إلغاء الدعم الحكومي المخصّص للكهرباء يعني أمراً من اثنين:

1- إمّا زيادة التقنين وتخفيض ساعات التغذية الحالية بنحو الثلث في كلّ المناطق اللبنانية (من معدّل 15 ساعة إلى 10 ساعات يومياً)، كنتيجة مباشرة لخسارة نحو 748 ميغاواط، وهو ما يشكّل 30% من مجمل الطاقة المُنتجة في معامل مؤسّسة كهرباء لبنان والمُشتراة من البواخر ومن سوريا. وبالتالي، لجوء الأسر والمؤسّسات إلى المولّدات الخاصّة لتعويض الانقطاع الإضافي في التيار الكهربائي. ما يعني أن المعدّل الوسطي لفاتورة اشتراك المولّد الشهرية سيرتفع بنحو 72 دولاراً، في حال افترضنا أن أسعار النفط استقرّت على ما كانت عليه في عام 2018 حين كان معدّل سعر الكيلوواط/ ساعة المُنتج في المولّدات الخاصّة يبلغ 30 سنتاً. ويعني أيضاً أن هذه الزيادة ستؤدّي إلى رفع المعدّل الوسطي لفاتورة اشتراك المولّد إلى نحو 168دولاراً، فيما سيتراجع المعدّل الوسطي لفاتورة كهرباء لبنان إلى نحو 29 دولاراً شهرياً. ليصبح المعدّل الوسطي لمجمل ما تنفقه الأسرة على الكهرباء (من المولّدات الخاصّة ومن مؤسّسة كهرباء لبنان) نحو 197 دولاراً شهرياً.
2- وإمّا رفع تعرفة الكهرباء بنحو 77%، من 9 إلى 16 سنتاً كمعدّل وسطي لسعر مبيع كلّ كيلوواط/ ساعة في مؤسّسة كهرباء لبنان. وهو ما يعني أن المعدّل الوسطي لفاتورة الكهرباء من مؤسسة كهرباء لبنان سيرتفع بنحو 34 دولاراً شهرياً، أي من 44 إلى 78 دولاراً، وإنّما من دون أن ينخفض المعدّل الوسطي لقيمة فاتورة اشتراك المولّد والتي تبلغ نحو 96 دولاراً شهرياً. ليصبح المعدّل الوسطي لمجمل ما تنفقه الأسرة على الكهرباء نحو 174 دولاراً شهرياً. ذلك في حال لم تستخدم الزيادة الناجمة عن رفع التعرفة لاستقدام بواخر جديدة.
تطرح الحكومة خفض دعم أسعار الكهرباء في الموازنة العامّة تحت عنوان «إصلاح قطاع الكهرباء»، والذي يقضي بزيادة عدد المعامل لتحلّ محل المولّدات الخاصّة (تحتاج إلى أربع سنوات)، بالتوازي مع زيادة الجباية وخفض الهدر التقني وغير التقني، بالإضافة إلى الإجراء الأساسي وهو رفع التعرفة (المشروع قيد الدرس بين وزارة الطاقة والبنك الدولي) المثبّتة منذ عام 1994 حين كان متوسّط سعر برميل النفط لا يتجاوز 20 دولاراً، فيما وصل في عام 2018 إلى نحو 71 دولاراً. وفقاً للخطّة الوزارية ستزيد التعرفة من 9 سنتات إلى 27 سنتاً، في ثلاث سنوات، وهي تبقى أقلّ من معدّل سعر الكيلوواط/ ساعة لدى المولّدات الخاصة الذي يصل إلى 30 سنتاً.


في الواقع، تلجأ الحكومة إلى هذا الخيار تحت ضغط عجزها المالي لا بفعل الحاجة إلى الإصلاح، وهو ما يعبّر عنه تقرير بعنوان «لبنان عند نقطة تحوّل» صادر عن شركة «ميريل لينش» يشير إلى أن «إصلاحات الكهرباء (خفض الدعم) هي بمثابة القيام بالعمل الأسهل والأسرع الذي يدرّ عوائد كبيرة، نظراً إلى الخلافات التي قد تنجم عن محاولة إقرار إجراءات أخرى لتخفيض العجز المالي». وهذا قد يؤدّي إلى عواقب وخيمة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
فالمطروح في سياق برنامج التقشّف هو البدء من الحلقة الأضعف في الإنفاق العام أي دعم الكهرباء، لا من باب إصلاح برنامج الدعم إسوة ببلدان عدّة. على سبيل المثال، ألغت المكسيك سياسة دعم أسعار الكهرباء التي كان يستفيد منها كلّ المشتركين وحمّلتهم كلفة الإنتاج بالكامل، باستثناء المشتركين ذوي الاستهلاك المنخفض (الأسر الفقيرة)، لكن في المقابل، استخدمت الوفر المالي المُحقّق في المالية العامّة لتمويل إدخال الطاقة المُتجدّدة (الأقل كلفة) إلى المنازل وفي الزراعة والصناعة، أو مساعدة الأسر لاستبدال الأجهزة الكهربائية القديمة بأجهزة أكثر فعالية ولا تستهلك الطاقة كثيراً. وأيضاً خصّصت قسماً من الوفر لتقديم التغطية الصحّية الشاملة.
كذلك إن الغاء الدعم ليس مدروساً من ناحية تأثيراته الاجتماعية والاقتصادية، إذ ليس بمقدور الجميع تحمّل زيادة أسعار الكهرباء، وبالتالي سيتمّ حرمان الكثيرين منها أو دفعهم للتعليق أو رفع كلفة معيشتهم. تشير الأرقام إلى أن 43% من الاستهلاك يعود إلى اشتراكات دون الـ 500 كيلوواط/ ساعة. وهؤلاء بغالبيتهم من أصحاب الدخل الأدنى أو أصحاب المتاجر الصغيرة. وفي الحالتين، أي زيادة التعرفة أو زيادة التقنين واللجوء إلى المولّدات، سيتراوح معدّل قيمة ما ينفقه المشترك الواحد للحصول على الكهرباء، بين 14.5% و16.4% من المعدّل الوسطي للأجور في لبنان، بالمقارنة مع 11.6% كما هي الحال الآن قبل خفض الدعم.
من الواضح أن أثر إلغاء الدعم للكهرباء، وما يرتّبه من مضاعفة الأسعار، سيكون شبيهاً بأثر زيادة الضرائب على استهلاك الأسر، ولا سيّما أن زيادة أسعار الكهرباء مطروحة كإجراء تقشّفي يتعلّق بعجز المالية العامّة بعيداً من أي حساب اقتصادي واجتماعي. فالخطّة الموضوعة لن تؤمّن الكهرباء على مدار ساعات اليوم في عام 2022، في حين أن برنامج التقشّف يهدف إلى إلغاء كل الدعم للكهرباء بعد سنتين، أي نقل نحو 2500 مليار ليرة (ما يعادل 1.6 مليار دولار) من الموازنة العامّة إلى ميزانيات الأسر، وهذا المبلغ يفوق كلّ الطروحات الرامية إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة على سبيل المثال.