يوماً بعد آخر، يأخذ «عدّاد» كورونا شكلاً يؤشّر إلى الواقع الذي تسير نحوه البلاد. المؤشرات التي يحملها التقرير اليومي لا تتوقف عن الصعود، وإن كانت حتى هذه اللحظة لا تزال «تحت السيطرة»... ولكن «ليس إلى وقتٍ طويل». هذا ما يقوله المتابعون وما تبيّنه بعض الأرقام، وفي مقدمها نسبة إيجابية الفحوص التي بدأت بـ0,8% مع وصول متحور «دلتا»، ووصلت أمس إلى حدود 2,7%، وهي مرشحة لمزيد من الارتفاع. أضف إلى ذلك انتقال الـ«دلتا» من خانة «الوافدة» إلى «المحلية»، ما يعني تفشّي الفيروس. وهو ما أشارت إليه نتائج الفحوص في مختبرات الجامعة اللبنانية لناحية وصول المتحوّر إلى معظم المناطق. وإذ يعوّل المعنيون على تسريع مسار التلقيح للوصول نحو المناعة المجتمعية، إلا أن ذلك لا يُعفي حتى الآن من الوصول إلى السيناريو - الكارثة، في حال بقيت الإجراءات على ما هي عليه. ولعلّ أسوأ ما قد يتسبب به هذا الأمر هو ما قد يحصل في القطاع الاستشفائي. والسؤال هنا: كيف سيكون واقع هذا القطاع في ما لو انفلشت «دلتا»؟

الجواب الأقرب إلى مخيلة العاملين والمعنيين بالقطاع أنه «لن يكون بخير». هذا ما يقوله نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة في لبنان، سليمان هارون. صحيح أنه لا يُبدي قلقاً كبيراً حتى الآن، إلا أن ما يحدث في الأرقام اليومية للفيروس لا يعني أن «نسترخي»، لافتاً إلى أن غالبية المستشفيات أقفلت أقسام «كورونا»، من دون أن يعني ذلك أن «كل شيء انتهى». ينطلق هارون من تجربة شخصية في المستشفى الذي يديره، والذي يضم «6 أسرّة امتلأت خلال يومين». صحيح أنه المستشفى الوحيد في المنطقة الذي أبقى على قسم «كورونا»، إلا أن للأمر دلالة بأن «في شي عم يحرك تحتنا». وهو ما يؤكده رئيس لجنة الصحة النيابية، الدكتور عاصم عراجي، لناحية أن «الوضع في حال تفشي الفيروس مجدداً سيكون صعباً للغاية». تستند هذه الآراء إلى تحديات تجعل من الصعب استيعاب ما قد يحصل، خصوصاً أن المستشفيات صارت «في مكانٍ آخر بعيد عن المطرح يللي كنا فيه قبل في المراحل السابقة من التفشي»، بحسب الدكتور فادي الجردلي، رئيس قسم السياسات الصحية والإدارة في كلية العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت. ومعنى ذلك أن المستشفيات ستكون أمام مواجهة غير متكافئة بين تأمين الخدمات الطبية وأكلاف الأزمة الاقتصادية التي زادت أضعافاً في الآونة الأخيرة.

1600 ممرّض وممرّضة ونحو 2000 طبيب هاجروا أو ينتظر بعضهم «الفيزا»


يعدّد القيّمون على القطاع والعاملون فيه تلك التحديات التي تبدأ بأزمة مستحقات المستشفيات لدى الجهات الضامنة وهي لم تعد تُسمن أو تغني عن جوع، إلى الهجرة المستمرة للأطباء والممرضين والعاملين الصحيين، مروراً بنقص الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، وليس انتهاءً بأزمتَي المحروقات والأوكسيجين لناحية توفّرهما وكلفتهما.
في المقام الأول من الأزمة، لا تزال للمستشفيات مستحقات في ذمة الجهات الضامنة لم تُصرف إلى الآن. وبغضّ النظر عن الأرقام، فإن تلك المستحقات فقدت قيمتها، خصوصاً أنها لا تزال «تُحرّر» على أساس سعر الصرف الرسمي، في ظل ارتفاع أسعار المستلزمات الطبية وأكلاف المحروقات.
والخوف المضاعف الذي يرافق العودة المفترضة للفيروس، يكمن في أمرين أساسيين: انقطاع التيار الكهربائي ونقص الأوكسيجين، وهما مرتبطان بأمر واحد: توفّر مادة المازوت. يشير هارون إلى أن مادة المازوت «على القد، كل يوم بيومه». إلا أن ثمة خوفاً من تفاعل الأزمة، خصوصاً أن لذلك تداعيات سلبية على الحالات التي تستدعي استشفاء، ولا سيما في غرف العناية الفائقة، حيث «يستلزم الأمر توفّر الكهرباء والأوكسيجين بشكلٍ دائم»، يضيف عراجي. وفي هذا السياق، يلفت أحد أصحاب معامل الأوكسيجين إلى أن «الوضع اليوم لا يزال تحت السيطرة. لكن هناك خشية من الوصول إلى الذروة، والسبب شائك هنا: وإذا كان في الإمكان توفير مادة الأوكسيجين إلا أن المستشفيات غير جاهزة لتسلّمها وفق الأسعار الحالية التي زادت أضعافاً بسبب زيادة الأكلاف». من هنا، فإن «الباب مفتوح على كل الاحتمالات، خصوصاً من الناحية الاقتصادية والمادية».
وليس بعيداً عن «اللوجستيات»، يتخوّف المعنيون من الهجرة الكثيفة للأطباء والممرضين. تشير أرقام نقابة الممرضات والممرضين إلى أن عدد من هاجروا إلى الآن يقارب الـ1600 ممرّض وممرّضة، يضاف إلى ذلك نحو 2000 طبيب هاجروا أو ينتظر بعضهم «تأشيرة السفر»، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات الطبية ونوعيتها. وما يزيد الطين بلّة صعوبة سدّ النقص «خصوصاً أن من هاجروا هم من الكادر الذي يكون عادة في موقع المسؤولية»، على ما يقول الجردلي. وهذا قلق إضافي، لأن معظم من عملوا في الأقسام الخاصة بكورونا باتوا في بلاد أخرى. أما خلاصة كل تلك التحديات، فهو أن «بعض المستشفيات لن تكون قادرة على الاستمرار في العمل»، يقول الجردلي.