صلاح الحمداني... عن منفى بحجم السراب


حسين السكاف
أوراق المنفى العراقي، وما حملته من أحلام ورؤى عن مستقبل زاهر، سقطت كلّها هشَّة كأوراق الخريف. أقرّت بـ«أوهامها» أمام فجاجة الواقع... تناثرت لتغطي أرض مخيلةٍ لم تكن سوى صحراء؟ صحراء كان أجمل ما فيها سرابها. رجل واحد، شجاع ومحبط، قرّر كنس صحراء الوهم، ولملمة أوراق منفاه. في ديوانه «كنّاس الصحراء» الصادر حديثاً بالفرنسية عن دار Bruno Doucey الباريسية، يعترف صلاح الحمداني (1951) بخيبته. الشاعر والفنان المسرحي العراقي ينقل رؤية شاعر ابتسم يوماً لسقوط جلاده... لكنه رأى حلمه الجميل يتحوّل إلى مسرحيّة أبطالها هم أنفسهم «أبطال» الأمس. رجال تحولوا إلى مقامرين يلعبون بنردٍ من عظام الشهداء... «مِثل أمّة فقدت إنسانيتها/ جفّ المطر في المزاريب/ والحقل هجرته الغيوم/ لا سمك في السّاقية/ لا طير في الأعالي/ والصّباحات حملها القتلة مع جثث الأطفال في العربات».
الشاعر العراقي المقيم في فرنسا منذ السبعينيات، كتب الشعر في السجن، إذ بدأ حياته في العشرين معتقلاً سياسياً واستمرّت ملاحقته حتّى في المنفى. في فرنسا، أنجز نصوصاً مسرحيّة وشعريّة، واشتغل على خشبات باريس، وفي مسرح الشارع، وشارك في أعمال سينمائية عديدة، كان آخرها «بغداد ـــــ باريس، سيرة شاعر»، وهو وثائقي يروي سيرته من إخراج الفرنسية إيمانويل لاغرانج. العمل الذي يتضمن مقابلة مع الحمداني، يعود بنا إلى سنوات اعتقاله، وملاحقته خارج العراق، وعودته لزيارة بلاده بعد أكثر من ثلاثة عقود. باكورته الشعريّة «الوعيد بالإلحاد» صدرت عام 1987، وصولاً إلى «بغداد سماء مفتوحة» (2006). نال كتابه «بغداد حبيبتي» (مختارات من نصوصه الشعرية والنثريّة) شهرة واسعة، وتُرجم من الفرنسية إلى الإنكليزية، ليصدر عام 2008 في الولايات المتحدة.
أمّا ديوانه الأخير «كنّاس الصحراء» فينقسم إلى قسمين، الأول جاء بعنوان «أوهام الحضور» وهو مجموعة قصائد كتبها الشاعر باللغة العربية وترجمت إلى الفرنسية. أما الثاني «منفى الجحيم» فيضمّ القصائد المكتوبة أصلاً باللغة الفرنسية... قصائد القسم الأول كتبت بعد احتلال العراق وسقوط نظام صدام حسين، وفيها يلمس القارئ مرارة الخيبة التي مُنيت بها أحلام المنافي. تحكي القصائد ضياع الأمل وتفتّت الأمنيات وغياب الشعور بقدسية وطن ظل عامراً في المخيلة رغم تباعد المنافي. كل هذا تعرّى أمام الأحداث التي عصفت بالعراق، وأسقطت ورقة التوت عن شخصيات كثيرة كانت تتشدق بنضالها وصلابة موقفها في وجه الجلّاد، لكنّها سرعان ما جلست على كراسيها، وتحولت إلى جلادٍ صغير... «يتأرجح السّراب هناك،/ ثمّ يبتلع ذاته/ وحدها روحي تجلد وجعَاً،/ وتتغرب عن المكان».


بدأ حياته معتقلاً سياسياً وفي السجن صار شاعراً
الحضور الذي ترسمه قصائد الحمداني، هو الوجود واليوميات التي كانت تطوى بهالة الأمل في العودة. أمل بات سراباً، حين فتّت الواقع أيام المنفى وشكّلها حبيبات رمل شيدت صحراء متناهية الأطراف داخل الروح الحالمة. «حتى رفاقنا السابقون الذين طالما حملوا همّنا ومثّلوا حضورنا في العراق الجديد أصبحوا في الحقيقة، مجرد أوهام»، يقول الحمداني.
قصائد الجزء الثاني «منفى الجحيم» لا تذهب برسائلها وهمومها بعيداً عن الجزء الأول، لكنها كُتبت في محاولة من الشاعر لتلمّس حدود منفاه. إنّه «منفى بحجم السراب»، حقيقة تبوح بها قصائد تعلن على الملأ أنّ المنفى العراقي تحوّل بشجاعة حفنة من أبنائه إلى أكذوبة تافهة. «حنين تعفن في كتابات/ منفيين صدئين/ وقبائل سماؤها من الصّفيح/ حينما رأت النور مسخت!» ترى «هل هناك مرارة أكبر من هذه؟» يسأل الشاعر الذي قرر كنس صحراء الروح بمكنسة صنعتها سنوات المنفى الطويلة. وعلى الغلاف الأخير نقرأ: «قادماً من جزر بلا سماء/ يحيطها الرّمل/ خطى وآثار متحاربين وقوارب تغرق». ديوان «كنّاس الصحراء» يعترف للعلن بمرارة الهزيمة، هزيمة الإنسان الذي عاش أكثر من نصف عمره أسير المنافي.