مناعة القطيع، كمفهومٍ وبائيّ، يُطلق لوصف الحالة المناعية لدى سكان بلدٍ معيّن تجاه عدوى محدّدة. ويصبح المفهوم أمراً واقعاً في حالتَين: أولاً، إذا أصيب سكّان بلدٍ ما وشفوا وكوّنوا أجساماً مضادة لمرضٍ ما، فينتفي دورهم كناقلين للعدوى. وثانياً، بعد إيجاد لقاح فعّال. وتبسيطاً، لا يمكن لفرد يعيش في بلدٍ يتمتّع بنظام صحّي متوسّط الحال، مثلاً، أن يصاب بمرض الحصبة، لكونه ملقّحاً بالطُعم ضدّ هذا المرض. لذا، يصبح وجود شخص مصاب بالحصبة وغير ملقّح مسألة لا تشكِّل أي خطر على الآخرين. يشار إلى هذه الحالة بـR0 أو R-naught، وإذا كانت الأخيرة تساوي صفراً، فذلك يعني أن المصاب لا ينقل المرض إلى أيّ شخص.

بحسب موقع «ساينس ألرت» scienceAlert العلميّ، فإن مرض النكاف (أبو كعب)، مثلاً، لديه القدرة على نقل الإصابة بنسبة R 10-12، أي إن المصاب الواحد، يمكن أن ينقله إلى 10 أو 12 شخصاً. ولتأمين مناعة ضدّه ومن دون لقاح، ستكون هناك حاجة إلى أن يصاب 92% من سكان بلدٍ معيّن بهذا المرض ليتوقّف انتقال الوباء. وهذا هو تحديداً مفهوم مناعة القطيع من دون لقاح.
تعتبر نسبة انتقال العدوى R-naught غير ثابتة؛ فالـ R-naught لفيروس «سارس-كوف-2»، بحسب منظمة الصحة العالمية، كانت، بدايةً، بين 1.4 و2.5، إلا أن المنظمة عادت ورفعت النسبة إلى 3.28. لكن تلك النسبة تتغيّر من بلدٍ إلى آخر. وتعتمد دولٌ مثل بريطانيا وإسبانيا وفرنسا هذا المفهوم. واستناداً إليه، يتقرّر فتح البلاد من عدمه: تُفتح البلاد لدى انخفاض نسبة انتقال العدوى إلى ما دون الواحد، وتعود إلى الإغلاق لدى ارتفاعه مجدداً. غير أن نتائج الدراسات الحديثة في فرنسا بيّنت أن نسبة المصابين بـ«كورونا» بلغت 4.4% من مجموع السكان، ما يعدُّ أوضح دليل على أن اعتماد سياسة مناعة القطيع من دون لقاح خاطئة، فضلاً عن أنها لن تأتي بالنتائج المرجوّة. والخوف هنا، أن تلك النسبة الصغيرة كانت كفيلة بإرهاق النظام الصحيّ وإمطار المرافق الطبية بالحالات الخطيرة، ويمكن تخيّل ما ستفعله سياسة مناعة القطيع من دون لقاح، في حالة اعتمادها بشكل واسع.

لا يمكن مناعة القطيع أن تتحقّق من دون «التجسُّس» على جميع الناس


على خلفية ما سلف، وفي ظلّ عدم وجود لقاح أو علاج للمرض الجديد، بدأت تبرز سياسة جديدة معدّلة: اعتماد مناعة القطيع بشكلٍ سلس. تطوير المفهوم يعود إلى أسباب كثيرة، أبرزها: خوف الدول من انهيار اقتصاداتها، والغضب الشعبي مرفقاً بالتوق إلى الخروج من المنازل والعودة إلى الحياة الطبيعية. سيحدث ذلك عبر إعادة فتح البلدان بشكل شبه كامل، مع فرض قانون التباعد الاجتماعي ووجوب وضع قناع الوجه، والإبقاء على بعض المناطق أو بؤر التفشّي معزولة. وهذا تمنٍ أكثر منه سياسة، خصوصاً أن دولاً عديدة تعتقد أن في مقدورها السيطرة على نسبة انتقال العدوى، وإبقائها دون منطقة الخطر. لكن المشكلة تكمن في أن الفيروس لا يزال غامضاً في أجزاء كثيرة منه، إلى جانب أن الأبحاث لا تزال متواصلة لفكّ شيفرته. آخر الدراسات، مثلاً، توصّلت إلى وجود الفيروس في البراز البشري، بينما خلصت أخرى إلى وجوده في دموع بعض المصابين. كل هذا، مضافاً إليه عدم التقيُّد بقواعد التباعد الاجتماعي ووجوب وضع الكمامة (علماً بأن غالبية الكمامات في الأسواق لا تفلتر الهواء، وليست من نوع N95 أو FFP2 أو FFP3)، إنّما يؤشّر إلى احتمال انفلات الأمور أكثر. فهذه السياسة تعتمد، بشكل رئيس، على الفرد الذي يحدِّد مصيره ومصير غيره. وللدلالة على ما سبق، تشهد الولايات المتحدة ارتفاعاً في نسب الإصابات الجديدة، بعد عطلة يوم ذكرى شهداء الجيش، فيما يُتوقع لبعض الولايات التي عاودت فتح شواطئها، حيث نزل اليها الرواد مخالفين كل أشكال الإجراءات الوقائية، أن تشهد ارتفاعاً كبيراً في الإصابات في غضون أسبوع.
تتلخّص المشكلة في عدم قدرة أيّ دولة، باستثناء الصين، على ضبط جميع الناس وإلزامهم بالشروط الواجب اتباعها لدى الخروج من المنزل. أما نجاح الصين، فيعود إلى اعتمادها، باكراً، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبرى، لمراقبة الحالة الوبائية للمناطق والناس من خلال تطبيق صحي على الهواتف. وبناءً عليه، لا يمكن مناعة القطيع أن تتحقّق بشكل سلس، من دون التجسُّس على جميع الناس لإلزامهم بالتقيّد بإجراءات الوقائية. ومن دون فهمٍ كامل لفيروس «كورونا»، لا يزال هذا الأمر بعيداً جداً.