هو الجندي الحديدي المغطّى بالسواد والذي لا تظهر منه سوى عينين تراقبان كل شيء، وهي الصقر المحلّق دائماً في السماء يرى كل شيء من فوق. هو النظام الاستخباراتي الذي يزرع أذنيه في كل ناحية، وهي المرأة البيضاء التي توزّع الصحف وتحترم تعدد الآراء. هذا ما ظهر على معظم الملصقات الأميركية خلال الحرب الباردة.

هو دائماً النظام السوفياتي «المهووس بالتجسس» وهي الولايات المتحدة التي تحمل لواء الحرية وشعلة الديموقراطية. سعت الولايات المتحدة منذ حقبة الحرب الباردة إلى أن تركّز على «عيب» محدد عند عدوّها السوفياتي وهو تفوّقه الاستخباراتي.
انتهت الحرب الباردة وفازت «شعلة الحرية» على «النظام التجسسي» لكن الدعاية الأميركية لم تتوقف. وعند كل فرصة سانحة، لا تتردد واشنطن بإشهار سلاح «الحرية والديموقراطية» في مقابل التركيز على الصفة «الاستخباراتية» عند خصومها مكررة أنها «تحترم حرية شعبها وخصوصيته». واشنطن وصفت مراراً النظام الروسي مثلاً بأنه «غير ديموقراطي يديره ضابط استخبارات سابق» (بالإشارة الى فلاديمير بوتين) والمسؤولون الاميركيون ينقضّون على الصين وكوريا الشمالية وكوبا وإيران فيتهمونهم «بالتجسس على مواطنيهم» و «مراقبة الانترنت» و«عدم احترام حريات شعوبهم وخصوصياتهم».
أرادت واشنطن أن تُبقي على محور شرّ جعلت من بلدانه «الوكلاء الحصريين» للقمع والتجسس وعدم احترام الحريات الفردية والحقوق المدنية لشعوبهم.
لكن ليس بعد اليوم. فالفضيحة التي دوّت في 6 حزيران 2013 وكشفت عن ارتكابات «وكالة الأمن القومي» الاستخباراتية ضربت بالعمق كل الجهود التي بذلتها واشنطن لتحافظ على بريق كذبتها على مدى أكثر من 60 عاماً. الفضيحة التي سرّبت حتى الآن بعض البرامج والوثائق السرية الخاصة بأكبر وكالة استخبارات أميركية، وُصفت بالـ«تاريخية».

NSA الوكالة الشبح

«وكالة الأمن القومي» أو NSA هي «حصن الاستخبارات الاميركية» بكل ما للكلمة من معنى. عملت منذ إنشائها عام 1952 أي في عزّ أيام الحرب الباردة على التجسس «على الأعداء»، وحققت بعض الانتصارات وصولاً الى مراقبة اتصالات زعيم «القاعدة» الراحل أسامة بن لادن، الأمر الذي ساهم في تصفيته.
هي الوكالة التي لا يعرف أحد عدد موظفيها الحقيقي فهو أمر مصنّف «سرّي» من قبل الحكومة الاميركية. لكن الوكالة أعلنت عام 2012 أن عدد الموظفين في مقرّها الرئيسي يبلغ حوالي 30 ألف موظف، بينما مازح أحد مسؤوليها الصحافيين أخيراً بالقول إنهم يتراوحون بين «37 ألفاً ومليار». موظفوها يخضعون لفحص «آلة الكذب» قبل المباشرة بعملهم، ولهم مخرج منفصل عن باقي الناس على الطريق السريع المؤدّي الى قاعدة جورج مايد العسكرية في ولاية ماريلاند حيث مقرّ الوكالة. البعض يذهب الى تسميتها «الوكالة غير الموجودة» أو No Such Agency بالإشارة الى السرية التامة التي تحيط الوكالة نفسها بها، والشائعات حول مشاريعها السرّية كثيرة تبدأ بتنفيذ اغتيالات هامة حول العالم وتصل الى إخفاء سرّ التواصل مع الكائنات الفضائية.

فورة أيلول 2001

بعد هجمات 11 أيلول 2001 وإطلاق «الحرب الكونية على الارهاب»، أباحت الإدارة الاميركية لنفسها كل شيء في الداخل والخارج. داخلياً، عدّلت قوانين كثيرة وأصدرت اخرى لتوسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات في سبيل «مكافحة الإرهاب» والحصول على أكبر كمية ممكنة من المعلومات بغية «حماية الأمن القومي الاميركي» من أي هجمات محتملة. ولعلّ أبرز تلك القوانين ذاك الذي سُمّي بـ«التنصّت من دون مذكرة» والذي سمح للـ NSA منذ عام 2001 بالتجسس على المكالمات الهاتفية والبريد الالكتروني والرسائل الهاتفية لكل «الأطراف الخارجية» الموضوعين تحت المراقبة حتى لو كانوا داخل الولايات المتحدة ومن دون مذكّرة تفتيش قضائية. مرّ القانون وقتها وسط كل الجنون الذي رافق تلك الفترة وتحكّم المحافظين بمفاصل العمل السياسي والقضائي في البلد. لكن حملة كبيرة شنّت ضد القانون عام 2007 وأبطل العمل به في ذاك العام. توقف القانون لكن الوكالة ما زالت هنا بكافة أجهزتها ووحداتها التي بقي عملها سرياً جداً. ولم يعدّل باراك أوباما، الرئيس الذي انتخب على أساس نسف موروثات عهد جورج بوش، أيّاً من برامجها. لكن اختراقاً تاريخياً حصل منذ شهر وأوقع ورقة التوت عن نظام استخباراتي ــ تجسسي زرع أذنيه في كل مكان!

يمكنكم متابعة صباح أيوب عبر تويتر | [email protected]





الجنرال كييث ألكسندر (61 عاماً) هو مدير «وكالة الامن القومي» الحالي. تسلّم مهامه في آب عام 2005 وهو رئيس «القيادة السايبيرية» Cyber Command منذ عام 2010. ألكسندر اعترف بأن التسريبات «ألحقت ضرراً كبيراً لا يمكن إلغاؤه بالولايات المتحدة وبحلفائنا». وعن سؤال حول لماذا فشلت الوكالة في منع حصول التسريبات؟ أجاب ألكسندر: «لا أدري».