«أول التجديد هو قتل القديم بحثاً» بعبارة للشيخ أمين الخولي، يدخل الصحافي والكاتب المصري محمد شعير إلى الحديث عن كتابه الجديد «نجيب محفوظ – البدايات والنهايات» (دار الشروق- القاهرة). بالنسبة إليه، كانت رحلة البحث عن نجيب محفوظ (1911 ـــ 2006)، رحلة في تحولات مدينة مثل القاهرة، وصاحب «الحرافيش» وسيلة باعتباره راوي مصر الحديثة. بالنسبة إليه، كان صاحب «أولاد حارتنا» شاهداً ــ على مدى قرن من الزمن ــ على سلاطين وملوك، ورؤساء وثورات وهزائم. خلال عمله على الكتاب، اكتشف حياة محفوظ مثل جبل الثلج العائم، ما يظهر منه هو قمته فقط. تأريخ ثقافي يحاول محمد شعير كتابته عن القاهرة، مكتملاً بمشاريع أخرى أنجزها مثل «رسائل عبد الحكيم قاسم» و«مذكرات الآنسة أم كلثوم» و«أولاد حارتنا – سيرة الرواية المحرمة»، إلى جانب مشاريع أخرى ينكبّ عليها أبرزها موقع الفنانات الذي همِّش ضمن الحركة السريالية المصرية، أو رحلة الشاعرة الألماني ريلكة إلى مصر أو رسائل أروى صالح... كلها مشاريع تستقطع جزءاً من التاريخ الثقافي المكوّن للقاهرة، من خلال حدث صغير ينفذ منه شعير من الخاص إلى العام، ومن الأدبي إلى السياسي والاجتماعي


لماذا جنحت نحو دور المؤرخ الثقافي، غير المعروف في أدبياتنا العربية الحديثة؟
ـــ لا أحبّ التصنيفات، أكتب مستفيداً من كل التجارب السابقة، أستفيد من تقنيات الصحافة، تحديداً في البحث عن المعلومة الجديدة واستقصائها لتأكيدها أو نفيها. هناك تأثر بالسينما التسجيلية الوثائقية، وتحديداً إيقاعها السريع ومشاهدها المتتالية، حيث يكشف كل مشهد جزءاً من الصورة، أو حتى يعارضها ويناقضها، لكي يحتفظ المشاهد/ القارئ بانتباهه الدائم. أستفيد كذلك من النقد ولكنني أحاول أن أبتعد عن المصطلحات الجافة في محاولة للوصول إلى متلقِّ أوسع مما يقصده الأكاديميون. وفي الوقت ذاته أستفيد مما يتيحه السرد الروائي من إمكانات فنية وأصوات متعددة. السرد، أصبح مهماً ليس فقط فى الأعمال الفنية والإبداعية، وإنما امتدّ ليشمل كل المجالات تقريباً. هناك أطباء نفسيون يعالجون مرضاهم بالسرد. سياسيون يستخدمونه فى النقاشات السياسية لجذب أنصار. رجال دين أيضاً يستخدمون السرد لإيصال أفكارهم، وإعلاميون يجدون في الحكاية قوةً. وفي كل ذلك، أحاول الوصول إلى صيغة مثلى، تجمع بين العمق من ناحية والسلاسة من ناحية أخرى. كنت أحاول أن أسعى إلى البساطة التي طالبنا بها المبدع الكبير يحيى حقي بهدف ألا يسمع القارئ صرير القلم، وفي الوقت ذاته كل كلمة فيه تستند إلى مصدر أو مرجع، كنت أحاول أن أنقّي العمل من صيغ أفضل التفضيل أو أحكام القيمة ومن مصطلحات النقد الصارمة، حتى أترك للقارئ مساحة لكي يسأل ويتخيل، يقارن، يحكم بنفسه، يكون رأيه المستقل، لا أسعى لفرض وصاية عليه، ولا أطلب منه أن يؤمن بما أراه. أترك له مساحة لكي يجيب بنفسه. كتابي عن محفوظ محاولة للسؤال أكثر من محاولة تقديم إجابات. وأتمنى أن أكون قد نجحت في ذلك، واستطعت أن أشرك القارئ معي في متعة المعرفة والكشف.

كيف جاءتك فكرة مشروعك عن نجيب محفوظ؟ لماذا كرّست جزءاً كبيراً من مشروعك على مدى سنوات لمحفوظ بالذات، بعيداً عن كونه صاحب «نوبل» العربية الوحيدة؟
ــــ في عام 2011، كانت مناسبة الاحتفال بمئة عام على ميلاد محفوظ. وقتها كنت أتخيّل أن محفوظ قُتل بحثاً. مئات الكتب صدرت عنه، وعشرات الآلاف من الدراسات النقدية، وآلاف من ملفات الصحف التي نبشت كل شيء في حياته. وبالتالي، لا يمكن أن نقدم جديداً عنه. كان تصوري ساذجاً، أو هكذا اكتشفت عندما بدأت في كتابة موضوع صحافي عنه، واخترت هروباً من كل ما يقال بأن أكتب عن مصر يوم مولده، كيف كانت. جذبني وقتها الموضوع، وتحولات مدينة مثل القاهرة وتحولات البشر والناس، هكذا اخترت أن يكون مشروعي عن الحداثة المجهضة، وكان محفوظ مجرد وسيلة باعتباره راوي مصر الحديثة، وأيضاً لأن حياته قاربت قرناً، شهد سلاطين وملوكاً، ورؤساء وثورات وهزائم. اكتشفت أثناء العمل أنّ محفوظ مثل جبل الثلج العائم ما يظهر منه قمته، أما إبداعه فأظن أن النقاد ركزوا على الروايات الشهيرة، ولكن تظل هناك أعمال، خاصة فى مرحلة الثمانينيات والتسعينيات، لم يُلق عليها الضوء الكافي نقدياً. أما حياتياً، فقد حرص نجيب محفوظ أن يتخفّى، أن تصبح حياته أشبه باللغز. هو مولع بالتخفي، وليس كتاباً مفتوحاً. يقول دائماً إنّه موجود داخل نصه، وعلينا الاكتفاء بالنص، ولكن أنا أبحث عن محفوظ خارج النص. تأثري ما هو خارج النص على النص ذاته. ما قمت به هو مجرد محاولة، ربما تلقي بعض الضوء، ربما تكشف قليلاً من حياته وإبداعه. وأيضاً تلقي الضوء على تحولات المجتمع، ربما تحمل سؤالاً خفياً: ما الذي جرى في مصر عبر قرن من الزمن؟

احكِ لنا بالتفصيل رحلتك في البحث عن أرشيف نجيب محفوظ؟ ما هو شكل أرشيفه، وما الذي قد يختلف عن أرشيف أي كاتب آخر؟
ـــ ربما مفارقة أن أرشيف محفوظ هو الأفقر مقارنة بكتّاب آخرين اطلعت على أرشيفاتهم الخاصة، وربما كانت هذه الندرة هي سرّ أهمية هذه الأوراق، ليس لأن محفوظ حصل على «نوبل» العربية الوحيدة حتى الآن، ولكن لندرة أوراقه الخاصة، فقد كان يمزق أولاً بأول كل ما تبقى لديه من أوراق. كان يقول عن نفسه: «أنا ملك التمزيق». قال فى إحدى جلسات «الحرافيش» إنّه كان يجمع في فترة من الفترات كل ما يكتب عنه أولًا بأول.‮ ‬بعد حين كان يرجع إلى ما جمعه يقلّب فيه،‮ ‬فيجده مكرراً بشكل أو بآخر،‮ ‬فأصبح يمزق كل ما يأتيه أولاً بأول خشية أن يمتلئ البيت بالأوراق المعادة،‮ ‬ثم راح يمزق الباقي تدريجاً بعدما عجز عن ترتيبه‮. وعندما حصل على «نوبل»، بدأ سؤال الآخرين عن أرشيفه ومسوداته، وكان يقول: «مكنتش أعرف أني سأكون مهماً، لذا لم أحتفظ بشيء».‬‬‬‬‬ لم يحتفظ محفوظ بمخطوطات رواياته،‮ ‬ولهذا السبب،‮ ‬لم نتعرف أبداً إلى النص الأصلي لروايتَيه‮ «‬الكرنك» ‬و«الحب تحت المطر‮»‬،‮ ‬بعد نشرهما ناقصتين. ولكن رغم حرص محفوظ على التمزيق، أتاحت لنا المصادفة إنقاذ بعض مخطوطاته وأوراقه الشخصية.
زوجته الراحلة أنقذت بعض مسوداته من سلة الزبالة، كما أن أعماله الأولى تركها في بيت الأسرة القديم، وخرجت من مصر. هذا ما أوضحته في كتابي بالتفصيل. ثمّة أوراق أو صور من بعض أعماله لدى أصدقاء له، أو في الصحف، كنت أسعى للملمة هذا الأرشيف القليل من أماكن مختلفة، ووصلت إلى السيدة الأميركية التي قامت بشراء أوراق محفوظ، لمصلحة مكتبة للكتب النادرة في نيويورك، وقد منحتني المكتبة صورة ضوئية من هذا الكنز الكبير. وبمساعدة أصدقاء عديدين، استطعت الحصول على بعض الأوراق الأخرى. كما أنّني حددت آخرين أسعى لديهم للحصول على صور من أوراق تخص محفوظ، سواء أوراقه السينمائية، والسيناريوهات التي كتبها للسينما، أو مخطوطات روايات له... هل سأنجح؟ ربما.‬‬‬‬‬‬

برأيك، لماذا لم يهتم العرب بفكرة التأريخ الثقافي والتنقيب حول كاتب معين، وهل هذا له علاقة بفكرة تقديس الرموز؟
ــ بالعكس، أظن أن عدم الاهتمام بالتنقيب عن كاتب معين مرتبط لدى كثيرين بالرغبة في قتل الآباء، أو الرموز كما تسمّيهم. من يكتب عن نجيب محفوظ أو يحيى حقي – في نظر بعض الأغبياء غير المتحققين ــ سيكون أصولياً، أو سلفياً. عند هؤلاء، ترتبط الكتابة بالأحياء فقط، بل بهم وليس كل الأحياء. في الغرب، هناك مؤسسات ضخمة تحمل أسماء أدباء رحلوا، هذه المؤسسات هي مراكز بحثية مهمتها إنتاج معرفة حقيقية بهؤلاء. عدد الكتب التي تصدر سنوياً في أميركا عن هيمنغواي أو هيرمان ملفيل ضخم، ومهول. الأمر كذلك بالنسبة إلى ما ينتج عن شكسبير في إنكلترا. في العالم العربي، لا مراكز بحثية لإنتاج معرفة عن أديب معين، و لا يتوافر أرشيفه. وإذا توافر، فإنّ هناك مئات الصعوبات التي تحول دون الاطلاع عليه. ما حصلت عليه من أوراق لنجيب محفوظ لو كان موجوداً في مصر، ما كان لي أن أطلع عليه إلا وفق شروط معينة صعبة، وموافقات قد تستغرق سنوات وسنوات. ما ساعدني في إنجاز عملي أن ما نجا من أوراق محفوظ كان في الخارج. كنت أتمنى أن يكون متحف نجيب محفوظ أو طه حسين أو أم كلثوم مؤسسات لإنتاج معرفة تتعلق بالرواية والفكر والموسيقي العربية وتاريخها، وعلى الأقل أن تتوافر داخل هذه المتاحف الأرشيفات الخاصة بهؤلاء الرموز، على الأقل أرشيفهم الصحافي. لكن للأسف تحولت المتاحف إلى صالات عرض «أنتيكات». ربما تصلح عبارة الشيخ أمين الخولي أن «أول التجديد هو قتل القديم بحثاً». إجابة للسؤال، نعم ما زلنا في حاجة إلى دراسة الماضي، لا بهدف البكاء عليه، أو الحنين، لكن لفهم الحاضر، وتجنب ما يمكن أن نسميه الزمن الدائري، حيث تبدأ السير في طريق وتتصور أن تسير إلى الأمام، ولكنك تعود إلى النقطة ذاتها التي بدأت منها كل مرة.

من الصعب أن يصبح محفوظ تراثاً، فهو الذي وضع الرواية العربية كتفاً بكتف مع الرواية الغربية المعاصرة


ما هو المنهج الذي تتبعه في مشروعك؟
ــ في تقديري أعمل على اللامنهج، وهو بحدّ ذاته منهج، وإذا أردنا مصطلحاً نقدياً، فالأقرب إلى ذلك مصطلح «منهج القراءة التعددية» الذي طرحه الناقد الفرنسي رولان بارت، واستخدمه عربياً ببراعة عبد الفتاح كيليطو. في القراءة التعددية، تتعدد الأدوات المستخدمة في التحليل، وتستفيد من كل المناهج. عندما أمسكت بيدي مسودات رواية «ميرامار» كما كتبها نجيب محفوظ في صورتها الأولى، ثم أعاد كتابتها في صورة ثانية، ثم نشرها في صيغة ثالثة، بدأت العمل على التغيّرات التي حدثت في النص منذ المسودة الأولى. حاولت تقديم تفسير لأسباب هذه التغيرات. لاحقاً، عندما بدأت قراءة عدد من الأعمال النقدية التي صدرت في الغرب عن مسودات الأدباء، وجدت أن هذا منهج نقدي يسمى «النقد التكويني» أو genetic criticism. بدأت العمل وفق المنهج، ولكن لم يختلف شيء عما كنت قد بدأت فيه بالفعل. في «سيرة الرواية المحرمة»، تعاملت مع النص وفق مدرسة «التاريخ الجزئي»، وربما كان أشهر نماذجها كتاب «الجبن والدود» للمؤرخ والناقد الإيطالي كارلو غينسبورج، حيث الانطلاق من حدث صغير ذاتي عابر للحديث عن أحداث عامة، حيث الاهتمام بالسرد أيضاً، بما في ذلك سرد العقبات التي تواجهنا، ورحلة البحث ذاتها، وشكوكنا، وبالتالي الإيمان بأن ما نقدمه هو مجرد حقيقة ناقصة. كما استفدت في الكتاب أيضاً من نظريات الاستقبال. الأهم بالنسبة إليّ هو الإفادة من كل ما يمكن أن يخدم النص. لذا، أكتب بمنطق الرحلة، وكل رحلة تحمل مفاجآتها. لا تعنيني محطة الوصول بقدر متعة الطريق والرفاق، فما بالنا إن كان الرفيق هو نجيب محفوظ، وبشكل عام فأنا معتاد عند البدء في أي مشروع جديد على وضع أسئلتي والمضي وراءها وهي ذاتها الأسئلة التي قد تقودني إلى ما لم أخطط له في بداية الأمر. في أحيان كثيرة، يتخلّق المنهج أثناء الكتابة، لا قبلها.

لماذا اخترت فكرة «السيرة الذاتية» لسرد حياة محفوظ ومن خلاله سرد تاريخ ثقافي للقاهرة؟
ـــ كانت حياة محفوظ مجرد حيلة فنية للحديث عن تحولات المجتمع وسؤال الحداثة، بخاصة أن محفوظ عاش ما يقرب من قرن (1911-2006). أثناء العمل، استوقفني مشهدان في حياته، مشهد الولادة في حارة قاهرية فى بداية القرن العشرين. عندما تتعثر الولادة، تلجأ الأسرة إلى طبيب نسائي قبطي شاب لإنقاذ الأم والجنين، ليحمل الطفل الوليد اسم الطبيب. لاحقاً، اكتشفت أن هذه الرواية قد لا تكون حقيقية بالمرة. أما المشهد الثاني، فيدور في بداية القرن الحادي والعشرين، وتحديداً عام 2006 عندما وصل جثمان نجيب محفوظ إلى مسجد الحسين ليُصلى عليه. اقتحم شاب صغير صفوف المصلين، وصرخ فيهم «إه كافر لا تجوز الصلاة عليه». بين المشهدين، كان السؤال: ما الذي جرى في المجتمع؟ بدأت العمل منطلقاً من هذه الفكرة. لكن أثناء العمل، اكتشفت أن حياة محفوظ التي تبدو لنا كأنها قد استُهلكت، وعرفنا عنه كل شيء، لا تزال مجهولة، أو على الأقل ما يبدو منها هو قمة جبل الثلج العائم بينما بقية الحياة «غاطسة» أو مختفية. وفي كل مرة أبدأ فيها العمل وفق مخطط مسبق، كان منهج الكتاب يتغيّر، بناءً على معطيات جديدة وأوراق ووثائق ومفاجآت الرحلة.

حاولت من خلال كتابك إعطاءنا ملمحاً عن أذواق المصريين في القراءة في تلك الحقبة، هل ترى اختلافاً في الذائقة المصرية للقراءة، وما أهم شيء يميزها؟
ــ لم أفعل ذلك تحديداً، كنت أريد أن أرصد ما جرى في لحظة ميلاد محفوظ والتقاطعات معها في ما بعد. مثلًا عام 1911 أيضاً، تأسس «مجمع البحوث الإسلامية» الذي سيرتبط لاحقاً بمحفوظ سواء بمنع روايته «أولاد حارتنا» ومصادرتها، أو اهتمام الدولة والخديو بالفن الجديد: السينما. علاقة محفوظ بالسينما تحتاج إلى كتب كثيرة لتبيانها. ما الذى يقرأ المصريون في تلك الأيام؟ كان هناك أيضاً اهتمام بالرواية، ثم اهتمام بالرواية الشعبية المثيرة، التي عُرفت في ما بعد بـ «البيست سيللر» أي أنّ هذه الظاهرة ليست جديدة على الإطلاق. دائماً ما يتجاور الأدب الخفيف ذو المبيعات العالية، بالأدب «الراقي» إذا صحّ هذا التعبير.

باعتبارك صحافياً ثقافياً تتابع المشهد الأدبي في مصر الآن، كيف ترى الرواية المصرية؟ وهل هناك فعلاً رواية مصرية جديدة؟ وفي حال كانت موجودة، هل هذه الرواية ستجعل من محفوظ مجرد تراث صعب على أجيال أحدث؟ ومن ترشح من الكتاب المصريين للقارئ العربي؟
ـــ بحكم عملي الصحافي، ومشاركتي في تحكيم بعض المسابقات، أتيح لي أن أقرأ في العام الأخير حوالى 300 رواية صدرت في مصر، تكشف التنوع الشديد، والتفاوت الشديد أيضاً في قيمتها الفنية. كثير من هذه الروايات ينتمي إلى أدب الرعب، وبعضها متأثر بسينما الأكشن الأميركية. هذا النوع من الروايات يكاد يشكّل متناً رئيسياً في المشهد الثقافي المصري. توزيعاً، ربما تتجاوز نسبته 90%. صاحب التأثير الأكبر على أصحاب هذه الروايات هو أحمد خالد توفيق، الذي يطلق عليه كتّاب هذه الروايات «العرّاب»، وكثير من هذه الروايات هو الأعلى مبيعاً والأكثر انتشاراً وتوزيعاً. ربما ليست مبالغة القول بأن الرواية المصرية- الآن- هي ابنة أحمد خالد توفيق لا نجيب محفوظ.
لا ينبغي أن تثير هذه الظاهرة القلق، هي ليست جديدة، بل منذ أن ظهرت الرواية كانت هناك أعمال للتسلية، هي بمثابة جسور لمحبّي القراءة للانتقال إلى مراحل أخرى. نجيب محفوظ نفسه قادته إلى الكتابة أعمال لكتاب من هذا النوع مثل حافظ نجيب، أشهر محتال في التاريخ المصري، لكنه لم يتوقف كثيراً أمامه. تنقل بين الأساتذة ليصل إلى طه حسين وسلامة موسى، ثم كتّاب أجانب مثل توماس مان. كل ذلك في سبيل أن يجد صوته الخاص. لسنوات طويلة، كان محفوظ ابن الهامش الثقافي، وعلى هامش الحركة النقدية المصرية ولكنه لم يتأثر أو يتوقف عن الكتابة مصاباً بالإحباط مثلاً، وربما هذا هو الدرس الأكبر الذي يقدمه لنا محفوظ. من الصعب أن يصبح محفوظ تراثاً، ليس فقط لأنه المؤسس الحقيقي للرواية العربية. كل المحاولات التي سبقته كانت روايات تنويرية، أو مجرد محاولات تمهّد الأرض ليأتي محفوظ ويقود ثورة، بل ثورات على ذاته، فيتنقل بين المدارس الروائية (التاريخية، الواقعية، الرمزية....) لم يتوقف عن التجريب حتى أيامه الأخيرة. هذا ما ظهر في أصداء السيرة الذاتية التي هي أقرب إلى عمل شعري. ما فعله محفوظ أنّه اختصر من عمر الرواية العربية ما يقرب من قرن من الزمن. جيل الستينيات الذي جاء بعد محفوظ، وقف بفضل ما فعله محفوظ، كتفاً بكتف مع الرواية الغربية المعاصرة، ولا تزال هناك أسماء تحاول التجريب، والتحليق في عوالم جديدة، تصنع لنفسها موقعاً في المتن الرئيسي، مثل ياسر عبداللطيف، وأحمد شافعي، ويوسف رخا، ومنصورة عز الدين، وطارق إمام، وأحمد الفخراني، ونائل الطوخي، وياسر عبدالحافظ، وحسن عبدالموجود، وأحمد غريب وحاتم حافظ ومحمد خير و هيثم الورداني وآخرين. لا أظن- والله أعلم- أنّ أياً منهم ينكر دور محفوظ وتأثير تجربته العريضة عليهم، وإن بدأت تجاربهم معارضة لما قدمه محفوظ.


هل ترى فعلاً – كما يقال- أنّ الإنجاز المصري الأدبي الآن ليس شعراً أو رواية إنما في أجناس أخرى أقرب إلى الأنثروبولوجيا الأدبية؟ أو هل نستطيع أن نقول «انتهى زمن الرواية»؟
- الأجناس الأخرى التي تقصدينها، هي النصوص المفتوحة، أو ما يسمّى الـ non fiction. هو ليس جنساً جديداً، ما كتبه محمد المخزنجي في كتابه البديع «لحظات غرق جزيرة الحوت» عن كارثة انفجار مفاعل تشرنوبيل النووي، أو صلاح عيسى في كتابَيه عن «رجال ريا وسكينة» أو «مأساة مدام فهمي»، كيف يمكن أن نصنّف العديد من كتب صبري موسى عن رحلاته فى البحيرات والصحراء مثلاً؟ هذه الأجناس موجودة بجوار الرواية والشعر في كل الثقافات. لم يلغ أحدهما الآخر. إيمان مرسال كتبت «في أثر عنايات الزيات» ينتمي إلى non fiction... ولكنها أيضا أصدرت خمسة دواوين شعرية. ربما في هذه اللحظة، هناك اهتمام ما بهذا الجنس الأدبي، لأن مزاج اللحظة يجعلنا نحاول العودة الى الماضي لفحصه، من أجل فهم اللحظة التي نحياها أيضاً، وربما بحثاً عن أسئلة المستقبل.

هل لديك مشاريع أخرى تعمل عليها؟
- لديّ العديد من المشاريع المنجزة، ولكنني أتوقف أمامها كثيراً: هل تستحق أن تصدر في كتاب؟ هل ستضيف جديداً؟ ربما مع مرور الوقت أنساها، وأكتفي بنشرها كملفات صحافية. الكتاب لا يزال له مهابة، يظل يلاحقك ويطاردك إذا لم يكن في المستوى المنشود. ولكن بخلاف الجزء الثالث والأخير في ثلاثيتي عن نجيب محفوظ الذي سيصدر هذا العام بعنوان «المخطوطات المجهولة»، هناك كتاب عن السريالية المصرية. عندما بدأت العمل فيه، كنت أبحث عن الشخصيات المجهولة التي كان لها إسهام ما في الحركة التي لم تستمر طويلاً، حاولت تجنب الكتابة عن نجوم الحركة، سواء جورج حنين أو رمسيس يونان، أو كامل التلمساني، ولكن - كالعادة- اتخذ الكتاب منحى آخر عما خططت له. ربما سيقتصر على إسهام المرأة في الحركة، إذ رصدت شخصيات نسائية عديدة قدمت إسهامات داخل السريالية، ولكن لم تتم الإشارة إليها أو اعتبارها جزءاً من المتن الرئيسي. هناك أيضاً نصّ طويل أعمل عليه بعنوان «ريلكه في مصر» يتضمن رحلتي للبحث عن الفترة التي قضاها الشاعر الشهير في مصر وتأثيرها عليه، وقصص حبه لمصريات. وهناك أخيراً عمل بدأت فيه ولا أعرف شكله النهائي، بعنوان «رسائل أروى» متضمناً رسائل الراحلة أروى صالح التي بعثتها إلى العديد من أصدقائها. الرسائل حيلة فنية أيضاً للكتابة عن جيل السبعينيات وإسهامه في الحركة الثقافية والسياسية والمصرية، ربما لو تم إنجازه، قد يكون استكمالاً لكتابي عن الكاتب الراحل عبد الحكيم قاسم «كتابات نوبة الحراسة: رسائل عبد الحكيم قاسم» الذي تناول جيل الستينيات المصري وإسهامه الثقافي البارز.


البدايات والنهايات: سيرة مغايرة
يُعدّ «أعوام نجيب محفوظ- البدايات والنهايات» وثيقة مهمة تتتبّع صاحب «أولاد حارتنا» الشخصية منذ بداياته بل ما قبلها. يفرد محمد شعير فصلاً افتتاحياً يصف لنا كيف كانت القاهرة قبل ميلاد محفوظ، بالتحديد منذ كانون الأول (ديسمبر) 1911، في الفترة بين ثورتَي أحمد عرابي والاحتلال الإنكليزي لمصر، وثورة 1919 والمناخ التنويري الذي سبقها. يستعرض شعير بعضاً من إعلانات الجرائد التي اتسمت بالانفتاح والحرية كإعلانات الخمور في كبرى الجرائد. يشرح شعير: «تكشف الإعلانات المنشورة الحياة التي كانت تعيشها مصر بداية العقد الثاني من القرن العشرين، فالحداثة تهاجم التقاليد القديمة، والانفتاح على العالم يجذب العاصمة نحو نموذج الغرب المتقدم، والمناخ الليبرالي وتعددية الأحزاب والدستور الذي ولد بعد ذلك بقليل. لم يكن ذلك نبتاً شيطانياً من الفراغ، بل نتائج طبيعية لمقدمات هذا التفاعل مع الآخر، والرغبة في التحديث، ودعم البعثات الدراسية والتعليمية إلى الخارج واستيراد السلع أيضاً. كان بعضها استهلاكياً ومضحكاً، أو مثيراً لسخط حراس التقاليد».
يستعرض الكتاب أيضاً المعارك الفكرية الدائرة في تلك الفترة، على رأسها معركة مقدمة محمد فريد لكتاب «وطنيتي» للشيخ علي الغاياتي. بسببها، حُبس الزعيم الوطني ستة أشهر، ثم المعركة الأشهر لطه حسين بسبب كتابه «في الشعر الجاهلي».
في هذا المناخ ولد نجيب محفوظ، الذي أشيع إطلاق اسم الطبيب النسائي المشهور عليه. لكن يروي شعير رواية أخرى على لسان محفوظ نفسه، بأنّ أمه كانت تريد إطلاق اسم «حافظ نجيب» المجرم المعروف حينها عليه، لكن بسبب خطأ في الذاكرة، أخذ محفوظ اسم طبيبه. تبدو هذه الرواية التي حكاها محفوظ نفسه متأثرة بشدة بولعه بالقصص البوليسية التي ظلت معه إلى النهاية.
يستعرض شعير هذه المقدمة لرحلته للبحث عن نجيب محفوظ من وجهة نظر جديدة. في البداية، نجد مدى تأثر محفوظ بـ «عميد الأدب العربي» طه حسين حين كتب سيرته «الأيام»، وحاول محفوظ تقليدها في كراسة أطلق عليها اسم «الأعوام». لكنها اختفت أو سُرقت من بعض أقاربه وقت وفاة أمه، وهو ما دفعه للغضب مع كل سؤال صحافي عن الكراسة بعد ذلك.
«قريباً من مدينة الجن والملائكة» بدأ طه حسين في كتابه «الأيام» سيرته الذاتية التي عاد فيها إلى سنواته الأولى، سارداً وقائع طفولته، وعلاقته بأبويه وأشقائه وظروف معاناته في القرية التي كان يظن أن ترعتها هي نهاية العالم. كتب عن المعتقدات الخرافية السائدة في الريف، عن الليل، والعفاريت، عن العمى الذي أحاط به، وحدد حركته. كتب تناقضاته وشرح أوهامه و«آثامه».
على العكس من طه حسين ابن الفلاحين الذي خاض رحلة عصامية بالكامل لينتقل من نقطة القرية ويتحوّل من مقرئ أعمى على المقابر إلى أهم مفكر مصري في القرن العشرين، كان محفوظ ابن الطبقة الوسطى الناشئة. يقول شعير في كتابه إنّ كتابة السيرة الذاتية كانت إحدى وسائل هذه الطبقة للتعبير عن الروح الجديدة الناشئة التي بثّتها ثورة 19 وتمثيلاً رمزياً لرحلة هذه الطبقة للخروج من التقاليد إلى حداثة محلية تتأسس وترتبط عضوياً بالأصالة والتراث.
اللافت هو ما رصده شعير في كتابه حول ظاهرة «المذكرات الخيالية» التي ازدهرت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ويرجع شعير إلى دراسة السويدي تيتز روكي «في طفولتي: دراسة في السيرة الذاتية العربية» الذي يقول: «كان المؤلفون المزعومون لتلك المذكرات إما شخصيات هامشية في المجتمع مثل النشالين أو العاهرات والمنتحرين ومدمني المخدرات، وإما من الناس العاديين كالخدم والحوذية. وكانت مذكراتهم تُنشر عادة مسلسلة في الصحف، ثم على هيئة كتاب غالباً ما يكون صغيراً في حدود 100 صفحة أو أقل». وتشير الدراسة إلى أن هذه المذكرات كانت من خيال المحررين تستهدف جمهوراً بورجوازياً متشوقاً لقراءة قصص مثيرة عن المجرمين والطبقات الدنيا. وكان أحد أهدافها لتبرير وجودها للكشف عن بؤس الفقراء، والتعبير عن الوطنية المصرية بإبراز جدارة ومزايا العامية بوصفها وسيلة للتعبير الأدبي.
يروي شعير مسار كراسة محفوظ «الأعوام» منذ سرقتها مع بعض أوراق محفوظ الأخرى. ظهرت بعض هذه المستندات بعد حصوله على «نوبل» في إحدى الدول العربية، وظهر جزء آخر بعد موته في نيويورك عبر فنانة تشكيلية مصرية كانت قد أقامت في مصر لفترة طويلة تجمع أوراقاً ومستندات لأدباء مرموقين لمصلحة مكتبة أميركية باعت هذه الأوراق لمزاد في لندن عام 2011. لكن أسرة محفوظ استطاعت إيقاف البيع، إذ لم يحصل على موافقتها، ثم بدأ شعير رحلة تتبع الأوراق في محاولة للحصول على نسخة من رسالة ماجيستير محفوظ في قسم الفلسفة في كلية الآداب، في جامعة القاهرة عام 1934 تحت إشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق، ويقول شعير إنّه في صباح يوم ما، وجد في بريده الإلكتروني كنزاً يحوي 500 صفحة تخص محفوظ لم يكن من ضمنها رسالة الماجيستير، لكنّ «مخطوطات أعمال حديثة ومعروفة نُشرت من قبل مثل مخطوط «أحلام فترة النقاهة» والأغاني، ومخطوطات بعض القصص القصيرة، ورواية لم تُنشر من قبل، رواية كاملة يبدو أنها بروفة أولى لثلاثية محفوظ، أوراق رسمية، كراسات كان يسجل فيها الكثير حول الفلسفة الإسلامية مع مختارات من كتبها الشهيرة، إلى جانب الكراسة المختفية «الأعوام» التي تظل ذات قيمة فنية وتاريخية على الرغم من عدم سعي محفوظ لنشرها باعتبارها «تمرينات على الكتابة».
يخصص شعير فصلاً من كتابه لنشر «الأعوام» التي يظهر فيها أسلوب محفوظ البدائي وحكاياته التي كان متأثراً بها وظهرت بعد ذلك في بعض رواياته، كما يفرد جزءاً مهماً من الكتاب للمستندات الثمينة التي عثر عليها ومن ضمنها مخطوطات بخط محفوظ الأنيق نفسه، ثم بعض المخطوطات التي كان يتدرّب فيها على الكتابة بعد تعرضه للاغتيال، وبعض من «أصداء السيرة الذاتية» أو كما أطلق عليها شعير «النهايات» التي اعتبرها نص محفوظ المتأخر عن الذات بعد اكتمال التجربة. فإن كانت «الأعوام» نص نجيب محفوظ الطفل، ليرى العالم من حوله فإن «الأصداء» – كما يصفها شعير- هي استحضار لهذه الطفولة لمواجهة الشيخوخة، الاستعانة بالذاكرة لمواجهة النسيان، الحياة الصاخبة لمواجهة الموت، كما يقارب بشكل جديد ومفارق مفاهيم قديمة تناولها من قبل، ليعيد مراجعة علاقته باللغة والزمن والفلسفة والتصوّف.
تعد دراسة محمد شعير عن نجيب محفوظ وثيقة مهمة ليست فقط عن أديب «نوبل» ولكن كصورة كلية ترسم قرناً كاملاً من تشكّل الثقافة المصرية وتعاطي أجيال كاملة مع الحداثة، تشكل الذوق العام في القراءة، وبداية السينما، وحتى ملامح من تكوّن الطبقة الوسطى المتعلمة حينذاك. كل ذلك من خلال الاقتراب من مفهوم السيرة الذاتية، كمفهوم مجرد ومتأمل منعزلاً عن شخص بعينه، ثم الاقتراب بكل هذه التأملات لواحد من أهم كتّابنا المعاصرين.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا