسور الشباب الهامة لمحبة الكتابة والقراءة من خلال كتاباته الجذابة في أدب الرعب والخيال العلمي، والفانتازيا، فضلاً عن الكتابة الساخرة. كما أسهم في كتابة الرواية الكلاسيكية، ومن أشهر أعماله «يوتوبيا» (2008) التي تتحدث عن تأسيس الأغنياء كومباوندات سكنية محصنة بالأسلاك الشائكة وكلاب الحراسة، لا يدخلها الفقراء. وإذا اقتربوا منها، سيموتون.

درس توفيق الطب، لكنه انتقل عام 1992 إلى عوالم الكتابة، بادئاً بالقصة القصيرة، ومتأثراً بكتابات مكسيم غوركي وأنطون تشيخوف. لكنه أدرك وقتها أنه لن يصير نجيب محفوظ «لمجرد أنّ لي شامة على خدي. ولن أصير الشابي لمجرد أن عينيّ صغيرتان حائرتان.. ولن أصير ابراهيم ناجي لمجرد أنني موشك على الصلع» كما كتب في مقال ساخر.
كانت البداية بسلسلة «ما وراء الطبيعة» (1993) حيث بطله الأشهر رفعت إسماعيل الذي كان مجرد بطل عادي، لا يمتلك قدرات خارقة. طبيب أمراض دم في السبعين، نهم للتدخين، يعشق ماغي امرأة اسكتلندية، ويحكي تجاربه المثيرة في الخوارق، وقدرته على الاتصال بعوالم أخرى. حققت السلسلة نجاحاً باهراً، وباعت أكثر من مليون نسخة عبر أجزائها الثمانين عندما أعلن توفيق: «آن لرفعت إسماعيل أن يستريح». وقد تلقى القراء الخبر بحزن، إلى درجة أنّهم نظموا عام 2014 حفل تأبين افتراضي على موقع الفايسبوك، في سابقة هي الأولى في الأدب العربي التي يتم فيها تأبين إحدى الشخصيات الروائية الخيالية عقب وفاتها. وقد شارك في التأبين حوالي 500 كاتب وقارئ حكوا تجربتهم وتأثير البطل الروائي عليهم!
لم تكن «ما وراء الطبيعة» السلسلة الوحيدة التي قدمها توفيق، إذ أسهم ايضاً في تأسيس سلسلة «سفاري» عن طبيب مصري يفشل في مصر، ويقرر السفر إلى الكاميرون للعمل. هناك، يحكي ما يراه ويواجهه، ثم كانت سلسلة «فانتازيا»، وروايات عالمية للجيب التي قدم فيها ترجمات مختصرة لروايات عالمية عدة. كما اسهم في ترجمة رواية «نادي القتال» للكاتب الأميركي تشاك بولانيك.
امتلك خالد توفيق تأثيراً قوياً على الشباب، كان يكتب بلا وصاية، ومن ثم اعتبروه الأب الروحي، أو «العراب». أسهم في تأسيس أسطورته بأنّه ظلّ في طنطا (شمال القاهرة)، مدينته التي ولد ونشأ فيها. كما احتفظ بمسافة بينه وبين السلطة. لم تسهم أي مؤسسة ثقافية في صنعه، أو حتى الاحتفاء به وتكريمه. كان جريئاً ساخراً، لا يسعى إلى مكانة سوى القراء. لم يتورط في مديح مَن لا يستحق. ومن هنا كان واضحاً حالة الحزن عليه على مواقع التواصل الاجتماعي بمجرد إعلان خبر رحيله.
كتب توفيق يرثي أحد أبطاله: «وداعاً أيها الغريب، كانت إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة، عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيراً، وداعاً أيها الغريب، كانت زيارتك رقصة من رقصات الظل، قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس، لحناً سمعناه لثوان من الدغل، ثم هززنا رؤوسنا وقلنا إننا توهمناه، وداعاً أيها الغريب، لكن كل شيء ينتهي!».
هذه الكلمات تصلح في وداعه ايضاً!