في توقيت لا يخلو من دلالات، أجرى نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، أول من أمس، زيارة خاطفة للعراق. زيارةٌ ارتسم حولها الكثير من علامات الاستفهام، وخصوصاً أن المسؤول الأميركي لم يلتقِ برئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، أو أيّ من المسؤولين العراقيين، خلافاً لما قام به في «إقليم كردستان» حيث التقى رئيس جمهورية الإقليم نيجيرفان بارزاني.

مع ذلك، تقول مصادر حكومية لـ«الأخبار» إن زيارة بنس لـ«قاعدة عين الأسد» غرب البلاد «كانت منسقة مع بغداد، وهي جاءت في إطار تفقّد المسؤول الأميركي قوات بلاده العاملة في العراق وتهنئتها بعيد الشكر». وتلفت المصادر إلى أن القاعدة الأميركية ليست في بغداد أو محيطها «ولو كانت كذلك لالتقى بنس برئيس الحكومة، ولهذا فضّل الجانبان الاكتفاء بالاتصال». وفي حين نفى مكتب الرئيس العراقي، برهم صالح، علمه المسبق بالزيارة، أشار بيان صادر عن مكتب عبد المهدي إلى اتصال هاتفي جرى مع بنس، بحث التطورات التي يشهدها العراق وجهود الحكومة وإجراءاتها الإصلاحية. ونقل البيان عن عبد المهدي تشديده على «أهمية سيادة واستقلال العراق، وتوفير الأمن والاستقرار له، وحماية مصالح جميع العراقيين بمختلف مكوناتهم ودياناتهم، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعاون البلدين في إطار الاتفاقيات الاستراتيجية بينهما»، فيما أشارت وكالة «رويترز» إلى أن بنس أكد التزام رئيسه دونالد ترامب بـ«بعراق مستقل ذي سيادة»، معرباً عن القلق إزاء «التأثير الخبيث لإيران في جميع أنحاء البلاد». أما في أربيل، فقد التقى المسؤول الأميركي ببارزاني إثر زيارته القاعدة الأميركية هناك. وقال بنس، خلال اللقاء، إن الولايات المتحدة تأمل الحفاظ على علاقات قوية مع الأكراد. ورداً على سؤال عمّا إذا مكلّفاً بتخفيف شعور الأكراد بـ«الخيانة»، أجاب: «لا أعتقد أن هناك أيّ لبس الآن في أن التزام الرئيس ترامب بحلفائنا هنا في العراق، وكذلك بالنسبة إلى من هم في قوات سوريا الديمقراطية، القوات الكردية التي قاتلت إلى جانبنا، قد تغيّر».
وبمعزل عن التصريحات العلنية، لا يبدو أن حيثيات زيارة بنس، لناحية خلوّها من محطة في بغداد (عزا الأميركيون ذلك إلى أسباب أمنية)، منفصلة عن الفتور الذي بات يَسِم علاقة واشنطن ببغداد، على خلفية ما ترى الأولى أنه ميل متزايد لدى الأخيرة إلى طهران. وفي هذا الإطار، أشار مسؤولون أميركيون إلى أن بنس حثّ عبد المهدي على النأي بالعراق عن إيران، بعدما كان مرافق له قد قال إن المسؤول سيحثّ رئيس الوزراء على فكّ الارتباط مع إيران. وكان مسؤول عراقي بارز أكد لـ«فرانس برس» أن «الفجوة بين العراق وأميركا لم تكن كبيرة على الإطلاق مثلما وصلت إليه الآن، ولا تزال تزداد حجماً». ولعلّ ما يزيد حجم الامتعاض الأميركي هو احتمال تمكّن حلفاء طهران من تجاوز الأزمة التي يمرّون بها، والذي ظهرت مؤشراته مع توقيع القوى السياسية وثيقة إصلاحية حظيت على ما يبدو برضى «المرجعية الدينية العليا».
من هنا، يبدو أن الولايات المتحدة تتّجه نحو إعادة تفعيل خيارات بديلة. وفي هذا الإطار، يدور حديث عن ضغوط أميركية لإطاحة محافظ نينوى منصور المرعيد، وتعيين نجم الجبوري (مسؤول عمليات المحافظة عام 2014، وأحد المتهمين بتسهيل دخول «داعش» إلى الموصل) بدلاً منه. وهي ضغوط لا يبدو أنها منعزلة عن المساعي الأميركية لتهيئة المحافظة الغربية كساحة عمل تمكن الاستفادة منها في إطار تمرير «صفقة القرن»، أو قطع طريق إيران إلى المتوسط.