عندما تنبّهت شركة «فوكسكون» العملاقة لتصنيع الهواتف المحمولة إلى أن عمّالها في الصين ينتحرون بسبب ضغط العمل (18 محاولة انتحار عام 2010)... قامت بمدّ شِباك تحت شرفات غرفهم! تقول هذه الحادثة الكثير عن العصر الحديث و«نظامه المشغّل» وعمّا آلت إليه علاقة العمّال بعملهم وطريقة تعريف المجتمعات للعمل والعامل. حادثة «فوكسكون» ليست الوحيدة بل عيّنة عما يحدث ويتكرر في أماكن العمل منذ فترة طويلة.

زمن العبودية لم ينتهِ، عكس ما يُروّج له «العالم الحرّ». الاستعباد، وفق الوقائع والأرقام، ما زال هنا، والعمّال، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي، يموتون بسبب أعمالهم وأثناء تأديتهم لها! أوضاع لا إنسانية ترافق مراحل الإنتاج كافة: ضغوط جسدية تسبب اضطرابات في الدورة الدموية، أمراض سرطانية، قلق مزمن واكتئاب، ظلم في الأجور، عنف وتحرّش وتمييز عنصري وجندري… لا شيء في واقع العمل اليوم يدلّ على أن المجتمعات الحديثة حققت أيّ تقدّم إنساني في تحصيل الحقوق وحماية العمّال. كلّ ما انتزعته النقابات والأحزاب من مكتسبات للعمّال عبر التاريخ يُنسف كل يوم.
7500 عامل يموتون يومياً بسبب العمل الذي يؤدّونه، رقم مفجعٌ يمرّ وسط صمت نقابي وتجاهل عام، علماً أنه لا يحصي سوى الحالات المسجَّلة، أي إن عدد الضحايا الفعليّ هو أكبر بكثير والكارثة أضخم مما تصوّره بعض المنظمات الحقوقية والنقابات العمالية. كارثة بدأت منذ أن أرسى النظام الرأسمالي مفهوماً جديداً للعمل لا يرى فيه سوى عملية ربحية ضيّقة في سوق تنافسية كبيرة.

بالأرقام

2,78
مليون وفاة في حوادث عمل سنوياً حول العالم من ضمنها 2,4 مليون وفاة بسبب أمراض مرتبطة بالعمل و380,500 ألف وفاة في حوادث مباشرة
3/2
من وفيات حوادث العمل في العالم تتركز في آسيا


المنافسة المفتوحة لا ترى في العمّال سوى «كلفة» يجب تخفيضها إلى حدّها الأدنى. كيف؟ تقليص عدد العمّال على حساب زيادة دوام العمل، ضغوطات في الإنتاج تتحكّم بها حاجات السوق المتزايدة لا القوانين العمّالية ولا حتى المنطق، إهمال حقوق العمّال الأساسية مثل الحدّ الأقصى لساعات العمل والحد الأدنى للأجور، ظروف العمل الصحية، أيام العطل المستحقّة، إجازات الأمومة، الإجازات المرضية، الضمان الصحي، التعويضات… يعمل ملايين العمّال حول العالم اليوم بأدنى من حقوقهم القانونية وبظروف غير مؤاتية لتأدية أي مهام إنتاجية، تلك الظروف التي تتسبّب، في النهاية، بقتلهم.
تتهدّم المصانع على رؤوس العاملين فيها، فلا تعوّض الشركات المشغّلة (شركات ضخمة تحقق أرباحاً سنوية بالمليارات) كما يجب على أهل الضحايا أو على المصابين، ولا تغيّر حتى من نمط استعبادها للناجين أو تحسّن من ظروف عملهم، كما حصل ويحصل في مصانع بنغلاديش ومثيلاتها. غرف مكتظة لا تستوفي أيّاً من الشروط الصحية للعمل، ساعات طويلة من العمل المتواصل، احتكاك مباشر مع مواد سامّة من دون إجراءات وقائية، ضغوط لتسليم السلع في الوقت المحدد… بيئة العمل هي نفسها في معظم مصانع البلدان الفقيرة التي تشرف عليها شركات ضخمة.


يرى البعض أن المشكلة تعود في الأساس إلى أنه، منذ أواخر الثمانينيات، بدأ الاقتصاد الرأسمالي يضع معايير جديدة للعمل لا تراعي سوى هدف مراكمة الأرباح والفوز في السباق التنافسي. نقلت الشركات الكبرى مصانعها إلى بلدان فقيرة، أجور اليد العاملة فيها متدنية ومراقبة تطبيق قوانين العمل شبه غائبة، البيئة الأمثل لتستعرض فيها الشركات الكبرى عضلاتها غير آبهة بالأثمان البشرية.
ومن المعايير الجديدة التي وضعها النظام الرأسمالي أيضاً أنه لم يعد مطلوباً من المدير المسؤول المعيّن أن يكون ملمّاً بتفاصيل العمل ومراحل الإنتاج وكيفية التنفيذ، بل بات عليه فقط أن يطبّق خطّة مؤلفة من شروط وأرقام لتحقيق الربح السنوي المطلوب وزيادته. خطّة المدراء الجدد لا تلحظ، طبعاً، أيّ جانب واقعي ـ إنساني يتعلق بمدى قدرة العمّال على تحقيق الرقم المطلوب. يذكر بعض العمّال في شهاداتهم العلنية القليلة بأنه خلال فترة الذروة، أي قبيل الموعد المحدد لإنهاء كمية ضخمة من السلع (تحدّده السوق التنافسية أيضاً) يُطلب من العمّال زيادة إنتاجهم بطريقة لا تسمح حتى بالنوم لأيام متواصلة!


«يصبح العامل أكثر فقراً كلّما أنتج ثروة أكثر، كلّما زاد إنتاجه قوّة واتساعاً. يصبح العامل حتى سلعة أرخص كلّما زاد ما ينتجه من السلع. إن انخفاض قيمة العالم الإنساني تزداد في تناسب مباشر مع زيادة عالم الأشياء»، ترى الماركسية.
الموت لا يصيب فقط عمّال المصانع في الدول النامية أو الدول الصناعية الكبرى بل يمكن أن يرى كل عامل/ موظف نفسه ضحيةً للعمل المفروض عليه وفق المعايير التي وضعتها الرأسمالية. عمّال «المكاتب» أيضاً غير مستثنين من الأمراض المهنية (الجسدية والنفسية) وإهدار حقوقهم وإجبارهم على تأدية أعمالهم في جوّ ضاغط يلاحقهم حتى إلى منازلهم بعد انتهاء الدوام وإلى «عطلهم» في معظم الأحيان. حتى الشركات الكبرى ذات المباني النظيفة التي لا تتهدم على رؤوس عمّالها، لا تراعي شروط العمل السليمة إذ إن من يتحكّم بوتيرة العمل وظروف العمّال ليس المدير ولا حتى صاحب الشركة بل حاجة مفتوحة في الأسواق لإنتاج المزيد في وقت قصير وبتكلفة أقلّ.

اضطرابات العمل النفسية
إلى الأمراض الجسدية القاتلة (أمراض الدورة الدموية والأمراض السرطانية، أمراض الجهاز التنفسي…) تضاف الأمراض النفسية التي تسببها ضغوط العمل المتزايدة، قلق مزمن وتوتّر واكتئاب يؤدي إلى الانتحار في معظم الأحيان. لكن العالم ما زال يجهل نسبة الإصابات بتلك الأمراض ومدى تأثيرها الفعلي، لأن العمّال، في أغلب الأحيان يجهلون أن سبب اضطراباتهم النفسية هو عملهم، يساعد على ذلك عدم اعتراف أصحاب العمل وشركات التأمين والضمان بكون تلك الاضطرابات النفسية «أمراضاً» في الأساس. أضف إلى ذلك عدم تقديم الموظفين شكاوى حول عللهم النفسية وتسجيلها لدى المسؤولين في مكان عملهم لأسباب كثيرة تتعلّق بعدم الدراية الكافية لحالاتهم، والخجل والخوف.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره



العنف الجندري
شكل آخر من أشكال ظروف العمل المأساوية هو العنف الجسدي والنفسي الذي يتعرّض له العمّال في مكان عملهم. النساء يتعرّضن بشكل أكبر من الرجال وباستمرار وفي كلّ بقاع الأرض للتحرّش اللفظي والجسدي والجنسي كما تشير الأرقام. علماً أن التبليغ عن التحرش ليس مألوفاً بعد والأرقام الواردة في التقارير الرسمية هي أقلّ بكثير مما يحصل على أرض الواقع.
تعريفاً: «العنف الجندري هو أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء كان من الناحية النفسية أو الجسدية أو الجنسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل، أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء كان ذلك في الحياة الخاصة أو العامة» (إعلان الأمم المتحدة، 1993).
المشكلة تبقى في غياب القوانين الواضحة الملزمة في هذا الشأن، والاكتفاء باعتماد عدد قليل نسبياً من المؤسسات قواعد وشرعات عمل أخلاقية خاصة بها تحدّد كيفية التصرف تجاه حالات التحرّش والعنف في مكان العمل.