عمان ـــ نوال العلي


عندما يتحدث مخرج سينمائي في السياسة ويحاول التأثير فيها، تكون السينما حقّقت هدفها غير المعلن: استخدام لعبة الواقع لهزيمته. وهذه حال كوستا غافراس، السينمائي الذي تناول القضيّة الفلسطينيّة في Hanna K، وهو صاحب الثلاثيّة السياسية الشهيرة «الاعتراف» وZ و«حالة حصار»، الذي لم يتردد في اختبار سينما أخرى، هوليوديّة النزعة، تبحث عن الانتشار والترفيه. لكنّه بقي في كل مراحله، يمارس حالةً نادرةً من الحرية التي تُقصي المسلّمات السياسية، برؤية متململة ومتأملة تنأى بنفسها عن الوصفات الجمالية المستهلكة.
في لقاء مع المخرج الفرنسي في عمّان، يشبّه غافراس الصراع العربي الإسرائيلي بالجرح المفتوح على العالم، بمرض حقيقي يتفشّى ويُعدّ تنظيم «القاعدة» أحد تمثّلاته. يؤكد غافراس على أنّ حل القضية الفلسطينية يكمن في التعايش بين العرب والإسرائيليين، مبيّناً أنّ «امتناع الحكومة الإسرائيلية عن الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في دولة، يولّد وضعاً يائساً يؤدي إلى التطرف الذي نشهده اليوم».
وعاد غافراس بذاكرته إلى عام 1983 عندما أخرج فيلم Hanna K، متحدّثاً عن العمل الذي شكّل يومها حدثاً سياسياً وفنّياً كبيراً، إذ غاص في شعاب المعاناة الفلسطينيّة، محاولاً أن يكون موضوعياً في طرحه لوجهة نظره التي لم تخلُ من التعاطف مع الفلسطينيين. تدور أحداث الفيلم، الذي أدّى بطولته الممثل الفلسطيني الأصل محمد البكري، حول الفلسطيني الذي يسعى إلى تأكيد حقه التاريخي في المكان، وتتضامن معه محامية إسرائيلية تقف في وجه السياسة الإسرائيلية السائدة وحتى قناعة زوجها الصهيوني النزعة.
وعلى رغم أنّ غافراس ينفي هذا الأمر، إلا أنّه تعرّض لحملة عنيفة من الأوساط الصهيونية في أوروبا وأميركا بسبب فيلمه، ما دفعه إلى إخراج فيلم «صندوق الموسيقى» (1989)، الذي اعتُبر يومها اعتذاراً غير مباشر لـ«اللوبي الصهيوني»، إذ تناول المحرقة النازية لليهود. يقول غافراس «لم أخضع لأي تهديدات أو ضغوط، وقمت بعمل فيلم «حنة ك» وأنا مقتنع بضرورته وأهميته، ولم أنقطع عن الإخراج بعده، بل أنتجت فيلمين وصولاً إلى فيلم «صندوق الموسيقى» الذي تناول الهولوكوست...». ويلفت غافراس إلى أنّ المحرقة بالنسبة إلى الأوروبيين مسألة ذات خصوصية شديدة، «لم أتوصّل حتى الآن إلى فهم كيف يمكن دولة كألمانيا انبثقت منها حركات التنوير، أن تُقدم على مثل هذه المحرقة التي شاركت فيها غالبية البلدان الأوروبية». وهنا يرى أنّ «العنصريّة» التي أدّت إلى الـ«هولوكوست»، تتنامى في الغرب ضدّ العرب، وتقترب في بعض سماتها من اللاساميّة التي سبّبت المحرقة آنذاك.
ويقول غافراس الذي يعمل الآن على فيلم «الجنة في الغرب» متناولاً العالم الحديث وحاجات الإنسان المعاصر: «لو كنت سأُخرج الآن فيلماً عن الصراع العربي الإسرائيلي، فلن يكون شبيهاً أبداً بفيلم «حنة ك»، إذ كان هدفي في ذلك العمل التأكيد على حق الفلسطينيين في الدولة. أما الآن فالحق معترف به، لكن لا تتوافر آليات واضحة لتطبيقه، بل إن الفلسطينيين مضطهدون الآن أكثر مما مضى». لا يعتبر غافراس أنّ هناك هيمنة لنمط سينمائي أو دولة معيّنة على عالم السينما... بل يذهب إلى أنّ فن السينما في الدول النامية أثبت حضوره، مستشهداً بفوز المخرج الروماني كرستيان مانجو في «مهرجان كان السينمائي» الأخير عن فيلم «أربعة أشهر وثلاثة أسابيع ويومان». ويعتبر أنّ سرّ فوز الفيلم يكمن في طاقة الشباب في تلك البلاد، ورغبتهم في إثارة الأسئلة.
لا يرى صاحب Missing وجوداً لما يسمّى «سينما يسارية»، بل يعتبر أنّ السينما إما تعليمية تثقيفية، أو ترفيهية، علماً أنّه اختار العديد من مواضيع أفلامه تبعاً لعلاقته مع الحركات السياسية والثورية اليسارية، والقضايا السياسية المرتبطة بها، حتى إنّه يعتبر أن لا زمن يحدّد الأفلام السياسية مستشهداً بفيلم «سيدي العقيد» الذي يتحدث عن التاريخ الجزائري الفرنسي، «لكنّه من حيث لا يدري يعالج المسألة العراقية اليوم». ويضيف: «الديناميّة الاستعمارية واحدة، تبدأ بالاضطهاد والاحتلال والتنكيل وانتهاك حقوق الإنسان، وكلها سياقات تنتج منها تيارات المقاومة المختلفة».
وفي ما يتعلق بالسينما العربية، يوضح غافراس أنّ ثمة قدرات كامنة لدى المخرجين العرب لم تُستغلّ بعد. وبينما يؤكد أن لا وجود لصناعة الأفلام من دون قرار سياسي، يشير إلى إعجابه بنجاح السينما الفلسطينية واللبنانية التي تعتمد غالباً على الجهد الفردي. فالسينما الجزائرية ـــ على حد قوله ـــ نشأت بعد أربعة أعوام من الاستقلال، حين أعلن الرئيس الجزائري يومها هواري بومدين ضرورة قيام صناعة فيلمية جزائرية... وكذلك الحال بالنسبة إلى السينما الفرنسية التي شقّت طريقها بعدما أعلن ديغول ضرورة الاهتمام بالفنّ السابع. ويعزو غافراس حضور السينما الأميركية القوي إلى وجود قرار سياسي يقف خلفها، مشيراً إلى أنّ القضايا الاجتماعية التي كانت تعنى بها حتى منتصف القرن الماضي هي ما يشغل السينما الأوروبية اليوم فيما لم تعد لها المكانة نفسها في هوليوود.
وحول دخول التكنولوجيا الرقمية عالم السينما، يعتبر غافراس أنّها فرصة ذهبية أمام الدول النامية، لتقدم أفلاماً تحمل وجهة نظرها إلى العالم وتدخل في صناعة الصورة.