أعلن رئيس نقابة المعلمين في المدارس الخاصة رودولف عبود، أخيراً، أن عدد المعلمين المصروفين في العام الدراسي 2019 - 2020 لم يتجاوز الـ 3000 من أصل 58 ألفاً، مناقضاً بذلك ما ذكره سابقاً، في مقابلة تلفزيونية، بأن النقابة أجرت مسحاً لـ 360 مدرسة خاصة (من أصل 1600 مدرسة)، تبيّن بنتيجته وقف عقود 1400 معلّم، 300 منهم صُرفوا فيما أُجبر الباقون على الاستقالة.

قراءة أولية لأرقام النقيب تُظهر أن عيّنة المدارس التي مسحتها النقابة تمثل أقلّ من ربع المدارس الخاصة، ما يعني، بالنسبة والتناسب، أن نحو 6 آلاف معلّم انتهت عقودهم في 1600 مدرسة، وأن عدداً لا بأس به منهم تحوّلت عقودهم من الملاك إلى التعاقد بالساعة.
وفي مقابلة أخرى، أشار عبود إلى أن 70% من المعلمين لا يتقاضون رواتبهم كاملة، وأن إدارات المدارس تحسم من رواتبهم نسباً تتجاوز أحياناً 50% من دون الدرجات المقرّرة في قانون سلسلة الرتب والرواتب.
ومعلومٌ، وفق القوانين الدولية واللبنانية، أن خفض الراتب من دون موافقة الأجير هو نوع من أنواع الصرف التعسفي. ويعود خفض رواتب 70% من المعلمين إلى سببين: الأول خفض عدد ساعات التدريس، والثاني إشراك المعلمين عنوةً في دفع الفاتورة التشغيلية للمدرسة. وفي الحالتين هناك بطالة مقنّعة. إذ تمثل هذه الـ 70% نحو 40 ألف معلّم يتقاضى بعضهم رواتب في «المناسبات»، وعلى دفعات غير متزامنة. كما يبدو واضحاً للأهل أن غالبية المواد الإجرائية، كالفنون والرياضة والتكنولوجيا والمواد العملية الأخرى، أُلغيت بمعظمها من المنهاج والتدريس عن بعد وتوقفت حصصها، وبالتالي توقّف معلموها عن العمل.
يسعى النقيب إلى التقليل من حجم الكارثة بالتأكيد أن عدد المصروفين من التعليم الخاص أقل بكثير من رقم الـ 10 آلاف الذي جرى احتسابه سابقاً في دراسة تحليلية (راجع «الأخبار»، «كورونا يزيد النزوح الى التعليم الرسمي: هل من خطة للعام المقبل؟»، 25 نيسان 2020) ، فيما هو في الواقع يزيد عنه. وتكمن المشكلة الأساسية في غياب الأرقام وفي التستّر على الأرقام الحقيقية، أو التأخر في إعلانها نتيجة الأزمة الصحيّة. فالنشرة الإحصائية للمركز التربوي للبحوث والإنماء تأخّرت شهرين عن موعد صدورها، لذا لا نعرف العدد الفعلي للتلامذة المسجّلين في المدارس الرسمية والخاصة، ولا حجم النزوح الحقيقي ولا العدد الفعلي للمعلمين المسجّلين في المدارس كافة، ولا حجم الصرف أو الإقالات القسرية.
الدراسة أظهرت أن نحو 150 ألف تلميذ سينزحون من القطاع الخاص إلى القطاع الرسمي، وتحدثت عن تأثيرات أخرى على صندوق التعويضات والقدرة الاستيعابية للمدارس الرسمية بسبب الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا.
لكنّ الجهات الرسمية والنقابية والمؤسسات التربوية ومعظم الأهالي والمؤسسات الأممية والدولية تعاطوا مع الموضوع بدفن الرؤوس في الرمال، وباعتماد «التسكيج»، من دون اتخاذ أي تدبير استباقي لما سيؤول إليه العام الدراسي المقبل. واقتصر الأمر على سدّ بعض الثغر ونكران الوقائع وتغييب السياسات وعجز المؤسسات وفشل الوزارة وتجزئة المشكلة.
المدارس الخاصة اعتمدت هي الأخرى سياسة التقليل من حدة الأزمة، وبالتالي تأجيل انفجارها شعبياً، وساعدت في ذلك الدول المانحة (فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا) بالاتفاق مع وزارة التربية والنقابات والمؤسسات التربوية والسياسيين، فأرجأت الأزمة ووزّعت نتائجها على قطاعات مختلفة، المعلمين المتعاقدين في الرسمي، حيث تقلّصت ساعات التدريس بشكل كبير، ووزعت تكلفة الإنترنت على المعلمين، كما قدمت الدول المانحة والمؤسسات الدولية مساعدات مالية مباشرة للمدارس والتلامذة لإبقائهم في المدارس. اللاعب غير المحتسب في هذه المعادلة كان الهجرة، ولا سيما عائلات شابّة بأكملها وصلت أعدادها إلى عشرات الآلاف، ما سيغيّر أرقام المسجّلين في المدارس ولا سيما الخاصة بشكل دراماتيكي، وبالتالي من المتوقّع في العام المقبل أن ينخفض عدد المسجّلين في التعليم الخاص ويزيد عدد المعلمين المصروفين، وانفجار الأزمة المؤجّلة بشكل أعنف نتيجة تراكم الأزمات على المستوييْن المالي والاقتصادي. وبطبيعة الحال، سيتبع ذلك سحب أموال التعويضات من الصندوق مع انعدام فرص العمل والدخل للقطاعين الخاص والمتعاقدين في الرسمي. فالأزمة الصحية على ما يبدو باقية حتى منتصف العام الدراسي المقبل 2021/2022 والتدابير الاستباقية عبارة عن دفن الرأس في الرمال وإخفاء الأرقام واللعب على الكلام والوعود.

* باحث في التربية والفنون

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا