في زمن الانتخابات النيابية الذي تضّج فيه الآذان بالوعود من قبل المرشّحين لمقاعد تمثيل «الشعب»، تغيب الرياضة عن برامج العمل والخُطب. ذلك رغم أن هذا القطاع يضم فئة كبيرة من الشباب. علينا أن ننتبه هنا إلى أن أعمار الكثيرين من «أهل الرياضة» لا تسمح لهم بالاقتراع، وغالباً ليس لديهم ــ والحمد لله ــ أي شغف بالسياسة. لكن هذا، يجعلهم محط تجاهل «ممثليهم» المقبلين في المجلس النيابي. تجاهل «نسبي»، إذ إنه، وفي لحظة، قد تصير الملاعب الرياضية منصات للمرشحين، تُستغل للهجوم على لائحةٍ منافسة والأحاديث السياسية المعتادة.

تُقدّم الأحزاب السياسية والمرشحون عن المقاعد النيابية في لبنان رؤى سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤسساتية للمرحلة المقبلة، فيما تغيب وعود التنمية الرياضية ومشاريع ألعابها عن البرامج الانتخابية. وعلى الرغم من دخول عددٍ من المرشحين من ذوي الخلفيات الرياضية في معركة الوصول إلى مقعد نيابي، إلا أن حتى هؤلاء، لا يُعيرون الرياضات الاهتمام الكافي. تدور التساؤلات حول الأسباب التي لا تدفع المرشحين إلى «مخالطة» الرياضيين. يُشير البعض إلى معدّل الأعمار بين أعدادٍ كبيرة من متابعي الرياضة، الذين لا يتخطون السن القانوني للاقتراع، هو الأمر الذي «يُنفر» المرشّحين من الاهتمام بمطالبهم، طالما أن أصواتهم لن تعبد الطريق إلى المجلس النيابي. لكن هل يسمع هؤلاء النواب أو المرشحون شيئاً غير أصواتهم هم أنفسهم أصلاً؟ فلنبقَ في الرياضة. الشباب، غالبهم، يعتبرون أن الدولة لا تولي القطاع الرياضي تحديداً أي أهمية، من خارج السياسة. فلا حاجة للراغبين بالحصول على أكبر عددٍ من الأصوات الانتخابية بالاتجاه نحو الإدلاء بوعود مشاريع، قد لا تُطرح أساساً في المجلس النيابي. ويرى البعض أن لا شيء جديداً أو غريباً بعدم الالتفات نحو كرة القدم أو كرة السلة، اللعبتين الأكثر شعبية في البلد، خاصة هذه السنة، في ظل تراجعٍ كبيرٍ تشهده اللعبة الأخيرة، إنما المستغرب بحق، هو ندرة وجود مشاريع رياضية ضمن برامج المرشّحين الذين يتبوؤن مناصب في الأندية!

عددٌ لا بأس به من المرشّحين إلى الانتخابات يتسلّحون بخلفيات رياضية


عددٌ لا بأس به من المرشّحين إلى الانتخابات يتسلّحون بخلفيات رياضية. فلنبدأ العرض:
يستعين رئيس نادي الأنصار نبيل بدر، المرشّح في دائرة بيروت الثانية بخلفيته الرياضية في خطاباته، إلا أن برنامجه الانتخابي يكاد يخلو من مشاريع الرياضة. عند الإعلان عن اللائحة، بدأ بدر خطبته بالتذكير على أنه جلس سنوات طويلة على مدرجات الأنصار و«شارك الشباب همومهم». ويقول إن لائحته ستفوز بالمعركة الانتخابية، كما «فاز النادي الذي يترأسه بمسابقة كأس لبنان بكرة القدم». يستغل بدر هذه الخلفية الرياضية للتصويب على السياسة بشكل عام، ويتناسى المشاريع الرياضية التي كان يطالب الاتحاد اللبناني لكرة القدم ووزارة الشباب والرياضة بالعمل لأجلها. فهذه المشاريع لا تجلب الأصوات. بدر ليس وحده من ينطلق من الرياضة إلى السياسة، فرئيس نادي النجمة السابق عمر غندور، الذي كان «غريماً رياضياً» للنادي الذي يترأسه منافسه، استغل أيضاً تاريخه الطويل مع النادي صاحب الشعبية الأكبر على امتداد الوطن. غندور، الذي حمل علم النجمة على كتفه خلال إحدى إطلالاته الصحافية، وسط صيحات عدد من أنصار «النبيذي»، يبدو أنه يتعمّد عدم زج اسم النادي الذي ترأسه لأعوام طويلة في المعركة الانتخابية، «كي لا تتورّط الرياضة في أوحال السياسة اللبنانية». مثلهما رئيس نادي شباب الساحل الدكتور فادي علامة المرشّح عن دائرة بعبدا. هذا الأخير، على الرغم من تولّيه منصب نادٍ في حارة حريك، التي تضم نحو 25 ألف شخص، إلا أنه غاب عن الملاعب، حتى بعد تأهّل فريقه إلى الدرجة الأولى منذ أسابيع. ويُركّز علامة، المدير التنفيذي لمستشفى الساحل، على المواضيع الصحية والطبية والمشاريع الاقتصادية بشكل عام، أكثر بكثير من القطاع الرياضي، على الرغم من تطرّقه الدائم لموضوع إيجاد فرص عمل للشباب. بخلافهم يعمل الرئيس الفخري لنادي الراسينغ بكرة القدم، ميشال فرعون، الذي مهّد لحملته الانتخابية من خلال إطلالات خجولةٍ في الملعب وعلى الشاشة خلال مباريات فريقه. المرشّح عن المقعد الكاثوليكي في دائرة بيروت الأولى يستعين بالنادي الذي يدعمه بشكل مُلاحظ، إذ وعد بالمحافظة على إرث الأشرفية الرياضي، وبناء ملعبين في المنطقة، ودعم نادي الحكمة أيضاً.

(هيثم الموسوي)

من جانبه، آغوب ترزيان، المرشّح عن الدائرة الأولى في بيروت، والعضو السابق في اللجنة الإدارية لاتحاد كرة السلة، يصبّ تركيزه على قطاعي الزراعة والصناعة، وهو عضو سابق في تجمّع «صناعيي الغد»، إذ يُؤكّد أنه في حال نجح بالوصول إلى المجلس النيابي، فسيكون الهمّ الصناعي على رأس قائمة أولوياته، إلى جانب الشأن الرياضي، وهو كان قد كرّم سيدات نادي هومنتمن بعد فوزهّن بلقب كرة السلة، خلال حفلٍ أقامه في الأشرفية. أما الاسم الأبرز، فهو وليد قمر الدين، المرشّح عن دائرة الشمال الثانية. الرجل الذي كان لاعباً في فريق الرياضة والأدب ومنتخب لبنان بكرة القدم، ورئيساً لنادي طرابلس، يرأس حالياً أكاديمية رياضية، هدفها إبعاد الشباب عن العنف والمخدرات وتوفير فرص للناشئين والأشبال لاكتشاف وتطوير وبناء مهاراتهم الأساسية من خلال كرة القدم. فيبدو هو الأول الذي يشدد على أهمية الرياضة.
هذا كلّه في بيروت بشكل عام، أما في البقاع، حيث يوجد أكثر من 600 ألف ناخب في الدوائر الانتخابية الثلاث، فلا يبدو أن أحداً يولي اهتماماً بالقطاع الرياضي. هذه المنطقة التي لا يُمثلها في دوري الدرجة الأولى بكرة القدم سوى نادٍ واحد، وتغيب بشكل شبه كلّي عن كرة السلة، لا تجد داعماً للشباب والرياضة، على الرغم من المحاولات الفردية بتمثيل البقاع بين المناطق الأخرى. يقول رئيس نادي النبي شيت أحمد الموسوي لـ«الأخبار»، أن المشكلة الأساسية هي أن السياسيين لا يعتبرون أن الرياضة لها أهمية على صعيد المنطقة، وأن دورها محدود، وهم يفكّرون عكس الدول في الخارج، حيث ينطلقون من الرياضة إلى القطاعات الأخرى. ويعتبر الموسوي أن المرشّحين للانتخابات يُركّزون على مشاعر الانتماء الوطني لدى الناس وعلى أمورٍ حماسية غير موجودة في الرياضة، حتى أن مشاريعهم الاقتصادية للمنطقة التي تعيش وضعاً صعباً تكاد تغيب عن الخطابات. ويضيف أن النادي دائماً يطلب الدعم من السياسيين إلا أنه لا يلقى جواباً، متأسّفاً على الغياب الدائم، ولو أن المحافظ بشير خضر يُطالب أيضاً بدعم الأندية الرياضية، خاصة النبي شيت، الذي يمثّل وحده محافظة بعلبك ــ الهرمل، فيما تغيب الأندية الأخرى عن الدرجات الأولى والثانية والثالثة.


الملاعب منصّات المرشّحين


استطاع رئيس الحكومة سعد الحريري أن يرتدي ثوب اللاعب الحاسم، عندما وعد أهالي منطقة طريق الجديدة بعدم هدم ملعب بيروت البلدي، مؤكّداً على بقاء الملعب، الذي يُشكّل إرثاً وتاريخاً للمنطقة على الصعيد الرياضي بشكل خاص. هذا كان قبل زيارته للملعب الأسبوع الماضي، خلال احتفال «مهرجان دعم القدس»، الذي حضره برفقة الرئيسين تمام سلام وفؤاد السنيورة والوزير نهاد المشنوق. هناك، اكتفى الحريري بموضوع الحدث، حيث وُضعت آلاف الكراسي على أرضية الملعب التي اختفى عنها العشب. قبله كان الرئيس الفخري لنادي الراسينغ ميشال فرعون قد زار ملعب صيدا البلدي. ولا نعرف ما الذي فعله نائب الأشرفية في صيدا. ما نعرفه هو أن الجميع كان غائباً عن استحقاق منتخب لبنان في التصفيات التي تأهل عنها إلى كأس آسيا للمرة الأولى!