نشرت «الاخبار»، السبت الماضي، مقالا تحت عنوان «رياض سلامة يطلق هندسة جديدة»، كشفت فيه عن عملية جديدة واسعة اطلقها حاكم مصرف لبنان يوم الجمعة الماضي تعطي المصارف المزيد من الارباح، ولفتت الى ان هذه العملية تأتي في ظل ضجة كبيرة اثارها قرار سابق للمجلس المركزي قضى بمنح بنك البحر المتوسط تسليفات استثنائية لتغطية خسائر مساهمه الاكبر، سعد الحريري، في السعودية وتركيا وجنوب افريقيا.


ردّ المكتب الاعلامي في مصرف لبنان للمرة الثالثة، معتبرا ان «هذا المقال أمعن مجدداً في اطلاق تحليلات واستنتاجات غير صحيحة، ومنها منح بنك البحر المتوسط ش.م.ل. تسليفات استثنائية بقيمة 1000 مليار ليرة لبنانية ليعيد توظيفها في شهادات ايداع. ان هذا الخبر عار عن الصحة ولم يتخذ المجلس المركزي قراراً بهذا الصدد. كما ان المقال تضمن ذكر مراسلات مشمولة بالسرية المصرفية، ويحتفظ مصرف لبنان مجدداً بجميع حقوقه القانونية لهذه الجهة».
مجدداً، يصر حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، على نفي «خبر بنك البحر المتوسط» من دون اي توضيح. يكتفي فقط بالقول: «ان الخبر عار عن الصحة» وعلينا ان نصدقه. ونقطة على السطر.
سبق ان طالبنا سلامة في ردنا على رده الاول ان يخبرنا «الخبر الصحيح»: ما الذي قرره المجلس المركزي؟ فكهذا قرارات، على فكرة، ليست مشمولة بالسرية المصرفية، التي يتحجج بها سلامة في كل ردوده. فما الذي يحاول ان يخفيه؟
في المقال الاخير الذي يرد عليه سلامة باسم «المكتب الاعلامي»، تم الكشف عن معلومات مهمة تجاوزها الرد الجديد كليا، ولم يشر اليها لا من قريب ولا من بعيد. هذه المعلومات تتعلق باطلاق سلامة عملية واسعة جديدة مع المصارف، تنطوي على نقل كمية من المال العام الى المال الخاص، في اطار ما درج على تسميته «هندسات مالية». تتلخص آلية العملية الجديدة بالآتي: كل مصرف يودع او يجدد ايداع دولار لدى مصرف لبنان، على مدى 5 سنوات، يربح فائدة تصل الى 7% سنويا، كما يربح ما يعادل هذا الدولار بالليرة اللبنانية (اي 1507.50 ليرة لكل دولار) كقرض ميسر من مصرف لبنان بفائدة 2% يعيد المصرف المستفيد توظيفه في شراء سندات الخزينة (الصادرة عن وزارة المال) من السوق الاولية او السوق الثانوية بفائدة تصل الى 7% سنويا ايضا. هذا يعني ان العملية الجديدة ستؤمن للمصارف ربحا استثنائيا بمعدل 12% وسطيا على كل دولار، وهي كلفة تقل عن كلفة «الهندسة المالية» في العام الماضي، التي بلغت 40%، الا انها لا تزال مرتفعة بكل المقاييس ولا تبررها الحجج المعلنة حول «نقص الدولار» و«المنافسة عليه».
ربما من المفيد انعاش الذاكرة بخصوص هذا النوع من الحجج، ففي آذار الماضي، عندما اقفل حاكم مصرف لبنان هندسته المالية السابقة على كلفة فورية بقيمة 5.6 مليار دولار وكلفة تراكمية تتجاوز 15 مليار دولار على 10 سنوات مقبلة، كانت وزارة المال تعلن أنها تلقت طلبات بقيمة 17.8 مليار دولار للاكتتاب في سندات «اليوروبوندز» بعائد 7%، وأنها قبلت 3 مليارات دولار منها، 600 مليون دولار مصدرها خارجي، فيما 2.4 مليار دولار مصدرها المصارف المحلية! هذا يعني ان الدولارات موجودة بالفعل، وتفيض عن الحاجة الفعلية، فموجودات المصارف اليوم تبلغ اكثر من 207 مليارات دولار، اي اربعة اضعاف مجمل الناتج المحلي، منها نحو 19 مليار دولار كاموال خاصة للمصارف معظمها بالدولار، ونحو 171 مليار دولار ودائع للمقيمين وغير المقيمين، نسبة 67% منها تقريبا مدولرة، اي ان ما لا يقل عن 135 مليار دولار من موجودات المصارف العاملة في لبنان هي مدولرة. لماذا علينا اذا ان ندفع كلفة اضافية باهظة للاحتفاظ بهذه الدولارات والحصول على المزيد منها؟ جواب الحاكم نفسه وحلقة الخبراء من حوله: «ان ميزان المدفوعات يسجّل عجزا تراكميا منذ عام 2010، اي ان الاموال الداخلة الى لبنان هي اقل من الاموال الخارجة منه، وبالتالي تساهم هذه الهندسات بدعم ميزان المدفوعات وجعله يبدو ايجابيا بدلا من ان يكون سلبيا». ولكن في الحقيقة يعدّ هذا الجواب تجميليا، فميزان المدفوعات، في حالته الراهنة، لا يعكس الا جانبا من الصورة الكاملة، وهذا مصدر شكوى عارمة من صندوق النقد الدولي، كونه لا يشمل كل العناصر المتعلقة بميزان علاقات لبنان مع الخارج، بما فيها كل عناصر حساب الميزان الجاري وعناصر حساب راس المال والسهو والخطأ الى جانب صافي التغييرات في الموجودات الخارجية لمصرف لبنان والمصارف (الذهب والعملات الأجنبية) التي يُفترض ان تعكس صافي المبادلات مع العالم الخارجي في فترة محددة. لذلك لا يجدر عدّ ميزان المدفوعات مؤشرا كامل الاوصاف لتبرير اكلاف هائلة تترتب على المجتمع مباشرة وبطريقة غير مباشرة. ولكن لندع هذا السجال التقني لمناسبة اخرى، ولنفترض ان العجز التراكمي لميزان المدفوعات المعلن من مصرف لبنان يدقّ ناقوس الخطر ويستدعي تدخلات البنك المركزي لضخ المزيد من الارباح الى المصارف، من اجل تحفيزها على المحافظة على ودائعها بالدولار واستجلاب المزيد منها واغراء المودعين بفوائد مرتفعة وبضمانات غير قانونية تكفل كل الودائع ولا تسمح بافلاس او تعثر اي بنك مهما كانت اوضاعه ومهما بلغت مخاطره، ومهما بلغت كلفة ذلك على الاقتصاد والمجتمع ولا سيما المال العام.
لنفكر بهذه الطريقة ونركّز على النتيجة. فقد ساهمت الهندسة المالية في العام الماضي بتحويل عجز متراكم في ميزان المدفوعات منذ عام 2010 الى فائض ظرفي بقيمة 1238 مليون دولار، الا ان تأثيرات هذه الهندسة المالية سرعان ما اضمحلت ليعود ميزان المدفوعات ويسجل عجزا تراكميا في النصف الاول من هذا العام بقيمة 1116 مليون دولار! وكذلك ارتفعت موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية من 32 مليار دولار في ايار عام 2016، اي عشية اطلاق الهندسة المالية المذكورة، الى 34 مليار دولار في نهاية العام المذكور، اي ان الهندسة المالية ساهمت بزيادة هذه الموجودات بقيمة ملياري دولار، الا انها عادت وانخفضت بين كانون الثاني وايار من هذا العام الى 32.7 مليار دولار، اي انها عادت الى ما كانت عليه قبل الهندسة المالية السابقة!
الآن يطرح سلامة تكرار العملية نفسها بآليات مختلفة، وهو لن يجيب عن السؤال المهم المتعلق بالعملية السابقة: هل النتائج المحققة على صعيد ميزان المدفوعات والموجودات بالعملات الاجنبية لدى مصرف لبنان، وهما ما يتحجج بهما، يبرران تدفيعنا كلفة ستصل الى 15 مليار دولار على 10 سنوات، تضاف كأرباح الى المصارف وكبار المودعين وما يتصل بهما؟ هل ما يعتبره سلامة «شراء الوقت» يبرر كل هذه الكلفة؟ ان جميع الوقائع تشير الى ان الهدف الفعلي والحقيقي للعمليات التي ينفذها رياض سلامة مع المصارف بالجملة والمفرق هو لدعم ارباحها عبر تحميل الخسائر المحققة في محافظ توظيفاتها وتوسعها الخارجي، ولا سيما في مناطق الصراع والتوتر، الى المال العام وتمكينها من زيادة رساميلها باطراد وتكوين مؤوناتها ورفع ملاءتها من دون تحميل ارباحها السنوية اي قسط من الكلفة او المسؤولية عن المخاطر. وهذا الهدف مخالف للقانون، باقرار مديرية الشؤون القانونية في مصرف لبنان، ولذلك هو يحتاج الى تمويه واخفاء.
الرد الجديد من حاكم مصرف لبنان لا يريد لهذا النقاش ان يقوم، لذلك يتجاهله كليا، ويذهب مرّة اخرى الى اثارة الغبار عبر محاولة نفي صدور قرار المجلس المركزي المتعلق ببنك البحر المتوسط، هل يرغب سلامة ان نعرض له ما دار في «اجتماع الربع ساعة»، الذي دعا اليه الهيئة المصرفية العليا، التي لا صفة لها في هذا الموضوع، للبحث في قضية تسريب المعلومات والمستندات من مصرف لبنان؟ هل يريد ان يذهب الى القضاء ليتذرع بذريعة واهية تدعى «السرية المصرفية» كي يحجب المعلومات ويتستر عليها ويدعي ان ما نُشر منها هو انتهاك لـ«سرية» يتوجب احترامها؟ أليس في هذه الذريعة نفسها اقراراً بوجود تسريبات صحيحة، منها ما يطال بنك البحر متوسط نفسه الذي حظي بعمليات مماثلة سابقة؟ ثم اليست مهزلة ان تكون السرية المصرفية منتهكة من كل العالم ، وبموجب تعاميم صادرة عن مصرف لبنان، الا تجاه الدولة والمقيمين في كنفها فتبقى هي الحجة الوحيدة لمنع الوصول الى المعلومات؟
لقد امضى سلامة ربع قرن حاكما للبنك المركزي، وهو لم يتعرّض يوما لاي مساءلة او محاسبة او حتى استيضاح وفق الطرق الرسمية، على الرغم من اللائحة الطويلة لمخالفات قانون النقد والتسليف واتساع صلاحيات حاكم مصرف لبنان من دون اي اجازة قانونية واختصار الهيئات بشخصه، وفي مقدمها المجلس المركزي لمصرف لبنان الذي ينعقد كثيرا بصورة غير شرعية تجعل الكثير من قراراته باطلة. الم يحن الأوان لمجرد احتفال صغير في مجلس النواب يُدعى اليه سلامة وتوجّه اليه الاسئلة وتحفظ الاجابات في محاضر موثقة ولو سرية؟ الم يحن لمجلس الوزراء ان يستعيد صلاحياته التي صادرها مصرف لبنان مع الوقت وبات من خلالها يتحكم بالاقتصاد كلّه ويغلّب وظيفته الاساسية على كل وظائف الدولة، عبر تحوّله الى ادارة توزيع الثروة لا خلق المزيد منها؟
منذ عام 1998 يمتنع مصرف لبنان عن نشر الاحصاءات المتعلقة بتركّز الودائع كدليل على نتائج عملية اعادة التوزيع التي يديرها منذ ربع قرن ويحظى بالتصفيق عليها، لا يريد رياض سلامة لاحد ان يعلم ان انجازه الاكبر يتمثل بوجود 20% من الودائع لدى المصارف اللبنانية في اقل من 0.1% من الحسابات المصرفية، وان 1% من مجمل الحسابات تحتوي على اكثر من 50% من مجمل الودائع. وان رساميل المصارف (المساهمين) ارتفعت من 144 مليون دولار فقط لا غير في عام 1993 الى 19 مليار دولار حاليا. كيف لا تستميت «الاسواق» في الدفاع عنه وهو يغدق عليها بكل هذه الارباح.
كان لافتا حماس قناة OTV التابعة للتيار الوطني الحر في محاولة تبرير الهندسة المالية الجديدة الجديدة ومحاولة نفي واقعة بنك البحر المتوسط، اذ ان التقرير انطلق من المقال المنشور في «الاخبار» ليفتح مجالا رحبا لـ«مصدر مقرب من حاكم مصرف لبنان» ليقول اي كلام من دون ان يكون اي احد مسؤولا عنه، ومنه القول ان كلفة الهندسة المالية الجديدة لا تتجاوز 3% فقط لا غير، وان وزارة المال هي اكبر المستفيدين منها لانها تؤمن لها الاكتتاب في سندات الدين بالليرة لتمويل عجز الخزينة، وان انتقادها هو «كمن يطلق النار على نفسه»... هل حقا هناك من يشك ان لعبة «الروليت الروسية» الفعلية تجري عبر هذه «الهندسات» لا عبر كشفها واعتراضها واثارة النقاش حولها. امّا من يستفيد منها، فوزير المال علي حسن خليل يقول لـ«الاخبار» ان الطلب في المزادات الدورية للاكتتاب في سندات الخزينة يفوق دائما العرض، وترفض وزارة المال الكثير من طلبات الاكتتاب لعدم حاجتها اليها، فلا حاجة للوزارة الى اي هندسة ربيحة للمصارف كي تؤمن تمويل خدمة الدين العام، وهي عملية نقل ثروة ايضا من المال العام الى المصارف واصحابها وكبار مودعيها.