على الغلاف | بالرغم من أن فلسفة العقوبات تقوم على الرهان على أن تؤدي الى دفع الشارع الإيراني للانتفاض على نظامه الإسلامي، الا ان الحقيقة التي عكستها التطورات الاخيرة، على المستوى الاقليمي والنووي، أن هذه العقوبات لم تتمكن من إجبار النظام على التراجع عن خياراته، بينما أظهرت العديد من المحطات الداخلية ان النظام يحظى بتأييد شعبي واسع مكّنه من مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية.


في ضوء ذلك، من الطبيعي أن تكون نتائج هذه العقوبات وتداعياتها في الوسط الإيراني موضع متابعة وتقدير من قبل المراقبين وأجهزة الاستخبارات وصناع القرار في تل أبيب وواشنطن والعواصم الأوروبية.
هذا الواقع دفع مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي الى تناول هذه المسألة من قبل الرئيس السابق للشعبة الاقتصادية في الاستخبارات العسكرية (آمان)، الباحث موشيه أفرات، للإطلالة على السياسات المقابلة التي اتّبعها النظام الإيراني، ومكّنته من الصمود أمام الضغوط الهائلة وفي مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية التي فرضتها العقوبات؟
في ضوء حقيقة أن العقوبات شملت، من ضمن أمور عديدة، مقاطعة المصارف الايرانية، تجميد أملاك البنك المركزي، قطع ايران عن منظومة التحويلات الغربي (Swift)، ومقاطعة استيراد النفط والمنتجات البتروكيميائية الإيرانية ومقاطعة التأمين البحري لناقلات النفط والمنتجات البتروكيماوية.
من أبرز ما أكده أفرات، في البحث الذي أوردته نشرة «نظرة عليا»، أن طبيعة وحجم العقوبات المفروضة على إيران كانت كفيلة بإحداث هزات اقتصادية وسياسية خطيرة تترافق عادة مع اضطرابات اجتماعية تجبر الدولة على اجراء تغيير كبير في سياساتها.
ويؤكد افرات أن تحليل المعطيات المتصلة بالواقع الاقتصادي الإيراني، يُظهِر ان الصورة أكثر تركيباً، لجهة انه بالرغم من المؤشرات الاقتصادية السلبية المختلفة والتوقعات القاتمة في ضوء تدهور قيمة العملة الإيرانية، ازدهر منذ بداية عام 2012 قطاع البناء والعقارات، الذي لم يشهد تصاعداً فقط، بل أيضاً ارتفاعاً كبيراً في مستوى الأسعار. إضافة الى ذلك، وكنتيجة للقيود التي فُرِضت على الاستيراد من الخارج، كان هناك انتعاش واضح في المشاريع الصناعية المختلفة، ما أسهم في زيادة الانتاج للسوق المحلية، فضلاً عن ارتفاع كبير للتصدير في المجالات غير النفطية.
ويرى الباحث الإسرائيلي أن هذا التطور لا يشير فقط الى استقرار في السوق المالية الإيرانية، بل يعكس أيضاً قدرة الإبداع والتكيف في القطاع التجاري الايراني، ولا يشير إلى صدمات عميقة تترافق عموماً مع النشاط الاقتصادي في أوقات الأزمة.
وشدد أفرات على «ثلاث حقائق أساسية»، استند إليها مصممو السياسة النووية الايرانية في السنوات الأخيرة، ورأى انها تعبّر عن الخلفية الاقتصادية الاستراتيجية لسياسة النظام في ايران:
1- المداخيل الهائلة من تصدير النفط، التي بلغت 500 مليار دولار مقابل 185 مليار دولار في الفترة السابقة الموازية (بمعدل زيادة تتجاوز أكثر من 50 مليار في السنة)، شكلت قوة تسمح ايضاً باتخاذ سياسة اقتصادية واجتماعية غير تقليدية، مبذرة وغير مركزة، تؤدي الى تشويهات في كل مجال تقريباً.
2- رغم حيوية قطاع النفط للاقتصاد الإيراني، إذ انه ينتج اكثر من 60 في المئة من المداخيل السنوية من التصدير، عملياً، لا يساهم الا بنحو 10 في المئة من الانتاج.
3- الأغلبية الساحقة من التجارة الخارجية الإيرانية السنوية تتم مع دول آسيا والشرق الأقصى ونحو 20 في المئة فقط مع الغرب والكتلة السوفياتية السابقة.
اما على مستوى الآثار الأساسية التي تركتها العقوبات على الاقتصاد الايراني، وفق تقدير صندوق النقد، كما ورد في تقرير نشر في 20 ايار 2013 فإن:
1- الإنتاج الإيراني الحقيقي انخفض 1.6 في المئة بالمتوسط السنوي في 2012 وفي 2013، ورغم ذلك جمعت ايران في هاتين السنتين 25 مليار دولار فائض في الحساب الجاري في ميزان المدفوعات، والذي يمكن بالتأكيد استغلالها في عام 2014.
2- بعد سنتين من تشديد العقوبات الغربية، سيبقى تحت تصرف ايران في نهاية 2013 – بداية 2014 نحو 79 مليار دولار من أرصدة العملة الصعبة والذهب.
لكن في ما يتعلق بالاجراءات التي اتخذها النظام لمنع التآكل في مستوى معيشة الطبقات الاجتماعية، ومنع حصول اضطراب اجتماعي، اتخذ منذ بداية عام 2013 خطوات متنوعة، بما في ذلك رفع الحد الأدنى للأجور وأجور موظفي الدولة بمعدل 20 – 25 في المئة، وتوزيع بطاقات غذائية لـ 17 مليون «فقير» حسب التصنيف الايراني، لشراء منتجات أساسية بأسعار مخفضة، وزيادة كبيرة للمنح المالية الشهرية للفرد. ونتيجة لذلك، بلغ الدخل الشهري المتوسط لعائلة العامل الذي يتلقى الحد الأدنى للأجور، هذه السنة، نحو 660 دولاراً في الشهر، مقابل 466 دولار في عام 2012، أي بمعدل ارتفاع أكثر من 40 في المئة، بما يوازي معدل الارتفاع في معدل التضخم المالي.
فضلاً عن ذلك، مع أنه طرأ ارتفاع كبير في البطالة يشمل الآن اكثر من 4 ملايين عامل، «وهو ما لم يؤدِّ لحد الآن، الى تفاقم كبير في الاضطراب الاجتماعي، بسبب السياسة الاجتماعية للنظام التي سمحت بمنح بدل بطالة لفترة تصل حتى 50 شهراً»، وهي الفترة الأطول في العالم.
في ضوء المعطيات، خلص أفرات الى أنه حتى لو تم تشديد العقوبات وفقدت ايران 70 في المئة من مداخيلها من تصدير النفط، ستبقى قادرة ليس فقط على تمويل الاستيراد السنوي بحجم 50 – 60 مليار دولار، بل ستواصل ايضاً الاستمتاع بفائض كبير في الميزان التجاري وفي الحساب الجاري في ميزان المدفوعات.
وبناءً عليه، يؤكد الرئيس السابق لشعبة الاقتصاد في «آمان»، في ما يتعلق بالتوقعات الاقتصادية لعام 2014، انه وفق تقدير صندوق النقد الدولي، من المتوقع للعام المقبل أن يحدث تحول ويستأنف النمو الحقيقي في ايران بمعدل، 1,1 في المئة على الأقل، بفضل الزيادة الكبيرة للنشاط الاقتصادي في الفروع الاقتصادية المختلفة ورغم استمرار الانخفاض المتوقع في تصدير النفط. واعتبر أن تشديد العقوبات الاقتصادية الغربية لن يؤدي الى هزات اقتصادية واجتماعية تعرض استقرار النظام للخطر.