القاهرة | للمرّة الأولى منذ عدّة أسابيع، ظَهر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مُدافعاً عن سياسات نظامه الاقتصادية على هامش مشاركته في افتتاح عدّة مشروعات في قناة السويس. وجاءت هذه الزيارة، التي كانت تأجّلت غير مرّة حتى يجد السيسي الوقت المناسب مع انتهاء عطلته الصيفية في منطقة العلمين الجديدة، في وقت يتزايد فيه الوضع الاقتصادي تردّياً، لا سيما بعد رفض «صندوق النقد الدولي»، في ختام أشهر طويلة من المفاوضات مع الحكومة، إقراض مصر ما يتراوح ما بين 10 و12 مليار دولار، نتيجة تلكّؤها عن تنفيذ شروط عديدة طلبها الصندوق، في مقدّمها رفع الدعم بشكل كلّي أو تخفيض قيمة العملة فوراً، وفتْح الباب أمام الاستيراد من الخارج من دون قيود. ووجدت الحكومة صعوبة في تنفيذ هذه الشروط، لانعكاساتها الصعبة على أوضاع المصريين المعيشية المتدهورة أصلاً، في ظلّ وصول التضخّم بحسب المؤشّرات الرسمية إلى 15%، والنقص الحادّ في السلع المستوردة ومن ضمنها الدواء. كذلك، ترفض الحكومة تمسّك «النقد الدولي» بضرورة منع تعيين الموظّفين في الجهاز الإداري للدولة، لا سيما مع وجود عجز في قطاعات عديدة خلّفه إيقاف التعيينات الحكومية في السنوات الماضية. ولذا، بدأت الحكومة بالفعل مسار تعيين 30 ألف معلّم في وزارة التربية والتعليم نتيجة العجز الحادّ في أعداد المدرّسين، في مقابل تزايد أعداد الموظفين المُحالين على التقاعد في مختلف الوزارات والهيئات. والجدير ذكره، هنا، أن السلطات المصرية كانت التزمت بالمطلب المُشار إليه بعد حصولها على القرض الأول في عام 2016، إلّا أنها لم تَعُد قادرة على الاستمرار في تنفيذه في ظلّ تعطُّل مصالح عديدة بعضها يحقّق عوائد مالية للدولة.

ويأمل «النقد الدولي» أن تتمكّن الحكومة، في الفترة المقبلة، من الحدّ من عجز الموازنة، من أجل تسهيل عملية التعامل مع الصدمات، في وقت لا يزال فيه ارتفاع الدين العام محور خلاف بين الطرفَين، على رغم تأكيد السلطات قدرتها على الإيفاء بجميع التزاماتها، وعدم التخلّف عن السداد تحت أيّ ظرف. وتنشط الحكومة في التحصيل الضريبي بشكل متزايد في الفترة الحالية، مستهدِفةً فئات لم تكن تخضع للمحاسبة الضريبية مِن قَبل، في محاولة منها لتعزيز إيرادات ميزانية الدولة من الموارد الداخلية. إلّا أنها لم تقدّم، حتى الآن، رؤيتها إلى الصندوق بخصوص طريقة التعامل مع الديون، أو طبيعة الموارد التي ستُسدِّد من خلالها الاستحقاقات المالية التي تفوق الاحتياطي النقدي الموجود لدى البنك المركزي.

يأمل «النقد الدولي» أن تتمكّن الحكومة، في الفترة المقبلة، من الحدّ من عجز الموازنة


وبخصوص سعر صرف الجنيه، وعلى رغم وصول نسبة هبوطه منذ آذار إلى أكثر من 23%، إلّا أن الحكومة تُتابع عملية تخفيض قيمته ضمن اتّفاقها مع «النقد الدولي» على تنفيذ عدّة سياسات إصلاحية في مقدّمتها تحويل سعر الدولار الجمركي ليكون سعراً يومياً وليس شهرياً، بالإضافة إلى توفير مرونة صعوداً وهبوطاً لقيمة الجنيه خلال الفترة المقبلة، ولكن بشكل تدريجي كما طلبت مصر، الأمر الذي يرى الصندوق أنه ستكون له تداعيات سلبية في ظلّ تأخُّر الوصول إلى السعر العادل. أيضاً، تجتهد الحكومة حالياً في تسريع وتيرة عمل القطاع الصناعي، عبر محاولة حلحلة المشكلات التي تُواجهه، والتغلُّب على معوّقات تنفيذ الاستراتيجيات التي أُطلقت بخصوصه في الفترة الماضية، بالإضافة إلى السعي لتلبية الطلب المتزايد على المنتَجات من خلال الصناعات المحلية بدلاً من الاستيراد.
وفي خضمّ الانتقادات التي تُواجه النظام، ظهر السيسي مدافعاً عن سياساته الاقتصادية، في وقت تلوح فيه بوادر الإعلان عن صفقة سلاح جديدة تصل قيمتها إلى 5 مليارات يورو، ويستمرّ الاقتراض بأرقام ضخمة لتنفيذ مشروعات للنقل مع شركات «سيمنز» الألمانية، وتُواصل الدولة بيع أصولها للمستثمرين الخليجيين، وآخرهم «الصندوق السيادي القطري» الساعي للاستحواذ على حصّة في «الشركة المصرية للاتصالات»، المُشغِّل الوحيد لخدمة الهواتف الأرضية. وإذ اتّهم السيسي معارضي مشاريعه بأنهم يسعون للتشكيك في «الإنجازات» التي يحقّقها النظام بهدف إشاعة حالة من اليأس، فقد حضّ المصريين على تحمُّل الظروف الصعبة، لافتاً إلى أن زيادات الأسعار كانت لتكون أكثر ممّا سُجّل، لكن الدولة تدخّلت من أجل توفير السلع بسعر عادل. واللافت أن غالبية المشروعات التي دافع السيسي عن سرعة تنفيذها، ومن بينها التفريعة الجديدة لقناة السويس بالإضافة إلى القطار السريع، لم تُحقّق عائدات جدّية، بينما يتواصل الإنفاق بشكل كبير على مشاريع أخرى من بينها العاصمة الإدارية، وتُطرح أراضٍ جديدة للبيع للمصريين في الخارج من أجل جمع المزيد من العملة الصعبة. صحيح أن تحويلات المصريين في الخارج لا تزال تتدفّق بشكل جيّد حتى الآن، إلّا أن ما تحتاجه الحكومة أكبر من المتوفّر، وهو ما يدفع نحو الاستدانة عبر طرح سندات بفائدة مرتفعة، بالإضافة إلى تسريع وتيرة الاقتراض من دول في آسيا على وجه الخصوص، من أجل ضمان سداد القروض والسندات السابقة.