في فيلمه الوثائقي «المير»، يرسم المخرج والمسرحيّ جان رطل ملامحَ من شخصية نضالية شيوعية من طرابلس هو مسؤول الحزب الشيوعي في طرابلس والشمال، أحمد المير الأيوبيّ، «أبو حسن». توسّل رطل في لوحته التصويريّة شهادات عدد ممن عاصروا «المير»، وكذلك أولاده.

من خلال وجوه الذين تحاورهم كاميرا رطل، يتلمّس المشاهد ملامحَ من شخصيّة المير، فهو القيادي الشيوعي الطرابلسي الذي كان يرعى رفاقه في الحزب منذ كان حزباً سرّياً غير مرخّص له، حتّى أواخر السبعينات. لو كان المير كاهناً مسيحيّاً، لقيل فيه إنّه كان راعياً صالحاً لرعيّته: يحتضن رفاقه في الحزب، لا يهمّش الأطفال، بل يدعهم يأتون إليه في اجتماعاته «التبشيريّة»، يَرفق بالصغار في النضال ويشجّعهم، يفتح الأبواب المغلقة ليُخرج منها المعتقلين في السجون بسبب منشور ينشر «البشارة»، يعمل بصبر على استمالة قلب وعقل محدّثيه، فلا يقدّم إليهم إلّا ما باستطاعتهم احتماله بل يترك لحرّيتهم أن تستجيب. متواضع القلب لا يتوانى عن تأنيب رفاقه الشيوعيّين إن اتّخذوا مواقف شوفينيّة من رفاقهم في الحزب أو آنفين عن العمل اليدوي.


كان المير ملتصقاً برفاقه، قياديّاً دون استكبار، أي قياديّاً حقيقيّاً، يرتبط فيه روح التعاطف مع الآخر والاهتمام بحاجاته، بالموقف الجريء في الأزمات. هو بُطرس الحزب الشيوعي في طرابلس كما وصفه أحد رفاقه، أي «الصخرة» التي بنى عليها الحزب نفسه، وهو حرٌّ في قراره، ولهذا اغتيل تحت منزله في 13 حزيران (يونيو) عام 1979. كلّ هذه الملامح الشخصيّة يصوّرها رطل خارجةً من فم رفاق ورفيقات المير. لكن في فيلمه عن المير مع 41 شخصيّة ثقافيّة سياسيّة وحزبيّة، يتجاوز الحوارُ الفوتوغرافي الذي يديره رطل رسم صورة بهيّة للمير. من خلال تفاصيل الملحمة التي يقصّها المتحاورون، يطلّ بنا الحوار على ملامح الحياة السياسية في طرابلس ولبنان ليس من وجهة نظر القوى الخارجيّة ولا القيادات الحزبيّة، وإنّما من وجهة نظر الناس الذين عاشوها واختبروها من مواقعهم كبشر يفكّرون ويتصرّفون ويؤمنون بقضايا، ويصارعون من أجلها.
«الأحياء هم هؤلاء الذين يصارعون» كتب فيكتور هوغو مرّة، وهؤلاء الذين قصّوا قصّتهم الشخصيّة مع المير حكوا لنا حكاية أخرى، حكاية شعب طرابلس: عمّالها وطلاّبها ومثقّفيها وصيّاديها ونقابيّيها ما بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي. حكوا لنا حكاية شعب تفتّحت عيناه في الستّينات على واقع أنّ 40% منه يعيش تحت خطّ الفقر، بينما 84% من المدّخرات بيد 3 إلى 4% من الأُسر؛ وتفتّحت عيناه على أنّ 4% من اللبنانيّين يستأثرون بثلث الدخل الوطني، بينما لا ينال 50% منهم أكثر من 18%. شعب تفتّحت عيناه على أنّ 13 عائلة لبنانيّة تُشرف على 47% من مجموع رساميل الشركات الصناعيّة، وعلى %30 من رأس مال البنوك والشركات الماليّة، وعلى 29% من شركات النقل، وعلى 14% من الشركات العقاريّة. هذه كلّها أرقام من نهاية الستّينات وبداية السبعينات. تمكّن الفيلم من رسم حياة سياسية شعبية نضرة يتأجّج فيها توق الناس إلى الحرية من الفقر والجوع والقبضة البوليسية للمستأثرين بالخيرات. تمكّن رطل في ساعة وأربع عشرة دقيقة ليس فقط من رسم ملامح أحمد المير الأيّوبي، بل أيضاً ملامح مدينة تنفض عنها إهمال الدولة، تغلي فكريّاً، في حراك مُستعر، يختبئ فيها أعضاء حزب غير مرخّص ومُلاحق، ويتعاون بناتها وأبناؤها في بناء ملامحها الحيويّة الشعبيّة في الستّينات. في فيلم رطل، نرى كيف كانت قلباً نابضاً تلك الطرابلس-الطرف الذي يرزح تحت إهمال مُبرمَج، ويتربّع فيها سياسيّون تقليديّون دون عمل جدي لانتشال صيّاديها وفُقرائها من فم الوحش الرأسمالي الذي كان يحكم لبنان منذ ولادة الدولة على يد القابلة الفرنسية. نرى نقابات تتظاهر، ومجتمعاً يتحوّل، ووحدة تتكوّن، في نضالات رائعة. تكتشف اختلاطاً بين النساء والرجال في العمل السياسي المشترك، وتستاء من رعاعٍ يستخدمون الذكورة لمهاجمة عمل سياسي فقط لأنّه يشتمل على نساء. تكتشف بشراً من طوائف مختلفة يعملون معاً من دون تمييز ولا تحفّظ ولا حساسيّات، يعملون في وحدة فقط لأنّهم يؤمنون بقضيّة واحدة؛ وتلاحظهم في الفيلم واحداً حتّى اليوم رغم انحسار العمل الحزبي الشيوعي على أرض المدينة.
ترى تاريخاً يتشكّل على الشاشة متخفّياً في وجه المير، يظهر في ملامح وجهه وفي تفاصيل تصرّفاته، وترى وجوه الذين يشهدون للمير تضيء، وتصبح أكثر توهّجاً أثناء تذكّرهم لتاريخٍ وضعوا عليه بصماتهم، فهم يعرفون أنّهم حقّقوا بعض الانتصارات (كتأسيس جامعة وطنيّة) وأنّهم حتّى لو لم يتسلّموا حُكماً، ورغم تقهقر حزبهم، إلا أنّهم كانوا أنفسهم، ولم يخونوها، ولم يتصعلكوا ويبيعوا أنفسهم عند من امتلك المليارات. سرّ التوهّج في عيون ووجوه هؤلاء الذين فشلوا في تحقيق أهدافهم، هؤلاء الذين كانوا جالسين (أو مستلقين تبعاً لحالة البعض الصحّية) أمام عدسة رطل التي استنطقتهم بهدوء وخفر، سرّ ذاك التوهّج أنّ أصحابه بقوا أحياء لأنّهم تبعوا من حيث لم يعرفوا وصيّة يسوع: «من يريد أن يُخَلِّصَ نفسه يُهلِكُها، ومن يُهلِك حياته من أجل الخبرِ المُفرح يُخَلِّصها، وماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه ويخسر نفسه؟». سرّ توهّجهم أنّهم بقوا أمناء لأنفسهم، وإن نظروا في وجوههم اليوم، هم يتأمّلونها بوداعة وثقة بأنّهم لم يحوّلوا أنفسهم إلى أشياء في سوق النخاسة العالميّ القائم بين عبيد يمتلكهم المال كما يمتلكونه، وأناس مستعدّين لبيع أنفسهم من أجل امتلاكه. لا شكّ أنّ رفاق المير الذين تحدّثوا هم أحياء عند ربّهم يرزقون لأنّهم بقوا شهوداً للحرّية والحياة، بينما مؤمنون كثيرون بقوا أمواتاً في كفن الطائفيّة والكراهية للآخر واستعباد النفس للزعيم، عوض التحرّر الذي في الله والذي يُترجم وحدة إنسانيّة مع الآخرين.
يبقى الجانب الشخصي من المير وعائلة المير. يطلّ أولاده ليضعوا بصماتهم على لوحة رطل، كأطفال يرسمون بأيديهم بعفويّة. يرسمون وجه أبيهم الآخر: اهتمامه، تشجيعه لأولاده، تربيته على الشجاعة، بساطة الحياة وفقرها، الكرم، وقت الطعام، السفر، العناق الأخير، وقوع المير الأخير، إشارته لهم بألّا يقفوا على الشرفة، دخوله المستشفى، رحيله، ومقاومة الأم المناضلة لبلطجيّة المتأسلمين المسلّحين في الحرب الأهلية. لم يستطِع ابنه زياد أن يشكّل صورة الأب في وعيه لصغر سنّه يوم اغتيل والده، يتساءل زياد في الفيلم إن كان من الأصعب أن يعرف الإنسان والده ويفقده، أم ألّا يعرفه أبداً. ربّما لم يجلس زياد مع إنسان عرف والده ثمّ اغتيل ودُفن من غرباء، فلم يشارك أهله في دفنه، هذا أصعب لأنّ الحداد لا يتمّ، ويتكرّر بشكل لا ينتهي. أمّا الأصعب والأصعب، فهو ألّا يعرف الإنسان مصير محبوبيه.
50 ألفاً خرجوا في تشييع أحمد المير الأيّوبي في نهاية السبعينات. 50 ألفاً رفضوا الاغتيال، 50 ألفاً عبروا الطريق الرئيسي للمدينة غير عابئين بحواجز، 50 ألفاً عبروا ليسلّموا المير لرحمة الله. يقول اليوم البعض ألّا يحلم اللبنانيّون بالتغيير، كأنّ استيلاء ثلّة من الذين يرتكبون جريمة يوميّة بحقّ الناس، على السلطة في البلاد، هو قدر لا يُرَدّ. لكنّ هذا الكلام لا منطقيّ ولا يُصرف في التاريخ الذي يُبَدّل كلّ شيء، هؤلاء واهمون لأنّهم لا يعرفون أنّ ما يقولون إنّه حلم غير ممكنٍ قد تحقّق جزئيّاً يوم مشى 50 ألفاً في طرابلس خلف أحمد المير الأيّوبي، ويمكنه أن يحصل مجدّداً، كما لاح في انتفاضة 17 تشرين 2019.
كان «بُطرس» الحزب الشيوعي في طرابلس، أي «الصخرة» التي بنى عليها الحزب نفسه


لكن اغتيال المير «مثل الكثير من الاغتيالات التي حصلت في لبنان، لم يُفتح [فيه] تحقيق جدّي رسميّ، ولم يصدر [فيه] أيّ تقرير من جهة رسميّة يكشف منفّذي ومخطّطي اغتيال أحمد المير الأيّوبيّ». بهذه العبارة ينهي المخرج جان رطل فيلمه كأنّ هذه العبارة-النهاية اتّهام ليس فقط للفاعل «المجهول» ولكن مساءلة للحزب الشيوعيّ نفسه: هل طالب الحزب بتحقيق في هذا الاغتيال (أو قام به في غياب الدولة) وغيره من الاغتيالات أم لا؟ وهذا يُعيدنا إلى تشبيهنا الدينيّ الذي استعرناه في بداية هذه المقالة، أتكون قيادات الحزب تصرّفت كما قيادات الكنيسة في أسوأ ما تكون عليه: تستهتر بالحق أو تصمت عنه، وتعذر نفسها بألف حجّة وحجّة، وتتلهّى بعجن وخبز الكلام المنمّق الذي يفقد معناه طالما ليس مرتبطاً بأفعال وبعدالة علنيّة؟ لا نعرف من اغتال حسن المير الأيّوبي، لكنّنا نعرف أنّ غياب العدالة في هذا الاغتيال، كما في غيره، يسهم في استمرار نهج غياب العدالة في لبنان؛ ونعرف بالتأكيد أنّ ما سمح باغتيال حوالى 200 ألف إنسان خلال الحرب الأهليّة هو غياب العدالة الاجتماعيّة ووحشيّة النظام الطائفيّ والطبقيّ العفن. هذا النظام يتابع اليوم تهديم الإنسان في لبنان جسديّاً بالمرض وقلّة التغذية، ونفسيّاً بفقدان الأمان الاجتماعي، وروحيّاً بالفكر الطائفيّ الذي يشوّه الإيمان والضمير.
فيلم المخرج والمسرحيّ جان رطل يرسم ملحمةَ مدينة، ملحمةَ أناس أحبّوا الفقراء ودافعوا عنهم، وبعضهم جلسوا كهولاً أو استلقوا مرضى أمام كاميرا رطل. يرسم ملحمة أناس أحبّوا فبذلوا، ويبذلون اليوم من أجل أن ينجو الذين يسحقُ وحشُ الرأسمال حياتَهم؛ «وهل من حبّ أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه من أجل أحبائه»، كما قال يسوع يوماً؟ الفيلم تعبيرُ حبٍّ من المخرج جان رطل لفقراء طرابلس، فَرَسَم إحدى ملاحمهم في ملحمة أحمد المير الأيّوبي.