أنهى وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير «التمرين» الذي أجراه لإخراج الملف اللبناني من «حالة الجمود الخطر» بقرار بالعودة الى بيروت مجدداً، لأن مؤتمر سان كلو، الذي جمع ممثلي الموالاة والمعارضة، لم ينته الى نتائج عملية، وإنما شكل تكراراً ممجوجاً لمواقف الطرفين المعروفة من الاستحقاقات المقبلة.

لكن كوشنير حرص على أن يبدو سعيداً بالنتائج «الظاهرة» للقاء، معلّلاً النفس بأنه استطاع إعادة التواصل بين الفرقاء اللبنانيين وجمعهم في محيط هادئ ساهم في ترطيب الأجواء بينهم، وخصوصاً أن تنظيم الاجتماع راعى «الدمج بين الوفود» وتجنّب وضعهم في شكل «يرسم وضعية المواجهة السياسية» بين أكثرية ومعارضة.
وإذ فرض الفريق الفرنسي تعتيماً إعلامياً قاسياً على اللقاء، فإن ذلك لم يحل دون بعض التسريبات التي نقلت صوراً مختلفة، بحسب مصادرها المتنوّعة. ولكن الجو «كان ودياً» عموماً، حيث إن كل فريق قدم عرضاً وافياً لتصوراته ورؤيته لسبل الخروج من الأزمة خلال الدقائق المعدودة التي أتيحت له بشكل متوال ومنظم مسبقاً. وذكرت مصادر المجتمعين أن بعض الوفود لم يكتف بعرض تصوّر الحلول بل قدم «وصفاً لرزمة المشاكل» التي يغوص فيها لبنان.
وقالت هذه المصادر إن نوعاً من «التوتر الخفيف جداً» ظهر في اليوم الأول، لدى عودة الوفود الى الطاولة المربعة، وذلك نتيجة تلقي المجتمعين معلومات عن نشر مداخلة «التكتل الطرابلسي» في بيروت. ورغم تكذيبات المصادر الفرنسية ومعظم الوفود، فإن المصادر أكدت حصول هذا التوتر، وأن الجانب الفرنسي عمل سريعاً على الإحاطة به ومعالجته، وتم ترطيب الأجواء وتصفيتها.
وبحسب هذه المصادر، فإن «وفوداً من المعارضة رأت في هذا التوتر نوعاً من التباين في صفوف الأكثرية» وفسّرتها بأنها «تباين بسيط دار حول الخيار بين تفضيل الاستحقاقات أو العمل على سلة أوسع من الطروحات».
وقد لمّح وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، في مؤتمره الصحافي بعد انتهاء المؤتمر، إلى ذلك بقوله إن «الاجواء كانت متوترة نوعاً ما أحيانا في اليوم الاول وأكثر صفاءً في اليوم التالي لتصبح ودية أحياناً، وهنا أزن كلامي جيداً، وحتى اخوية».
وتناولت المشاورات في الجلسة الصباحية أمس النقاط التي تضمّنها «كنفا مسيرة النقاشات» التي وضعها مستشارو كوشنير، والتي تمحورت حول «تسهيل إنجاز الاستحقاقات الدستورية» عبر خلق مناخات مناسبة لها، ومنها تأليف حكومة وطنية، وصولاً إلى المحور الأساسي الذي يهتم به الفرنسيون وهو «مفهوم الدولة».
وفي معلومات لـ«الأخبار»، فإن الوزير مروان حمادة تحدث «عن تزامن تأليف الحكومة مع الاستحقاق الرئاسي» بينما تطرق النائب جواد بولس إلى «مسألة الضمانات الدولية الممكن الحصول عليها لأي اتفاق». لكن المعارضة ربطت موافقتها بـ«ضمانات» لم تحدد طبيعتها. وبدا أن مسألة «تأمين نصاب جلسة انتخاب الرئاسة» كانت في صلب مجمل مداخلات فريق الأكثرية.
وقالت المصادر إن «فريق الاكثرية هو من طلب الضمانات»، ومنها «ضمان عدم استقالة وزراء المعارضة وتأمين نصاب الاستحقاقات الدستورية». لكن فريق المعارضة رد مطالباً بضمانات مماثلة.
وقال كوشنير، في ختام المؤتمر الذي لم يصدر عنه بيان رسمي، «إنه لقاء غير رسمي»، مشيراً الى انكسار الجليد بين الأطراف اللبنانية. وقال «إن شمس فرنسا أذابت الجليد بين اللبنانيين»، مضيفاً أن الوفود أكدت «تمسكها بالدولة اللبنانية، ورفض الوصاية الخارجية وإعادة التمسك بالدستور وبميثاق ٤٣ وباتفاق الطائف، وبدعمها للجيش اللبناني وخاصة في الفترة الراهنة». وتابع «لقد التزموا بالتنفيذ الكامل لمكاسب الحوار الوطني في المرحلة الآتية، ووافقوا رسمياً على عدم اللجوء إلى العنف لأغراض سياسية وضبط النفس في التعبير الإعلامي».
وأكد كوشنير «إعداد ميثاق شرف إعلامي» لتخفيف حدة التوتر في لبنان، مشيراً إلى «أن النار اقتربت من البارود». واستطرد قائلاً «لا نريد أن يعاني الناس مرة جديدة، فلا شيء أسوأ من الحرب، وهناك أساس لإعادة بناء الوحدة التي نتطلع إليها وعلينا أن نحميها تفادياً للحرب». كما أشار إلى الاتفاق على «عدم عرقلة العملية الدستورية في ما يخص الانتخابات الرئاسية»، مضيفاً أن المؤتمر تطرق الى «البحث في تأليف حكومة إنقاذ وطني تمثل لبنان بكل مكوّناته». وأوضح «أنه لم يجر البحث في أسماء مرشحين للرئاسة ولا في توزيع حقائب وزراية».
وتطرق كوشنير إلى «مرحلة ما بعد اللقاء» وذكر بعض الترتيبات التي اتفق عليها في الاجتماع.
وقالت مصادر المؤتمرين لـ«الأخبار» إن من الترتيبات التي تم الاتفاق عليها أن يعود السفير جان كلود كوسران إلى بيروت يوم الأربعاء المقبل لـ«متابعة ما بدأ» في سان كلو. ومن المتوقع أن تتابع الوفود نفسها الاجتماعات في بيروت بعد العودة إلى مرجعياتها. وأشارت إلى «إمكان تواصل كوسران مع إيران كما حصل في مرحلة الإعداد للقاء».
وذكرت مصادر قريبة من الملف اللبناني أن لباريس وجهة نظر بالنسبة الى الدور المختلف الذي تضطلع به كل من دمشق وطهران. وشددت على «أن سياسة فرنسا لم تتغير بالنسبة الى سوريا».
ولكن كوشنير لم يستبعد أن يزور كوسران دمشق مستقبلاً ولكن بشروط، إذ قال رداً على سؤال بهذا الشأن: «إن كوسران مكلف بالاتصالات وقد زار طهران وسنرى إذا كان سيذهب إلى سوريا». غير أنه أضاف «يجب عدم قلب الدبلوماسية رأساً على عقب، وعندما نجد أنفسنا أمام أزمة يجب التحدث مع جميع الأطراف إذا كان ذلك يخدم سيادة لبنان واستقلاله». ورأى البعض في هذا أن «مطالب باريس من سوريا لم تتغير في ما يتعلق بالملف اللبناني».
وكشف كوشنير عن أن ممثل الجامعة العربية في باريس ناصيف حتي حضر اجتماعات سان كلو أمس، مشدداً على أن باريس تؤيد مبادرات أخرى مثل المبادرة السعودية. ولمح إلى إمكان أن يقوم كوسران بجولة على عواصم القرار في المنطقة.
وعن قضية الأسيرين الاسرائيليين لدى حزب الله، أكد كوشنير «أن ممثلي حزب الله أبلغوه بأن المفاوضات مستمرة عبر الأمم المتحدة وحققت تقدماً». وذكر بوجود «١١ ألف أسير عربي لدى إسرائيل» وأنهى جوابه قائلاً «فهمت أن الجنديين على قيد الحياة».
لكن مصدراً شارك في اللقاء أكد لـ«الأخبار» أن وفد حزب الله لم يبلغ كوشنير أي معلومات عن مصير الجنديين الاسرائيليين. وقال إن الوزير الفرنسي سأل عما توصل إليه ملف الاسرى فأكد الوفد له أن هذا الملف تتولاه الأمم المتحدة وأن التعنت الاسرائيلي هو ما يحول دون التوصل الى تبادل الاسرى، وأن فرنسا إذا كانت ترغب في القيام بدور في هذا الصدد فإن الحزب يرحّب به.
وقالت مصادر مطلعة إن كوشنير الذي وضع «سقفاً متواضعاً جداً للقاء» قد نجح في تحويل فكرة اللقاء الى «مبادرة فرنسية» لها «دينامية متابعة معروفة المسار» وخطوط واضحة.
وقال مصدر شارك في مؤتمر سان كلو لـ«الأخبار» إن المؤتمر لم ينته الى أي نتائج عملية أو الى مواقف جديدة مختلفة عن تلك السائدة في بيروت، وإن جُل ما انتهى إليه هو أن الموالاة أصرّت على طرحها القائل بأن انتخابات رئاسة الجمهورية هي المدخل الى الاتفاق على حكومة وحدة وطنية، وفي المقابل أصرت المعارضة على موقفها المتمسّك بتأليف حكومة وحدة وطنية مدخلاً الى الحلول المطلوبة للأزمة.
وأضاف المصدر أن اللافت في المناقشات كان إقرار ممثل «القوات اللبنانية» النائب جورج عدوان بأن الحكومة تعاني خللاً واضحاً في غياب الوزراء الشيعة عنها، مشيراً إلى أن كوشنير سينقل في زيارته المقبلة لبيروت نتائج مؤتمر سان كلو الى قادة الصف الأول للموالاة والمعارضة ويبحث معهم في الآفاق الجديدة للتحرك الفرنسي.
وقال مصدر آخر لـ«الأخبار» إن وفد «التيار الوطني الحر» أدى دوراً محورياً في المناقشات التي جرت وقد اعترف الجانب الفرنسي له بهذه المحورية. وأشار إلى أن الوفد وضع بعض الجسور بين المواقف مركزاً على وجوب تأليف حكومة إنقاذ تحول دون وقوع البلاد في الفراغ في انتظار الاتفاق على الرئيس الجديد للجمهورية، على أن تكون الضمانات التي يطلبها الجميع ضمانات مشتركة.
وأكد المصدر نفسه أن الجميع أقروا بوجوب دعم الجيش في المعركة التي بخوضها ضد «فتح الإسلام» وتطبيق القرار الدولي 1701 والتمسك بالدستور واتفاق الطائف وأن يتم تأليف حكومة وحدة وطنية وإنجاز الاستحقاق الرئاسي، وأن تؤلف حكومة إنقاذ تملأ الفراغ تمهيداً للبحث في مواصفات رئيس الجمهورية الجديد ومشروعه ورؤيته التي يجب أن تتضمن حلولاً للملفات الساخنة، وأن يكون ذا تمثيل شعبي وذا تمثيل مسيحي واسع.
وذكر المصدر أن وفد التيار الوطني الحر ساهم في معالجة سجال دار في جلسة مساء أول من أمس بين النائب أكرم شهيب ومسؤول العلاقات الدولية في حزب الله نواف الموسوي حول بعض المواقف التي طرحت في خلال المؤتمر.
إلى ذلك، استقبل الملك السعودي عبد الله امس في جدة، رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط يرافقه وزير الإعلام غازي العريضي. وأفادت وكالة الانباء السعودية «واس» أن البحث في اللقاء تناول الوضع في لبنان.