يُحكى أن التجارب العلميّة الناجحة (1960- 1966) للبروفسور مانوغ مانوغيان في إطلاق أول الصواريخ اللبنانية المحلِّية الصُنع، وَلّدت لَديه مع مجموعة من طُلّابه وزملائه في كلية هايكازيان للصواريخ في بيروت، أملاً في إرسالِ فأرٍ إلى الفضاء وإعادته حيّاً... ستّون عاماً مرّت على تلك الواقعة. خَفتت شُعلة الأمل مذاك، فَتَبخّر المشروع ومعه الصواريخ، بينما الفئران في بَلدنا ازدادت جوعاً في انتظار من يُرسلها إلى الفضاء.

غاتيس سلوكا ــ لاتفيا

وبعد أيامٍ من إطلاق تونس لقمرٍ اصطناعيٍ محلّي الصنع، وبُعيد تَصريحات تُركيا الأخيرة بشأن برنامجها الفضائي لعام 2023 (من دون الدخول في تفاصيل الأنشطة الفضائية لكلٍّ من السودان، ومصر، وأنغولا، وإثيوبيا، وغانا، ورواندا، وجنوب أفريقيا، ونيجيريا، وكينيا، والمغرب، والجزائر، والإمارات العربية المتحدة...) عادت بنا الذاكرة، نحنُ كمواطنين ومواطنات في دولة «مفترضة»، الى تلك الفئران التي ما زلنا وإيّاها، نُراكم الأسئلة بانتظار سامعٍ أو مجيب: أين لبنان حاليّاً من فورة الفضاء الاقتصادية؟ أَلم يحن الوقت للاستثمار في هذا المجال ومُواكبة عصر التكنولوجيا الحديثة؟ متى سوف تُمنح بلاد الأرز الوسائل للوصول إلى تلك التقنيات؟ أَليس من حقّ كلّ مواطنٍ لبنانيٍ، ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين، أن يشاركَ العِلم والعالم بفكرةٍ قد تولدُ ما وراء النجوم؟
الجواب من دون شكّ على السؤال الأخير هو نعم، مع كامل الإدراك لصُعوبة تحقيق ذلك الهدف محليّاً، سواء جاء في مرحلةٍ من الرخاء الاقتصادي أو في فترة ركودٍ كالتي نشهدُها الآن؛ إذ إن فكرة استثمار الفضاء «لبنانيّاً»، غير مطروحة عند غالبيّة من هم في مركز القرار. للمُفارقة، إن الاستثمار في عِلم الفضاء يُمثّل فُرصةً بين فرصٍ عديدة أُخرى لإعادة إحياء اقتصادٍ لبنانيٍ متنوّع. الأمثلة في هذا المجال عديدة: وفقاً لدراسةٍ أُجريت حديثاً في فرنسا لتقييم الأثر الاقتصادي للمنشآت والبنى التحتية للبيانات المكانيّة في مجال إدارة الغابات وإزالة الأشجار (منشأة جيوسود GEOSUD2)، بلغ إجماليّ القيمة المضافة 63 يورو لكل يورو استثمر في تلك المنشأة، مع 24 يورو أكلاف معاملات تم تفاديها. أمّا في ما يتعلّق بالقيمة الإجماليّة الإضافيّة الناتجة عن استخدام صور الأقمار الاصطناعية لإدارة الغابات، فقد بلغت 12 مليون يورو بين خشبٍ خامٍ ومنتجاتٍ مشتقّة (راجع 3Niang et al., 2021).
وفي تقرير آخر أجراه البنك الدوليّ عام 2017 يتعلق بدراسة ظاهرة الفقر في سريلانكا، وشملت 1291 قرية، اعتُمد على صور الأقمار الاصطناعية وربطها مباشرةً بمؤشّرات الرفاهيّة الاقتصاديّة، لما قد ينتج عن ذلك من توفير في الكلفة البشريّة وتفادٍ لأكلاف النقل لجمع بيانات كهذه (راجع 4 Engstrom et al., 2017). وفي القطاع الصحيّ، مثالٌ آخر عن أثر استعمال البيانات المكانيّة يأتي في دراسة وثّقت تفادياً لنحو 500 ألف حالة إصابة بالملاريا في 28 دولة بعد استخدام نظام إنذارٍ سريعٍ يعتمد على هذه البيانات؛ فكلفة الفاتورة الصحيّة التي تم توفيرها كبيرة من دون شكّ، رغم أنه لم يتمّ تقييمها في الدراسة المذكورة (راجع 5 Juma et al., 2017).

السياق العالمي
يُعدّ اقتصاد الفضاء مَوضع اهتمامٍ عالمي (يقدّر أن يتخطّى تريليون دولار في عام 2040 وفقاً لدراسة حديثة لمصرف مورغان ستانلي)، وذلك لأسباب عديدة:
• سِباق دوليّ لتطوير أنظمة مُراقبة الأرض (مثلاً: برنامج لاندسات الأميركي Landsat، برنامج كوبرنيكوس الأوروبي Copernicus)، والأنظمة الافتراضية من قبل الشركات التجارية (مثلا: غوغل إرث Google Earth، بلانت Planet).
• دُخول لاعبين جُدد إلى نادي الفضاء، وما بات يُعرف حديثاً بالـ «نيو سبيس» New Space (مثلاً: سبيس إكس SpaceX ، بلو أوريجن Blue Origin، فاير فلاي FireFly)، عدا عن الانتشار الواسع للشركات الناشئة في هذا المجال Startups.
• تحوّل رقميّ في المجتمعات وزيادة هائلة في حجم البَيانات (أو ما يُعرف بالـ«بيغ داتا» BigData) وتِقنيات الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، وما قد يَنتج من تحدّيات وفُرص. زِد على ذلك الآثار الاجتماعية والاقتصادية.
• دَور متزايد لتقنيّات الفضاء في مجالات صُنع القرار: إدارة الموارد الطبيعية، إدارة المحاصيل الزراعية، الإحصاءت الديموغرافيّة، المُدن الذكية (Smart cities)...
• دَور في دعم سياسات التنمية المستدامة؛ تغيُّر المناخ، وحماية التنوع البيولوجي ومراقبة الأنظمة الإيكولوجية...
هناك فُرصٌ ثمينة في اقتصاد الفضاء على لبنان اغتنامها، فالاستثمار في مجال تقنيات الفضاء ينتج معلومات مَكانيّة تستخدم في خفض الأكلاف الزراعية


لبنان خارج الفضاء
إنّ حال قطاع الفضاء في لبنان كما هو عليه اليوم، بعيد كُلّ البعد عن تلبية تحديّات المرحلة الراهنة وتطلّعاتها. فالأمثلة ضئيلة منذ توقّف مشروع البروفسور مانوغيان ضمن جمعية الصواريخ اللبنانية (1966)، وتُختصر بالنشاط الذي يقوم به المركز الوطني للاستشعار عن بُعد (National Center for Remote Sensing)، فضلاً عن بعض المبادرات الخجولة لبناء أول قمرٍ اصطناعيٍ لبناني (2018) (Nano satellite). حتّى اليوم، لا يملك لبنان أيّاً من المُنشآت التحتيّة الفضائية أو أقماراً اصطناعية خاصّة به للتزوّد بالبيانات التي يحتاج إليها، فيما تُخصِّص دول أُخرى ميزانيات محدّدة لتطوير نشاطها الفضائي. لذا، إن اعتماد لبنان على الخارج لشراء البيانات وبعض الخدمات، قد يُرتّب عليه أعباءً ماليّة إضافية، فضلاً عن ضغوطٍ سياسية لمِا يُمثّل هذا القطاع من أهميّة استراتيجية بالغة الحساسيّة على المستوى العالمي، وبالأخصّ في منطقة الشرق الأوسط.

الفُرص المتاحة: اقتصاديّاً وقوميّاً
هناك فُرصٌ ثمينة في اقتصاد الفضاء على لبنان اغتنامها أكثر من أيّ وقتٍ مضى. وبِقدر ما يبدو تحقيق تلك الفُرص صعباً، ضمن المسار اللبناني المُتّبع حاليّاً، فإن من شأن الاستثمار في مجال تقنيات الفضاء، وما قد يَنتج عنه من استخدامٍ للمعلومات المَكانيّة، أن يُترجم في توفير فُرص عملٍ لعددٍ كبيرٍ من اللبنانيين. أَضف الى ذلك ارتفاعاً في مستوى الفَعاليّة ضمن مجالاتٍ مُتنوّعة، وتدنّي الكلفة على المواطن وعلى خزينة الدولة معاً . في ما يلي، بعضُ الأمثلة التي بالإمكان مُناقشتها لاحقاً بصورةٍ أعمق:
1. في مجال الزراعة وإدارة الغابات
• تصميم حلولٍ رقميّة للمزارعين من أجل النهوض بالقطاع الزراعي وتأمين إدارة فعّالة لأراضيهم ومحاصيلهم: تقليل الهدر، ترشيد الاستهلاك، رَفع الإنتاجية.
• إنشاء قاعدة بيانات وطنيّة، مع إمكانيّة تحديثها بانتظام، تشمُل: طبيعة الأراضي وقابليّتها للزراعة، نوعيّة التربة، كمّية الموارد المائيّة المتوافرة، مُستوى رُطوبة الأرض...
• توفير أدوات حديثة لمواكبة سياسات التنمية المستدامة وتحقيق الأمن الغذائي.
• تطوير الممارسات الزراعية للانتقال نحو الزراعات الرقميّة من خلال إنترنت الأشياء (Internet of things).
• فَعاليّة أكبر في إدارة المحميّات الطبيعية، الغابات والأحراج.
2. في مجال إدارة الكوارث الطبيعية
• تأمين إدارة أفضل للمخاطر الطبيعيّة: الزلازل، الفيضانات، الحرائق (دقّة في تحديد المواقع، تدخّل أسرع ، أكلاف أقلّ).
3. في مجال التخطيط الإقليمي
• مُراقبة وتحليل ظواهر التَحضّر الإقليمي (التجمعات العُمرانية والديموغرافية، مناطق الأنشطة الاقتصادية).
• تخطيط وإدارة البنى التحتيّة وشبكات النقل والمرور.
• تحقيق التوازن، التنسيق والتكامل بين قطاعات ومناطق مختلفة.
4. في المجال العسكري والأمن القومي
• تعزيز إستراتيجيّة الدفاع والأمن الوطنيّة والمكانة السيّادية للبِلاد (مُواكبة التخطيط العسكري، النشاط الاستخباري، مكافحة الإرهاب).
• تعزيز سياسات ترسيم الحدود البحريّة والبريّة (بيانات طوبوغرافيّة، خرائط عالية الدقة).
• توفير ضمانة أوسع لحركة المِلاحة وتحديد المواقع.
5. في مجال البرمجة والتكنولوجيا الصناعية
• مُواكبة نظم الابتكار وتطوير تطبيقات مَبنيّة على المعلومات المكانيّة (تطبيقات لتحديد المواقع الجغرافيّة، تطبيقات في مجال الاتصالات والهندسة، في مجال التأمين...).
• المساهمة في خلق أسواق جديدة قائمة على الابتكارات المتبادلة والمفتوحة (Open science & innovation).
• الإستخدامات المتعددة المجالات (زراعة/ تأمين، صحة/ بيئة...).
6. في مجال السياحة
• الترويج للمواقع السياحية عبر تطبيقات غنيّة بالمعلومات وسهلة الاستخدام.
• تعزيز الأنشطة الترفيهيّة والرياضيّة (تسليط الضوء على مسارات المشي في الطبيعة، إنشاء مسارات خاصة، توفير أدلّة إرشاديّة رقميّة).
• إنشاء قواعد بيانات مَكانيّة مُشتركة لموقع أو منطقة مُعيّنة.

نحو استراتيجية وطنية
من مصلحة لبنان استغلال المجال الفضائي وإعادة إحياء هذا القطاع وتطويره، من خلال إنشاء بنًى تحتيّة ومُنشآت أقمار اصطناعيّة، وتحفيز المجتمع العلمي، ولا سيما الباحثين منهم، المهندسين والطّلاب، على المضيّ في هذا المسار. لقد آن الأوان:
• لوضع استراتيجيّة وطنيّة لاقتصاد الفضاء بشكلٍ يتماشى مع مُختلف احتياجات المجتمع اللبناني وتَطلُّعاته.
• لإقامة شراكة بين القطاعين العام والخاص والاستفادة من القُدرات والخبرات التي يمكن أن تعزّز تنمية هذا القطاع الواعد.
• لإعادة النظر في أنظمة التعليم الثانوي والجامعي من أجل تفعيل أوسع للتقنيات الحديثة، وعلى وجه الخصوص، تلك المتعلقة بعِلم الفضاء.
• لخلق فُرص عمل ووظائف في هذا المجال، بحيثُ يصبح الفضاء مَدخلاً إضافيّاً بمتناول اللبنانيين لاقتصاد أكثر تنوّعاً، لا مجرّد حُلم.
• للانضمام إلى اتّحاد التعاون العربي ووضع خريطة طريق إقليميّة لصناعة الفضاء في السّنوات المقبلة.
• للاستفادة من العلاقات الدوليّة واستخدامها لبناء شراكات في هذا القطاع (أوروبا، روسيا، الولايات المتحدة، الصين، اليابان).
أيجوز أن نُبقي الفأر منتظراً ستّين عاماً إضافيّاً ونحن نُتقن فَنّ إضاعة الفُرص؟

* باحث وأستاذ جامعي في مونبيليه، فرنسا CNRS



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام