بعد روايتها الأولى «منامات»، تعود القاصّة والروائية العمانية الشابة لتغرف من تقاليد البدو في «سيدات القمر» (الآداب)، وتحكي عن حب تتنازعه غواية الأساطير الشعبيّة، وصراع الامتلاك والحريّة. قصّة عزان ونجيّة، امرأة القمر التي تقدّم له نفسها في إحدى الليالي، قرأها لنا الأديب السوري المعروف


ياسين رفاعية *
«سيدات القمر» (دار الآداب)، رواية جاءتنا هذه المرة من سلطنة عُمان، لنكتشف فيها كاتبة عنيدة، إن صح التعبير. تقدم لنا جوخة الحارثي حياة جوّانية لنساء مضطهدات، غاويات، ساحرات. تحمل في سردها مآسي وقصص حب وحكايات، وتقاليد أقسى ما فيها أن تلد المرأة جنينها وهي واقفة شاّدة يديها إلى أعلى، ممنوعة من الصراخ.
الولادة عار إلى أن يتبيّن الخيط الأسود من الخيط الأبيض.
في رواية الحارثي الثانية بعد «منامات» («المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ـــــ 2004)، يتداخل السرد بين الماضي ـــــ أوائل القرن العشرين ـــــ والحاضر. بين السفر على البغال، والسفر بأحدث أنواع السيارات، يبقى حلم المرأة الأكبر الزواج. منذ الـ16 يحبلن، وينجبن، ويصبحن في الثلاثين، جدّات. حياة قاسية في البدايات: الثورة ضد الإنكليز، وتهريب السلاح، والتجارات المحرّمة. ومن خلال كلّ هذا، تمرِّر الكاتبة قصّة حب فيها كل التحدّي، ترتوي من الأمثال الشعبية بكثرة: «المحبوب محبوب، جاء ضحى، وجاء غروب، والرامد رامد، جاء حاش وسامد». أي المحبوب محبوب، مهما كان الوقت الذي يجيء فيه.
خلفية الرواية هي عادات وتقاليد البدو في عُمان، التي تشبه عادات البدو في الصحارى العربية كلها. «ظل البدو، على الرغم من استقرارهم الظاهري (...)، محتفظين بزيّهم التقليدي، وطباعهم الحرة، وبالحدود العارمة التي تفصلهم عن الحضر». أمّا قصّتها فمأساة عزان الذي فقد ولديه، لتنقذه مفاجأة غير متوقعة، لم تكن لتخطر على بال. وهو داخل إلى بيته، بعد حضور رقصة الزار الطقوسية، لمح ظلاماً، ومنه خرج عليه صوت أنثوي. كانت امرأة فارعة الطول، وقفت قبالته، ونزعت برقعها عن وجهها. حين هدأ روعه، سألها: «من أنتِ وماذا تريدين؟» نظرت المرأة مباشرة في عينيه. أربكه جمالها المصمّم، وبريق عينيها الواسعتين. أربكته رائحتها، وقربها المبرِّح منه. لكنّ كلامها أفقده السيطرة: «أنا نجيّة، وألقّب بالقمر، وأريدك أنت...».
ستظلّ عبارتها تطنّ في رأسه أعواماً كثيرة: «أنا نجيّة، وأُلقّب بالقمر، وأُريدك أنت...».
لم يعرف عزان نساءً كثيرات في حياته، ولم يعرف بكلّ تأكيد امرأةً، على هذا القدر من الجرأة، تُلقَّب بالقمر. وهذه الجرأة لم تكن مألوفة في العوافي (بلدة في سلطنة عمان). كأنها في مدينة أوروبية، تقول له: «أُريدك أنت» من دون التفكير في الارتباط أو الزواج. تريدها علاقة حرةً تماماً. يلتقيان في السر، ويمارسان كل أنواع الحب من دون مساءلة. هذا ما أراده كلاهما: الحرية في العلاقة. ولوهلة، ظنّا أنهما بلغا الكمال في حرية الشغف الخالصة. لا تصنُّع، ولا مداراة، ولا كذب. لا وعود، ولا آمال. اشتعال اللحظة وحسب، لا قيود من المستقبل. هذا ما أراده كلاهما وسعى إليه: رجل حر، وامرأة حرة، وعلاقة حرة. لكن بعد أسابيع، يكتشف عزان أنّ هذا الحب الحر سقط في أعنف أشكال العبودية، وأنّ هذه الحاجة الملحة إلى الآخر باتت تقيّد كلاً منهما بأعتى القيود، وتشغله عن كل شيء عداها.
عرف أن الدورة اللانهائية من الاتصال والانفصال بينهما حلقة محكمة يدوران فيها عبدين مقيّدين. كانت حاجته إليها عميقة وعنيفة ومبهمة.
وكان لقاؤهما يزيدها عنفاً وغموضاً، وينادي أقاصي ما فيه من رغبات. فإذا بعزان يصرّح: «لا حرية في الحب».
لكن من هنّ سيدات القمر؟ تقول الأسطورة إنّ الله خلق الناس يمشون على أربع، ثم شطرهما نصفين، فأصبح كل نصف يبحث عن نصفه الآخر.

الصحراء العُمانية من صيد اللؤلؤ إلى ظهور النفط إلى التجارة بالرقّ
في الرواية، نقرأ المناجاة الآتية: «ألم تعرفي الحب يا ميّا؟ ألم تشعري بي وأنا أطوف حول بيتكم كما يطوف الحاج حول كعبته؟ كيف يتسع البيت لكل ذلك العشق؟ كيف تتحمل الشرفة الوحيدة وقوفي الوحيد، بأكداس العشق الثقيلة عليها، من دون أن تتهدم، وتتساقط على تراب الشارع، أو تطير في سماء الله؟ (...) كلّ شيء ظلّ في مكانه، رغم أنّي لست في أي مكان. لم تتكسر النوافذ، رغم أجنحتي الذي انفردت على زجاجها من أول نافذة البيت، حتى آخر نقطة في الأفق. البيت اتسع لي، اتسع لصرخة العشق الناهشة تجول أصداؤها فيّ. فكيف يا ميّا لم تر عيناك المطبقتان على ماكينة الخياطة، براحي، وسجني لامس أعماقها؟» يقول النص شيئاً ما عن الأرواح الكروية المنشطرة المنفصلة التي تعود لتلتقي من جديد.
من هنا نعود إلى المحرم عزان ونجيّة امرأة القمر. قال عزان لها إنّ «الشعراء الذين تغنّوا بلذة الامتلاك لم يكونوا عشاقاً بل قناصين. ابتسمت نجيّة بسخرية خفيفة، قناصون؟ قال عزان بثقة: نعم قناصون، العاشق يا نجيّة لا يمتلك المعشوق، مهما اتحد معه وتلذّذ به. المعشوق يا نجيّة كائن مثلك، كائن لا يُمتلك.
لكنّ الضجر بدا على وجه نجيّة التي لم تعرف في حياتها كيف تخفي مشاعرها. تضايقت خاصة لأن عزان يفسد لقاءاتهما الحميمة بمثل هذا الكلام. لماذا يتحدث عن الامتلاك؟ هو الذي عنده أسرة وأولاد، وهي لم تطالبه بشيء. هي سعيدة هكذا، ولا تفكر في الامتلاك والقنص. هي رغبت في أن تكون حبيبته، فكانت، ولا تريد شيئاً آخر. فلماذا يبدو معذباً بأشياء غامضة لا تفهمها؟».
تستعيد الرواية أيضاً الماضي البعيد، وكيف تطوّرت الحياة في الصحراء العُمانية، من صيد اللؤلؤ إلى ظهور النفط، إلى التجارة بالرقّ. وكيف كان التجار يخطفون الشبان من بيوتهم، ويبيعونهم أرقّاء للأسر الغنية والأجانب. وتدخل الرواية في التقاليد القديمة، وخصوصاً رقصة الزار، وهذا تقليد منتشر في أكثر البلدان العربية، وخاصة مصر وسوريا.
وترتكز الرواية مجدداً على الأسطورة التي يؤمن بها ناس عُمان: «كان الناس جنساً واحداً: ذكراً وأنثى في الوقت نفسه وهم أبناء القمر. لكلّ إنسان أربع أيدٍ، وأربع أرجل، ورأسان... لكنّ الآلهة خافت من نفوذ هؤلاء الناس، فشطرتهم شطرين، وبقي مكان السّرة في البطن تذكيراً لهم بهذا الانفصال. وهكذا أصبح الناس جنسين، ويبحث كل شطر عن شطره الضائع ليتحدّ به من جديد. وهذا يفسّر المقولة الشهيرة: المرأة مخلوقة من ضلع الرجل».
في روايتها «سيّدات القمر»، تتناول جوخة الحارثي الحياة الجوانية المجهولة لهذا الجزء من العالم العربي. لكنّ الأحداث تفلت أحياناً من يد الكاتبة، فيشعر القارئ بعدم الراحة، ويضطر إلى إعادة القراءة من جديد.
وهذا الضعف يظهر في الكثير من الروايات العربية، ما يجعلها في بعض الأحيان مفككة. هذه الرواية التي تأتينا من عُمان مفاجأة جديدة تعزز حضور المرأة العربية التي تهيمن على الساحة الروائية، وهذا ما يبشِّر بالخير.
(*) أديب وناقد سوري