أُحيطت صفقة بيع نظمي أوجي أسهمه في شركة «انترا» لرجل الأعمال عبد الله تماري بالسرية شبه التامة بعيداً عن أعين الزعامات التقليدية المسيطرة على هذه الشركة، ما سيرتّب مفاعيل سياسية واسعة في إطار ما يعدّ «تعدّياً» على توزيع الحصص بين الزعماء اللبنانيين، إذ إن «انترا» تقع ضمن حصّة الرئيس نبيه برّي، وفق ما يروي المطلعون على تفاصيل الصفقة.


وبحسب المعلومات المتداولة في السوق، فإن نظمي أوجي باع حصّته في شركة «انترا» بسبب ضائقة مالية وبعد إغراء كبير من المشتري الذي قدّم له عرضاً «لا يمكن رفضه» على حدّ قول المطلعين. أوجي كان يحمل 1.6 مليون سهم في «انترا» أي ما يعادل 14% من أسهمها بقيمة فعلية للسهم كانت تقدّر قبل إتمام الصفقة بنحو 22 دولاراً للسهم الواحد، أي بقيمة إجمالية تبلغ 35.2 مليون دولار. لكن السرية التي أحاطت بالصفقة منعت الإفصاح عن قيمة المبلغ علماً أن المتداول في السوق أن تماري دفع أكثر من 35 دولاراً ثمناً للسهم الواحد، أي بزيادة عن السعر السوقي بنسبة 60%، ليبلغ حجم الصفقة 56 مليون دولار.
غير أن مصادر سوقية قالت إن قيمة الصفقة كانت أكبر وإلا لما كان أوجي باع هذه الأسهم التي يملكها منذ أعوام عندما اشتراها من دولة الكويت بمبلغ تردّد أنه يبلغ 22 مليون دولار رغم أن شكوكاً واسعة أثيرت حول رقم الصفقة وطريقة إتمامها والعمولات التي دفعت على هامشها.
بالنسبة لـ«إنترا»، إن حساسية تملّك عدد كبير من الأسهم هو أمر يندرج ضمن مخطط الدخول إلى مصدر القرار فيها. فهذه الشركة مملوكة على النحو الآتي: 35% من الأسهم يحملها مصرف لبنان، 10% من الأسهم للدولة اللبنانية، 14% كان يمكلها نظمي أوجي وانتقلت اليوم إلى عبد الله تماري، 8.55% لشركات مختلفة، 4.5% لأفراد كويتيين، 4% لبنك الكويت.
هذا يعني أن أكبر المساهمين في الشركة هم مصدر القرار، وبالتالي فإن أي تحالفات أو خصومات بين الثلاثة الأكبر سترتب ربحاً أو خسارة سياسية. فما هو معروف اليوم أن مصدر القرار هما مصرف لبنان والدولة اللبنانية ممثلة بوزارة المال اللذان يملكان وحدهما 45% من الأسهم، لكن أي تحالف من الباقين، وهم يمثّلون جهة سياسية واحدة، ستكون له تداعياته على صاحب القرار السياسي في لبنان والذي يفرض على مصرف لبنان ووزارة المال «بالمونة والعرف» كلمته. هذا الوضع السيئ قد يمثّل مصدر خشية لدى بري، لكن الأسوا أن يكون مصرف لبنان وتماري وباقي الجهات ضدّه بوصفهم يميلون أكثر إلى 14 آذار.
وطبيعة هذه الملكية مختلفة نظراً الى أن القرار السياسي الذي يدير هذه الأسهم هو «عرفاً» بيد الرئيس نبيه بري، ما يمثّل حساسية زائدة على قياس صفقة شراء تماري حصّة أوجي. فهذه الشركة هي إحدى ركائز مثلّث الشركات التي يملكها مصرف لبنان: «انترا»، «ميدل إيست»، «كازينو لبنان». هذه الشركات الثلاث هي أحصنة سياسية مقسّمة بدقة بالتراضي بين أكبر 3 طوائف في لبنان وزعمائها، وبقيادة مايسترو واحد هو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. ففيما وهبت شركة طيران الشرق الأوسط لزعيم تيار المستقبل رفيق الحريري، جاءت حصّة زعيم حركة أمل في شركة «انترا»، وحصّة الكازينو منحت لمن يفترض أن يكون الزعيم المسيحي، أي رئيس الجمهورية، لكن التيار الوطني الحرّ ينافس عليها أو على صياغة القرار فيها حالياً.
لكن الدور السياسي الذي تلعبه «انترا» بني على قاعدة تجارية ــ استثمارية مؤلفة من طابقين؛ الطابق الأول هو أنها ممر إلى كازينو لبنان الذي تملك من أسهمه 53%. أما الطابق الثاني فهو أنها شركة عقارية نائمة تملك لائحة أصول واسعة جداً مثل مبنى اللعازارية واراضي في المونتيفردي و«في كل مناطق لبنان» يقول المطلعون.
لكن حدود «انترا» لا تقف هنا، فمن أبرز ملكياتها حصّة 98% من أسهم بنك التمويل الذي يعدّ محسوباً مباشرة على الرئيس بري، فضلاً عن ملكيتها أسهماً في بعض الشركات الفرنسية.
وفيما كان أوجي رجل أعمال عراقياً تحوم تساؤلات حول مصدر أمواله، فإن تماري رجل أعمال «عتيق» في السوق العربية ويملك حصّة في البنك العربي وهو ممثل في مجلس الإدارة من خلال ابنه وهبة تماري، لكنه متحفظ في ظهوره وهو صديق قديم لمؤسس «انترا» المرحوم يوسف بيدس.
ووفق المعلومات المتداولة في السوق، فإن تماري يسوّق بأن هدفه السيطرة على القرار في الشركة وقد أبلغ عدداً من غرف الوساطة لدى المصارف أنه يعتزم شراء أي سهم لـ«انترا» مطروح للبيع في السوق مهما كان السعر، وهو الأمر الذي سبب مباشرة ارتفاع مبيع هذا السهم من 22 دولاراً إلى 30 دولاراً.
ولا تعدّ أنصبة الارباح في انترا مغرية جداً لهذا الاستثمار، فهي شركة «نائمة» منذ عام 1992 وتعتمد أرباحها على أنصبة الأرباح التي يوزّعها الكازينو لحاملي الاسهم (تحمل انترا 367 ألف سهم كل سهم نصيبه 25 دولاراً) وعلى بعض الإيجارات لبعض المباني. وقد وزّعت «انترا» أنصبة أرباح للمساهمين على النحو الآتي: في عام 1977 وُزّعت 1.50 ليرة عن كل سهم، وفي 1979 وُزّعت ليرتان عن كل سهم، وفي عام 1981 وُزعت 1.75 ليرة عن كل سهم، 1250 ليرة عن كل سهم عام 2008، ومثلها في عام 2009، و1350 ليرة عام 2010 ومثلها في الأعوام 2011 و2012.
والمشروع الوحيد الذي تقوم به الشركة حالياً هو مشروع «رومية» الذي يمتد على مساحة 820 الف متر مربع وتصل كلفته إلى 400 مليون دولار، وقد تردّد أن المشروع «فُرض» على الشركة من «فوق» لأنه لم يعرض على مجلس إدارتها بل أرسل من مصرف لبنان للتنفيذ.