مع ارتفاع سعر صفيحة البنزين، بات تطبيق عقد العمل الجماعي في المصارف لجهة بدل النقل يزيد عن أصل الراتب. لذا، تحاول بعض المصارف استبدال تسديد بدل النقل بوسيلة نقل جماعية. المصارف هي التي منعت حصول نقل مشترك من أجل تمويل قروض السيارات، وهي التي تأكل هذا السمّ اليوم، بدل النقل لموظفي المصارف محدّد في عقد العمل الجماعي وفق معادلة تأخذ في الاعتبار المسافة بين مكان إقامة الموظف ومكان عمله ومتوسط سعر صفيحة البنزين في الشهر المدفوع عنه البدل. إلا أنه مع ارتفاع سعر صفيحة البنزين إلى 206 آلاف ليرة فإن بدل النقل لمن هم يقيمون ضمن مسافات بعيدة نسبياً عن مكان العمل يصبح أكثر من 10 صفائح بنزين، أي أكثر من مليوني ليرة، وإذا جرى تسعير صفيحة البنزين بالدولار الحرّ في السوق خلافاً لما هي عليه اليوم (اليوم مسعّرة على أساس 14000 ليرة)، فإن كلفة الـ10 صفائح ستتجاوز 3 ملايين ليرة، أي ما يعادل تقريباً الراتب الوسطي لموظفي المصارف.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

بعض المصارف قرّرت اللجوء إلى النقل التشاركي لتقليص كلفة النقل على ميزانياتها. بعضهم يعمل على شراء عدد من المركبات (سيارات صغيرة، ميني باصات وباصات) لتشغيلها في إطار عملية نقل تشاركي بين الموظفين. صحيح أنها خطوة إيجابية، إلا أن هذا التطوّر يضعنا أمام تعقيبين؛
- الأول، هو سريالية الموقف لأن القطاع المصرفي هو «رأس حربة» أساسي وفعاّل جداً في ما وصلنا إليه من تدمير لقطاع النقل عامةً وللنقل المشترك خاصةً. خلف هذا القطاع يقف كارتيل متشابك المصالح مع قطاعات أخرى مثل المصارف، وكلّهم كانت لديهم رغبة في الحفاظ على النقل المعتمد على السيارة مع تدمير ممنهج للنقل المشترك وإهمال متعمّد للتنقل السلس. فشل هذاالقطاع كلّفنا مبالغ هائلة من تلوث وزحمة سير وصدامات مرورية تصل إلى نحو 6% من ناتجنا المحلي (2015) عدا عن خسارة المساحات العامة لصالح الطرقات والمواقف، بالإضافة إلى التمدد العمراني وتعزيز اللاعدالة الاجتماعية وبشكل خاص لا عدالة التنقل بين الطبقات الاجتماعية، وبين مستخدمي السيارات وغير مستخدميها، بين سكان المراكز وسكان الأطراف.
وفيما كان المجتمع يتحمل هذه الأكلاف الضخمة، كانت المصارف تحشو صناديقها كسباً وربحاً من معاناتنا التي وصلت إلى قمتها في انهيار قطاع النقل ووضع تنقلات الناس في خطر حقيقي مع كل ما لذلك من تبعات اجتماعية، اقتصادية وحتى صحية ونفسية.
يتفق الباحثون العاملون على أنظمة النقل المعتمدة على السيارة، كالفرنسيين مارك أوفنير وغابرييل دوبوي، أن طُعْم الوقوع في شِرْك السيارة هو الوصول إليها (عبر تملّكها أو استعارتها). حينها يصبح الخروج من الاعتماد عليها صعباً جداً. يُشبّهها الباحث البريطاني فيل غودوين بالإدمان على المُخدّر أو السيجارة، أو كالدواء الذي لا مفر منه. ما فعلته المصارف في نظام النقل الفاشل في لبنان هو أنها ساهمت بشكل أساسي وحاسم في دفع الناس إلى تملّك السيارات. هذا كان جرمها ببساطة. فنظام النقل بُنِي على إقامة كل ما يمكن، لإجبار الناس على الاعتماد على السيارة، وما فعتله المصارف هو لعب دور الصيّاد الذي رمى طُعْم القروض الميّسرة للسيارات ما سهَّل امتلاك هذا «المخدر» والإدمان عليه.
والناس لا تُلام البّتة على ذلك لأن لا بديل لهم سوى السيارة. تشير التقديرات إلى أنه حتى الربع الأول من 2019 كان لدى المصارف نحو 960 مليون دولار قروض سيارات، تُضاف إليها القروض الشخصية المستخدمة لشراء سيارة. وفي إحصاء قمنا به عام 2018، تبيّن أن 45% من مالكي السيارات في لبنان اشتروها بالدين، وثلثَيهم عبر قروض من المصارف. وهنا من المفيد التنويه أن أغلب المصارف كانت ترافق قروض السيارات ببوالص تأمين لشركات غالبيتها مملوكة منهم مباشرة، وكانت تقدم عمولات سخيّة لتجار السيارات (الجديدة والمستعملة) لحثّهم على إحضار زبائن أكثر لقروض السيارات.
كلفة انتقال موظفي المصارف باتت تساوي رواتبهم وربما أعلى


بالإضافة إلى القروض، تُضاف المساهمة الفعلية والفعّالة للمصارف في تغذية النظام العقاري الذي لا يقل فشلاً ووحشية عن قطاع النقل وهما مترابطَين عضوياً. التمدّد العمراني المدفوع بشكل أساسي من المضاربين العقاريين والمصارف، هو أحد الأعمدة الأساسية لهيكل الاعتماد على السيارة في تنقلاتنا. إذ إن الابتعاد عن المركز وربطه بالأطراف القريبة خاصة، بشبكة طرقات سخية، كان دافعاً أساسياً لتملك السيارة. أبسط تصوير لذلك هو التمدّد في جنوب بيروت حتى الجية وفي شرقها وشمالها وإن بدرجات أقل نظراً إلى كونها كثيفة سابقاً، وما زحمات السير الجهنمية بين بيروت وجونية مثلاً سوى دليل واضح على ذلك.
أخيراً، نستطيع التطرق أيضاً إلى عدم مساهمة المصارف بأي فلس في تمويل قطاع النقل المشترك مثلاً. ففي إطار عمل بحثي في 2017، استهزأ أحد المصرفيين بفكرة إعطاء الدولة قرضاً تشاركياً بين عدة مصارف واشتراط استعماله للنقل المشترك. علّق قائلاً: «عذاب قلب»، الأسهل إقراض الناس للسيارات والدولة بلا قيود كهذه. هنا تُلام الدولة أيضاً على تساهلها في التعامل مع المصارف وأرباحها الهائلة بعدم الاستفادة منها لأي استثمار فعلي. على سبيل المثال لو اقتطعت الدولة ضريبة استثنائية (30% أو 40%) على الأرباح الهائلة التي حققتها المصارف جراء الهندسات المالية (نحو 5.5 مليارات دولار) لكانت استطاعت تمويل مشاريع ضخمة في القطاع كتأمين 70% من تمويل قطار بيروت - طرابلس للركاب والبضائع.
إذاً، لا شكّ بأن المصارف تشكل إحدى أيادي أخطبوط كارتيل النقل (متعهدي طرقات، كارتيل المحروقات، تجار السيارات، تجار العقارات، سياسيين...). بحث المصارف في سبيل تأمين تنقلات موظفيها يصحّ فيه القول إن «طابخ السم آكله». فالقطاع المصرفي، المدمّر الأساسي لقطاع النقل، ها هو (مع شركائه) يقع في شر أعماله ويدفع بطريقة ما ثمن انهيار قطاع النقل.
- التعقيب الثاني، هو أن المصارف لا تقوم بهذه الخطوة كجزء من رغبتها بتطوير قطاع النقل لما لذلك من مصلحة عامة، وبالطبع لا تسعى لتأمين تنقلات موظفيها بدافع إنساني ومجتمعي، إنما بمنطق رأسمالي بغيض يقول إن تأمين تنقلات الموظفين ووصولهم مرتاحين إلى مكان عملهم هو فقط للحفاظ على إنتاجيتهم وعدم هدر طاقتهم في التنقل. ذلك ليس حكراً على القطاع المصرفي اللبناني إنّما هو فكر مُتبنّى عالمياً. رغم ذلك، لا يمكن أن ترى المصارف التنقل مستقلاً عن السيارة، وها هي تموّل شراء بعض السيارات لوضعها في خدمة النقل التشاركي لموظفيها. لو أتى اعتماد النقل التشاركي من القطاع المصرفي سابقاً أو من قطاع آخر، لكانت خطوة صادقة أكثر. ولكن أن تأتي من جهة دمرت قطاع النقل عن سابق إصرار، فذلك يُلغي حتماً حسن النية. وأكثر من ذلك، إن النقل التشاركي فكرة ممتازة بالمطلق لكن أن تأتي هذه المبادرة بشكل فرداني من قبل بعض الشركات، لا سيما المحظية منها، ممن لها القدرة على ذلك دوناً عن غيرها، يُسهم في ترقيع الحلول ويعفي الدولة من مسؤوليتها في وضع خطة شاملة كاملة للنقل.
من البديهي هنا أن لا نلوم الشركات إن كانت ترغب بالقيام بذلك، باستثناء المصارف. للقطاع المصرفي حتى اليوم كلمته لدى السلطة ودور أساسي فيما ستؤول إليه الأيام في هيكلة وتشكيل الاقتصاد مستقبلاً. وكون السلطة ومجالس إدارات المصارف روحان في جسد واحد، فإن ترقيع النقل وعدم ذكر أو الحديث عن أي حاجة لإعادة هيكلة قطاع النقل هو كلام تنقله المصارف بلسانها عن عقل السلطة بأن الحلول لن تتخطى الترقيع وسيتم دفع كل فرد ومؤسسة وجماعة إلى اعتماد مبدأ «اللّهم نفسي» بحثاً عن تأمين تنقلاتهم بأنفسهم فيما تلعب دور المتفرج من خلال سياسات نيوليبرالية تعمل على الترقيع بعد التدمير. الترقيع في انتظار إعادة إنتاج نموذج اللاعدالة والإمعان في تدمير قطاع النقل.

* باحث متخصص في مجال النقل