لم تُطبّق الخطة الانتقالية للنفايات التي وضعت عام 2016، رغم سوئها والمبالغ الخيالية التي صُرفت عليها، ولم تجر أي محاسبة لمخالفات شروط العقود التي أدت الى استنفاد عمر الخطة خلال سنتين بعدما كان مقرراً لها أن «تخدم» لأربع سنوات. والنتيجة أن القدرة الاستيعابية لمطمري برج حمود ــ الجديدة ستستنفد تماماً بحلول نهاية 2108، فيما يستلزم اعتماد أي خيار آخر سنة من الإعداد على الأقل. يعني ذلك، بكلام آخر، أن نصف كمية النفايات في بيروت وجبل لبنان المقدرة بنحو 1300 طن يومياً ستبقى في الشوارع بحلول نهاية السنة الجارية.

في وقت يأخذ فيه الرئيس سعد الحريري وقته في تشكيل الحكومة، وتناور الكتل النيابية للحصول على حصصها فيها، فإن أحداً لا يلتفت الى كارثة آتية حتماً نهاية السنة الجارية، إذ إن قدرة استيعاب مطمري برج حمود ــ الجديدة اللذين استثنيا من التوسيع، أسوة بالكوستابرافا، تنتهي آخر السنة، أو بعد ثمانية أشهر على أبعد تقدير، فيما يحتاج الإعداد لتوسيعهما أو تجهيز مطمر جديد إلى ما لا يقل عن سنة في أقل تقدير. ويعني ذلك أن نصف نفايات بيروت وجبل لبنان (بين 1200 و1300 طن يومياً) ستبقى في الشوارع أو في المكبات العشوائية بحلول نهاية السنة، رغم أن اللبنانيين دفعوا أكلافاً (بيئية ومادية) كبيرة جداً على الخطة «الانتقالية» السيئة لمعالجة هذا الملف، وهناك اقتراحات لتدفيعهم أكثر لإصلاحها وفق خطط أكثر سوءاً! فالخطة التي أُقرّت في آذار 2016 واعتُبرت «انتقالية» لأربع سنوات، لم «تخدم» أكثر من سنتين، ما اقتضى توسيعها، من دون أن يحاسب أحد على سوء هذه التقديرات!
وكانت حكومة تصريف الأعمال وافقت في آخر جلساتها لمناقشة ملف النفايات (11/1/2018) على اقتراح مجلس الانماء والاعمار بتسوية (توسيع) مطمر الغدير (الكوستابرافا) وإنشاء وتشغيل معمل تسبيخ جديد فيه، وتطوير معملي الفرز في العمروسية والكرنتينا، وضم قضاءي الشوف وعاليه الى نطاق هذه الخطة المرحلية، على أن لا يستقبل معمل العمروسية للفرز بعد تطويره أكثر من الكميات التي يستقبلها حالياً (1400 طن/ يوم)، وان لا تزيد كمية النفايات المطمورة في الكوستابرافا على ألف طن يومياً اعتباراً من مطلع 2019. ويعني ذلك أنه لن تكون هناك قدرة على استيعاب أكثر من ضعف هذه الكميات في حال إقفال مطمري الجديدة ــ برج حمود. فماذا ستفعل الحكومة المقبلة (أو حكومة تصريف الأعمال في حال استمرت عملية التأليف على بطئها) لمواجهة الكارثة القادمة حتماً؟

برج حمود: خياران أمام الحكومة
في الجلسة الأخيرة للحكومة كان أمامها خياران عرضهما مجلس الإنماء والإعمار لتوسيع مطمري برج حمود ــ الجديدة:
الاول يقضي بردم المساحة المائية الواقعة بين المطمرين واستخدامها لإنشاء خلية لطمر النفايات. وفي هذه الحالة ينبغي نقل أنابيب شركات النفط في هذه المنطقة الى مكان مناسب بالتنسيق مع مديرية النقل البري والبحري، وإلغاء مرفأ الصيادين الموجود هناك وتأمين بديل له. ويؤمن هذا الخيار، وفق «الإنماء والإعمار»، مساحة كافية لطمر النفايات لمدة لا تقل عن اربع سنوات إضافية اعتباراً من اول آذار 2019 في حال تشغيل معمل معالجة النفايات العضوية في الكورال (وهو الذي لم يجر تطويره كما كان وارداً في خطة 2016، ما تسبّب في ذهاب كل النفايات الى الطمر واستهلك نصف عمر المطامر، من دون محاسبة المتعهد ولا مجلس الإنماء والإعمار على سوء التقدير!). كذلك يتضمّن هذا الاقتراح تشغيل معمل مماثل في الكوستابرافا (أقرّته الحكومة في جلستها الأخيرة) الذي تم تجاهل مطلب إنشائه في 2016 (ما تسبّب أيضاً في إنهاء القدرة الاستيعابية لمطمر الكورال).

نحو 1300 طن يومياً ستبقى في الشوارع بحلول نهاية السنة الجارية


ويقدّر الاستشاري (libanconsult) كلفة هذا الحل بـ60 مليون دولار (باعتماد الاسعار التعاقدية للمقاول الحالي) تشمل فقط كلفة أعمال الحماية البحرية (حاجز بحري بطول 200 متر) وأعمال الردم وإنشاء وتشغيل الخلايا لاستيعاب مليون و650 الف طن، مع استثناء كلفة إنشاء مرفأ جديد للصيادين ونقل أنابيب النفط. ولا يبدو أن أحداً في وارد تحميل شركات النفط كلفة نقل أنابيبها مع أنها تصنّف في خانة المعتدين التاريخيين على الشاطئ بخزاناتها ومستودعاتها وأنابيبها وتلوثها!
الثاني هو إمكانية استعمال مساحة الاملاك العامة التي تم استحداثها في الجديدة (zone E) لطمر النفايات. وفي هذه الحالة، يجب التخلص من نحو 650 ألف متر مربع تقريباً من ناتج جبل النفايات القديم في برج حمود ونقلها لتوسعة مطمر الكوستابرافا. وهذا الحل يؤمن، بحسب الاستشاري، مساحة لردم وطمر النفايات لمدة لا تقل عن 34 شهراً إضافية اعتباراً من أول آذار 2019، شرط تطوير معامل المعالجة. وتقدر كلفة هذا الخيار بـ30 مليون دولار لإنشاء وتشغيل خلايا اضافية لاستيعاب نحو مليون طن نفايات، ليس من بينها كلفة نقل الردميات الى الكوستابرافا.

الغلبة للاستثمار
مصادر متابعة للمفاوضات أكدت لـ«الأخبار» أن البلديات المعنية، لا سيما في الجديدة وبرج حمود (مع من تمثل من قوى) رفضت الخيار الثاني، بالتحالف والتفاهم مع المراكز التجارية في المنطقة (سيتي مول)، إذ إن البلديات تفضّل الاستفادة من مساحات الردم لإنشاء مزيد من المشاريع الاستثمارية. ولذلك، يجري البحث في الخيار الاول (رغم كلفته الباهظة) الذي يتطلب ردم مساحة تصل ما بين المطمرين (برج حمود والجديدة) تقدر بنحو 150 ألف متر مربع. وتلفت المصادر الى وجود جزء من جبل برج حمود لم يُزَل بعد، وهو كناية عن نفايات (نحو 30 ألف طن) تجمعت أثناء اعتصام حزب الكتائب العام الماضي، لم تدخل ضمن الخطة بعد رفض بلدية برج حمود ذلك، بالإضافة الى مشكلة عدم إقفال أي من الخلايا في هذه المطامر الشاطئية (90 الف متر في برج حمود بارتفاع 13,5 متراً و100 ألف متر في الجديدة بالارتفاع نفسه) وعدم تجهيزها بأنابيب لسحب غاز الميتان المتراكم، بسبب فشل المتعهد في تطوير معمل المعالجة في الكورال ضمن المهلة المحددة في العقد... ما يعني الدخول في مشكلة كبيرة اضافية!

من يحاسب من؟
القدرة الاستيعابية لمطمر الجديدة تنتهي نهاية هذه السنة بعدما استنفد مطمر برج حمود قدرته الاستيعابية نهاية العام الماضي. رغم ذلك، لم تأخذ الحكومة خياراً بالتوسيع لأسباب انتخابية ولعدم إحراج التيارات السياسية المعنية.
والأنكى أن مجلس الوزراء، في الجلسة نفسها، أكد إطلاق مناقصة المحارق خلال ستة اشهر وتحديد الأماكن التي ستقام عليها. ورغم أنه لم يبق على انتهاء المهلة أكثر من 20 يوماً، فإن أحداً من الوزراء المعنيين لم يتجرّأ بعد على إعلان أماكن هذه المحارق، فيما يتخبّط وزير البيئة طارق الخطيب في كيفية مقاربة هذا الملف، ولم يستطع تبرير عدم صدور أي تقرير، خلال ولايته، يحاسب (أو على الأقل ينتقد) مجلس الإنماء والإعمار على خططه وطرق تلزيمه، ولا المتعهدين على عدم الالتزام بتطبيق خطة الطوارئ (رغم سوئها) وعدم وفائهم بالالتزامات والمهل

وبنود العقود!
والواقع أن الخطيب مطالب بالإجابة عن جملة من الأسئلة المفتوحة: لماذا لم تتم الاستجابة للمطالبات بتحسين الخطة عبر إنشاء معامل إضافية للفرز والتسبيخ في برج حمود والكوستابرافا حتى لا تذهب كل النفايات الى الطمر (أُقرّ إنشاؤها بعد قرار توسيع الكوستابرافا وأضيف اليها «التجفيف» بعد التسبيخ»)؟ ولماذا لم تحاسب الشركات على عدم وفائها بالتزام توسيع معمل الكورال في الوقت المحدد؟
لماذا تحفّظت وزارة البيئة بداية على طرق الطمر وعلى دفاتر شروط خيار الحرق، ثم وافقت عليهما من دون أي تبريرات؟ وما كان دور اللجنة التي شكّلها الوزير؟ ولماذا لم تجتمع قبل الانتخابات ولا بعدها لتقييم ورش عمل الوزارة مع البلديات والتي تقصّدت إظهار عجز البلديات وتشويه فكرة «اللامركزية» لتبرير المشاريع المركزية الجاهزة سلفاً، كالمحارق؟ ولماذا يتردد ممثلو الجمعيات ونقابة المهندسين والجامعة اللبنانية في الانسحاب من اللجنة رغم قراءاتهم النقدية لكل ما حصل؟ أين ستنتهي النفايات بعد عملية «التجفيف»: في المحارق المنتظرة أم في شركات الإسمنت؟ ولماذا ضُمّت منطقتا الشوف وعاليه إلى الخطة بعد رفض ذلك سابقاً، وبعدما وقعت المنطقة في مشكلة تزايد المكبّات العشوائية؟ وأيّ صفقات تمّ عقدها، ومع من، وبأي ثمن؟ علماً بأنّ البلديات ومن تمثّل نالت رشى أكثر من مرة (أقرّت الحكومة في جلستها الأخيرة مبلغ 8 ملايين دولار أميركي للبلديات واتحادات البلديات المعنية بالخطة، مع إعفاء البلديات التي تقع في نطاقها المطامر من 50% من ديونها من الصندوق، والتأكيد على مشروع قانون متعلق بتخصيص 50 مليون دولار لتغطية مشاريع انمائية في البلدات المحيطة بكل مطمر)، من دون أن يأخذ المواطن الخطط السليمة والمستدامة! ومن دون أن تضع الوزارة المختصة الاستراتيجيات والتشريعات والخطط المطلوبة. فكيف تُصرف كل هذه الاموال على خطط طوارئ عشوائية لا صلة لها بالاستراتيجيات السليمة والخطط المستدامة؟