في كل مهرجان سينمائي هناك مفاجأة. فيلم يصفعنا من دون توقّع. تدخل الصالة من دون توقّعات لما سيظهر على الشاشة، لأنك ببساطة لا تعرف المخرج. لم ترَ أيّ فيلم له سابقاً. التشيكي فاكلاف مرهول، مخرج مجهول نوعاً ما على الأقل بالنسبة إليّ. أخرج آخر فيلم له عام 2008. اليوم شارك بقوة في «مهرجان البندقية» بفيلمه «الطائر الملون» الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية. الفيلم مقتبسٌ عن كتاب بالعنوان نفسه للكاتب جيرزي كوزينسكي. قُدم الكتاب على أنه سيرة، مذكرات طفل يهودي شاهد المحرقة ويبحث عن أسرته. بعد عقدين، اكتُشف أن الرواية خيالية. فلندع الكتاب جانباً ولندخل إلى السينما.

بالأسود والأبيض وبشريط سينمائي (فيلم) 35 ملم وبلغة جديدة في عالم السينما (Interslavic language) وبـ 196دقيقة، يعيدنا مرهول إلى أوروبا الشرقية البرية والبدائية بعد نهاية العنف الدموي للحرب العالمية الثانية. نتابع قصة صبي بلا اسم (نكتشف السبب لاحقاً). تموت المرأة المسنة التي عهد إليها والداه تربيته. يجد الشاب الصغير نفسه بمفرده يتجول بلا هدف عبر الريف، من قرية إلى أخرى، ومزرعة إلى أخرى. يلمس الصبي رعب الحرب والجحيم. يقع ضحية خرافات فلاحين جهلة وقسوة غير مسبوقة يمارسها جنود روس وألمان. مجبرٌ على السير في أماكن يسودها الموت والرعب واليأس. سيكون الولد ضحية عنف مستمر، عنف من شأنه أن يغيره إلى الأبد. ثلاث ساعات تقريباً لا يغمض لك جفن من كثرة العنف اللاإنساني (لاإنسانية رغم أنها من صنع البشرــ يا للسخرية!). نرى العنف بعيون الصبي البريئة والعميقة التي تتوق للعودة إلى البيت وعودة الوالدين الحقيقيين. لكنه سيختبر بدلاً من ذلك إهانات معنوية مستمرة وسينجو من أكثر مظاهر الكراهية والانحراف الجنسي، ويتعلم دائماً طرقاً جديدة للبقاء على قيد الحياة.
يأخذنا مرهول في نزهة طويلة في دوائر الجحيم، من دون فرض رقابة على نفسه. يحضن أهوال البشرية ويمضي ويولي اللاإنسانية زمام الأمور. نرى الصبي الذي يقاتل بعناد لأجل البقاء بينما لا حول لنا ولا قوة، نجبر على هضم هذا القدر من البشاعة التي لا يمكن تحمّلها لأنها معظم الوقت تُرتكب ضد طفل. لا يدخر الفيلم شيئاً. كل شيء مبرر: حرمان الحرب وأهوالها والمحرقة بكامل مظاهرها. تتراكم الظواهر العنيفة رغم صعوبة فهمها. فيلم لا يصور ويلات الحرب فقط بل يبرز الإحساس بالاضطهاد. يجبر الصغير على مواجهة عالم خارج عن السيطرة، يعاني من وحشية الحرب خلال فصول الفيلم (كل فصل يحمل اسم شخصية، اعتماداً على من سيستضيف الصبي). نعيش معه دوامة رعب لا يمكن إيقافها.
صورة مثيرة للاشمئزاز عن الحرب، مصممة لذوي الأعصاب والمعدة القوية. الصبي محكوم بتجربة كل شيء وهو يحمل صورة والديه كي لا ينسى وجهيهما إن صادفهما. كل فصل يزيد من معاناته، في مكان معادٍ للسامية ليس له مثيل، يذكرنا بالخيط الرفيع الذي يفصل في النهاية الإنسان عن الوحوش، ولا نعني بالوحوش هنا الحيوانات، كما يظن البعض، فالحيوانات لم تسلم من بطش الإنسان في الفيلم. هنا فقط غريزة رجال وقرون من الجهل. المكان الذي تطورت فيه القصة غير معروف، ولكنه بالتأكيد معبد للجهل والتخلف وجنة للعنصرية والتعصب بجذور من التدين المظلم. بالنسبة لمرهول؛ الدين شرير، السياسة شريرة والإنسان هو وحش صاخب منافق ومتعصب. كل شيء في هذه الرحلة، عبر الزمان والمكان، محكوم بتكرار الأخطاء نفسها. عشر سنوات تطلّبها العمل على الفيلم، ثلاث سنوات كاملة لإنهاء السيناريو، 16 شهراً من التصوير بين أوكرانيا وسلوفاكيا وبولندا وجمهورية التشيك. بحوارات قليلة جداً، يتركنا الفيلم عراة أمام وحشية جنسنا، ضدّ كل الذين يتم تعريفهم على أنهم «مختلفون»، وهو ما دل عليه العنوان. إذ يتعرض الطائر الملون للتعذيب من قبل أبناء جنسه. نجح مرهول في خياره المحفوف بالمخاطر، وفي إسقاط اللاإنسانية التي تحيط بنا على شاشة كبيرة بتمثيل صامت ومذهل. إن اختيار المخرج للأبيض والأسود لفيلم حديث هو بحدّ ذاته بيان وطريق باتجاه واحد، لأن المكان الذي يأخذنا إليه المخرج لا يمكن أن يكون له لون أو ظل أو حتى أمل. مكان لا يوجد فيه كرامة وإنسانية لبشر يبرزون أسوأ غرائزهم.

تدور الأحداث في أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية


صدمة سينمائية غير إنسانية احتلت العقول لوقت طويل بعد انتهاء العرض، تذكرنا بأفلام مثل «تعال وانظر» (1985) للروسي إيليم كليموف و«من الصعب أن تكون إلهاً» (2013) للروسي أليكسي جيرمان، وبالتأكيد يذكرنا بتحفة أندريه تاركوفسكي «طفولة إيفان» (1962).
الفيلم صعب وقاسٍ لا يدخر شيئاً للمُشاهد، يجبره على المواجهة. ولكن هل هو مفرط، متطرف، متهور؟ من الصعب إطلاق هذه الصفات في السينما، ولكن بالتأكيد لا يمكن اتهامه بأنه لم يمتلك الشجاعة لفعل ما لم تفعله أفلام أخرى بسبب الحكمة أو الانتهازية أو الإحساس بالذنب أو شعارات مثل «على الفن أن يكون راقياً».
«الطائر الملون» سوف ينتف لأنه مختلف، والقوي سيأكل الضعيف، والذئاب ستذبح الخراف، وسترث الخرافات الأرض، ستأكلنا الأساطير. فيلم كتب من الدم والطين، أخرجه رجل يعرف ما يريد، وأطلق العنان للجحيم. لا تتخلل الفيلم فواصل للراحة... مشاهد رعب، وكل مشهد يلحقه آخر. هناك أوقات لا يمكن فيها النظر إلى الشاشة، لكن تبقى مصراً على المتابعة. لا يعجبك ما تراه ولكن تظل تبحث عن جديد. منذ البداية وحتى النهاية؛ آلاف الأسباب تهينك كإنسان وتبقى متابعاً، تنظر إلى أشياء لا تخصك، لا يكمن إصلاحها، ولا يمكن نسيانها. ولكن... لماذا؟ ببساطة لأن مرهول لا يطلب شيئاً من المشاهد ولكنه يقدّم الكثير. يقدم أسوأ الكوابيس بعيني صبي صغير.
يهاجم الفيلم بقوة حاسة النظر، والشم والذوق. يخرج أسوأ شعور لديك. وعليك أن تكون مجنوناً أو «عبقرياً» مثل المخرج والمؤلفين لتكمل الفيلم ــ إن استطعت. فأنت أمام جنون، قذارة، قيء وأحشاء. عصور مظلمة لأسوأ كوابيسك.
إنه عمل صعب الهضم، متطلب جداً بكل ما للكلمة من معنى. ثلاث ساعات من الانحراف الأخلاقي والاجتماعي والسياسي، غير الدقيق وغير القابل للقياس. لا يمكن تقييمه وفق المعايير التقليدية. مستقل بنفسه ليس له مثيل. مؤلم للعين والمشاعر والمعدة. رافقنا الصبي في القرى وعرفنا أن المخلوق الأكثر إثارة للاشمئزاز هم البشر. تم تصميم الفيلم ليدخلنا الى هذا المجتمع، مع حركة الكاميرا وهمجية الشخصيات وضبابية الصورة في الأبيض والأسود. وجعلنا نتمنى لو سحبت أظافرنا بدل مشاهدة الفيلم. ولكن ليس مطلوباً من الفن أن يكون جميلاً، المطلوب منه أن يحرك فينا المشاعر. والأكيد أنّ الفيلم جعلنا نشعر بالكثير.