بعد تفشّيه العالمي وفقدان العديد من الدول السيطرة عليه، بدأ فيروس كورونا يحصد عدداً أكبر من الأرواح التي زرع فيها نسخاً من بذوره القاتلة. هو ها يدوّن أمس في سجلّ ضحاياه أولى الشخصيات الموسيقية الشهيرة، المؤلف الموسيقي وعازف الساكسوفون (والمغنّي) الكاميروني العتيق مانو ديبانغو، الذي استسلمت رئتاه اللتان طالما أفرغتا الهواء في الآلة النفخية لصناعة الأنغام الحيّة الراقصة.

قيل إن أفريقيا غير معرّضة. وقيل إن أصحاب البشرة الداكنة يتمتّعون بمناعة استثنائية. بين العِلْم والتنظير الشعبي، قيل الكثير. لكن، لغاية الآن، سمع الفيروس كل ما قيل، ابتسم بخبث، هزأ من العلماء وساواهم بالبسطاء، ثم مسح عرقه ولمَّع تيجانه وتابع العمل على تركيع الكرة الأرضية، زاجراً الجنس البشري: أنا المَلِك.
فها هي القارة السمراء تسجّل العديد من دولها إصابات ووفيات، وها هو الساكسوفونيست الكاميروني الأسمر، «بابا مانو»، يسلم الروح عن عمر 86 سنة، مع الإشارة إلى أن التينور الكبير بلاسيدو دومينغو أعلن أيضاً إصابته بكورونا.
مانو ديبانغو هو شخصية فنية شهيرة جداً. جميع وسائل الإعلان تصفه، ووصفته إثر إعلان خبر وفاته، بالأسطورة. هذا صحيح، لكن نُضيف، من باب الدقة والتصويب، أنه أسطورة في عالم الشهرة الفنية، لا أسطورة موسيقية. فشهرته أكبر من إرثه الموسيقي، وهذا يحصل في عالم الموسيقى، ويحصل عكس ذلك أيضاً. فثمة عظماء في الموسيقى لا يتمتّعون بشهرة ديبانغو، وكثيرون مثله تتمتع أسماؤهم بانتشار عالمي، لكن قيمتهم الموسيقية ليست على ذات القدر من الأهمية نسبياً. هذا يحصل عادةً عندما ينتشر عملٌ واحد لفنان، بشكل كبير وغريب، يلعب فيه القدر دوراً أساسياً. فإنْ راجعنا كل المقالات والكتابات المتعلّقة بمانو ديبانغو، قبل وبعد رحيله، نجد فيها قاسماً مشتركاً هو أنه صاحب أغنية Soul Makossa… إنها أغنية واحدة وليست ألبوماً كاملاً حتى. نقرأ عنوانها أينما ورد اسم صاحبها، ولا نقرأ عنواناً آخر له. حتى أن فرقته، أو إحدى التركيبات التي جال معها العالم وقدّم الحفلات (من بينها واحدة في بيروت) تحمل اسم The Soul Makossa Gang… إنه الحظ، يبتسم لشخصية ما، تماماً كما يعبس بوجه أخرى، فيخلق حالات يشوبها خلل في العدل، يتولّى التاريخ تصحيحه لاحقاً. أما دفعة الشهرة الإضافية التي حظيت بها أغنية ديبانغو، فهي الدعوى التي أقامها صاحبها على مايكل جاكسون (Wanna Be Starting Something)، وبعده، على ريهانا (Please don't stop the music)، بعدما اتّهم كلاً منهما باستعارة عناصر من عمله من دون إذن مسبق.
ولد ديبانغو في الكاميرون عام 1933، وانتقل إلى فرنسا للدراسة في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وتعلّم العزف، في الوقت عينه، على آلات عدة مثل البيانو والمندولين، قبل أن يهديه صديقٌ آلة ساكسوفون لم يعد بحاجة إليها. تشرّب الفتى الأسمر كلاسيكيات الجاز وسمع لاحقاً التجارب التي وُلدت في الستينيات والسبعينيات، من فانك وسول وفيوجن، وراح يخمّرها مع ما ورثه في الجينات ومن المحيط الأول: الأنغام والإيقاعات الأفريقية التي كانت قد غذّت أساساً الموسيقى الأميركية الشمالية وامتزجت بالأنغام الإسبانية في أميركا اللاتينية. بدأ بالعمل إلى جانب فنانين آخرين (فرنسيين بشكل أساسي، أبرزهم نينو فيرير) ثم بصناعة أعماله الخاصة في أواخر الستينيات قبل أن يُصدر أغنيته الشهيرة المذكورة أعلاه ويقع عليها DJ أميركي ويبثّها على مسامع الجمهور، ويحصل الانفجار الذي جعل من ديبانغو اسماً مطلوباً في أنماط موسيقية أخرى.

ينتمي إلى نمط يجمع بين الجاز والفانك والسول والموسيقى الأفريقية

هكذا استعان به نجوم الأغنية الفرنسية الشعبية الجادّة أمثال جيلبير بيكو وسيرج غينسبور، إذ تميّز بنبرة (نفخة) فيها بعض الزخم وتغلّفها «بحة» خاصة، تلك التي نجدها كثيراً لدى الموسيقيين الأفارقة الذين أتقنوا الساكسوفون وتأثّروا بالموسيقى الأميركية السوداء. راح بعد ذلك يقيم الحفلات في أوروبا والعالم، قبل أن يصل إلى لبنان، عبر «ليبان جاز» في نيسان (أبريل) 2015، ليقدّم مع فرقته أمسية واحدة في بيروت، ويومها قال: قد يكون لبنان من البلدان العشرة الوحيدة التي لم يتسنّ لي أن أعزف فيها بعد.
ينتمي ديبانغو إلى نمط كبير، يجمع بين الجاز والفانك والسول والموسيقى (نغماً وإيقاعاً) الإثنية الكاميرونية والأفريقية عموماً. له مقطوعات موسيقية وأغنيات، صدرت في عشرات الألبومات التي يعود آخرها إلى 2013، لكن نشاطه الفعلي هو الحفلات التي تعدّ بالآلاف في مسيرته، وقد ظلّ يحييها رغم تقدّمه في السن. فقد أطلّ على الجمهور مطلع الشهر الماضي على أحد المسارح مونبولييه (جنوب فرنسا)، قبل أن يُصاب بالفيروس الذي عطّل روزنامة النشاطات الموسيقية الحية في معظم الدول، وقبل أن يبدأ بالإطاحة بكبار الأسماء في هذا المجال. أول ضحية هي مانو ديبانغو، الذي نسجّل اسمه على رأس لائحة نتمنى أن لا تطول، لكنها، مع الأسف، قد تفعل.