أنسي الحاج

«الرواية الملعونة»
في غمرة موجة التحرّر الجارفة عام 1968 مرّت بنا قصّة أمل جرّاح «الرواية الملعونة» مرور التطوّر الطبيعي. نصح جبرا إبراهيم جبرا للكاتبة بعدم النشر تحاشياً لمواجهة «حملة أخلاقيّة»، وكان علينا، نحن رفاقه في لجنة تحكيم جائزة مجلة «الحسناء»، أن نشدّد عزيمتها ونحرّضها على النشر، وهو ما تقاعسنا عنه، كأننا، في حمّى صعود نجم ليلى بعلبكي وغادة السمّان وكوليت خوري، لم نميّز خصوصيّة الجرأة لدى أمل جرّاح، وكان من واجبنا أن نميّز. فليست هذه الرواية وثيقة تَحرّر أنثوي، بل هي شهادة مختلجة في قضيّة ستظلّ لاهبة إلى الأبد، هي عشقُ مراهقةٍ لأبيها.
لو نُشرت هذه الرواية في حينها لغيّرت مسار الكاتبة وشقّت درباً جديداً في عالم سرد الممنوع والمحرَّم والأكثر حميميّة و«عيباً»، لا أمام الرواية النسائيّة بل أمام الرواية عموماً. إن الشخصيّة التي نعايشها في هذا الكتاب هي أشدّ لَفْحاً وحَرْقاً من شخصيّة أمل الشاعرة، على رقّة شعرها وشفافيته وكونه شهادة فذّة، في وجه مهمّ منه، على معاناة مَرَضيّة مع القلب لازمتها طوال حياتها وجعلتها تعيش هاجس الموت عيشاً مقيماً، وهي المرأة الجميلة التي يتحرّج الهواء من أن يضايقها.
لا تزال «الرواية الملعونة» غضّة ساخنة، تضع قارئها في أجواء خطيئة تظلّ دوماً على شفا الحصول، حيث الشهوة مكسوّة بالحنان، والوشائج بين الفتاة وأبيها ملتبسة بعواطف أنثى في المُطْلَق وَذَكَر في شبه المطلق، والعبير عبير الكبت، الكبت الهائل، الكبت الذي لا يعود يحلو وصال بدونه، فَرْطَ ما هو ضغطٌ على كَنْز.
يا لضياع أقدارنا! كان أمام أمل جرّاح حقول واسعة، واكتفت بالقليل اتّقاءً للفضيحة. لكنّ الفضيحة، أيّها العزيز جبرا، كانت في تفاديها.




كتاب أحمد بزّون
ولا لحظة تنفصل الكتابة الإيروتيكيّة في مجموعة «رقص على إصبع واحدة» لأحمد بزّون عن الحبّ. «أسكنُ على حافّة جسدكِ كأنني حارس الهاوية»، يقول، والهاوية هي السقوط كما هي التجلّي. الذهن الملتهب والقلب الرقيق.الحواس وما لا يُلْمَس. الشبق الهاتك والغيرة. ولغة تسفر وتتحجَّب على إيقاعٍ يظلّ معتدلاً بشيءٍ من الخَفَر حتى في أشدّ المقاطع غُلْمةً.
كتابة تكسو الرغبة الجنسيّة بغلالة الرومنتيكيّة ويتعادل فيها الجموح الشهويّ مع الوجد. لا فرق هنا بين الجسد والروح. دفقٌ من الهيام يتصاعد معه بخور ما إن تظنّه بخور صلاة حتّى تراه بخور تقدِمة الضحيّة على مذبح الافتراس. والحال أن الأولى تفضي إلى الثانية والثانية تعيد إلى الأولى، والعكس إلى ما لا نهاية.
كتابٌ يفاجئ بصَهْره البساطة، بل المباشرَة، في الصعوبة، والمَزالقَ في السلاسات: «نسيلُ مع الحماوة كي نملأ المكان، ونأخذ شكل الإناء الذي نشرب منه». «كم صباح يحتاج وجهي لأبدأ حبّاً جديداً؟». «تركتكِ ساهمةً نحو شاب غريب، وأنتِ تطفحين بخَفَر الخيانة الأولى». «أخيراً خلعتِ الحجاب، ورميتِ جسدكِ للّهب، وأضأتِ شموعاً لإلهٍ غير إلهك». «لا تحاذري شيئاً، فهذا دمي يتثاءب، وشهوتي تدلف من سقف فمي، وأجنحتي تنهض، فأعوم فوق السرير كنسرٍ لا تكفيه أفعى واحدة»...
اللذّة والألم، مَرْكبٌ تستريح فيه العبارة من التصنُّع وتستنير بصدق التجربة، وإذا أوضحتْ أسرعتْ ولم تَسْتنقع، وإذا تجاسرتْ، ومهما أمعنتْ، لا تُنقص من ظِلال وجه العاشق، وتُشْعرنا كأنه سَكوتٌ لا يبوح إلّا بما لم يعد قادراً على كتمانه، وضمن جدران خِدْر الكتابة الحميمة.
وعُرْيُها، هذه الكتابة، يزيدها حميميّة، والمعشوقة فيها، ولو خالعة العِذار، تظلّ في حصن حصين تضعها فيه مسافات الشوق المتجدّدة.


الشيطان الوسيط
المنطقة الواصلة بين صورتَي المرأة المتعفّفة والمرأة المتهتّكة تبقى هي الحقل الأخصب لخيال الأدب الإيروتيكي، رغم استثناءاتٍ لدى البعض، أبو نواس من هنا وبودلير أو بايرون من هناك. يرعى الخيال الإيروتيكي بجسارة في تلك المنطقة لأنها ظليلة معشبة غامضة. هنا الموجتان. الليل والنهار. جبين الرأس وقفاه. الحرام والحلال. المنطقة المنزوعة السلاح. النائم لا يريد أن يوقظه أحد واليقظان لا يريد أن يغفو. إنّها الرغبة بين مدّ ومدّ، حفلة التخبّط الكبرى في يَمّ الإغراء.
بتبسيط، قلّما ينشأ أدب إيروتيكي من محض التغزّل بامرأةٍ طاهرة، أمّا الأدب الذي يحكي بخلاعة عن الجنس فهو أدب العري الخلاعي أو الإباحي الفاضح الذي تنحسر فيه، عادةً، العناصر الإيروتيكية إلى الاضمحلال.
الأدب الإيروتيكي يجمع بين الشهيّة الجنسيّة والفعل الجنسي والجانب العاطفي أو الميتافيزيكي. إيروس، الإله الإغريقي، هو المبدأ المحرّك للكون. استعمل أفلاطون الكلمة للدلالة على الرغبة الحسيّة، بصفة كونها «الانطلاقة الروحيّة نحو الوجود». وإيروس هو أيضاً الشيطان (دايمون) الوسيط بين الآلهة والبشر، وهو مولود من زواج الحيلة والفقر. الحديثون استبْقوا منه معنى مبدأ البناء والحياة المقابل لمبدأ الدمار والموت (تاناتوس)، وكانت السينما، الإيطالية منها خصوصاً، قد شرعت في صناعة أفلام إيروتيكيّة مميّزة لكنّ هجوم صناعة سينما البورنو عطّل هذه الموجة في بداياتها وأغرق العالم بأتفه ما يمكن أن تحمله الشاشة من استعراض لحوم وتجفيفٍ للخيال وشلٍّ للرغبة. لقد أجهضت هذه السينما إمكاناً عظيماً لتحرّر الإنسان، والأبواب التي كان بالوسع فتحها على المزيد من الحلم شُرّعتْ على خواءٍ تعافُهُ الخنازير.


■ ■ ■


بدأت الصورة القديمة للمرأة، سواء المحنّطة في وظائفها الاجتماعيّة والتناسليّة أو المحنَّطة في أدوارها المومسيّة، تهتزّ مع طلائع الرومنتيكيّة. جمعت صورة الأنثى المرغوبة، ابتداءً من هنا، عنصرَي الشهوة، غالباً مصعّدة، والعبادة، ولكنْ عبر معاناةِ ذاتٍ تعيد خلق المرأة، بل الحبّ، خلقاً شخصيّاً. حتّى انه يجوز لنا القول إن الأدب الرومنتيكي اخترع امرأةً جديدة، وليست هي المرأة التي تواجهنا بها الحياة اليوميّة، ولا الرجل هنا هو الرجل، فالجسدان الرومنتيكيان غمام وأحلام، والجنس تضحيات وتوريات، ويوشك أن لا يظهر من الجسد غير الوجه، وإلّا فبالمرض أو مُسجّى. لا ريب في خطورة الدور الذي أدّاه هذا الأدب على صعيد تأليه جمال المرأة. إنه لحظة مسحورة في تاريخ البشر تتجدّد دوماً في عمر كلّ شخص وتبقى ذكراها منحفرة كواحد من آثار مرورٍ سابقٍ في قصرٍ مسحور.
مع الرومنتيكيّة، انطلاقاً بالأخصّ من ألمانيا، انفتح على مصراعيه عهد «تأويل» الجمال النسائي وعواطف الحبّ تأويلات نفسيّة وميتافيزيكيّة لا يحدّها حد، فأضحت المرأة المعشوقة، وأكثر فأكثر بلوغاً إلى الذروة مع السورياليّة في القرن العشرين ـــــ الوسيط الأمثل بين المنتهي واللامنتهي، وبوتقة ينصهر فيها الكلّ في الجزء والجزء في الكلّ، والإلهيّ في الطبيعي والطبيعي في الإلهيّ، في أجواء الحنين المقيم إلى مجهولٍ دائم الجَذْب، مجهول ينبعث من تكراره ويتجدّد من رتابته. وطغت على العناصر جميعاً مشاعلُ الحدس والشعور والرغبة والخيال، واجتاحت الذاتيّة الرومنتيكيّة سدود العقلانيّة الديكارتيّة والتقشف الكلاسيكي وغرّزت أسنانَ السخرية الفرديّة في مقامات الرصانة التقليديّة والكلاحة البطريركيّة.
منذ الاجتياح الرومنتيكي تلاشت الحدود الواضحة بين الذاتي والموضوعي وتداخلت الرؤيا بالواقع. لكن الأدب العاري الخلاعي سابق لكلّ المدارس وفي كلّ اللغات، من الصين إلى العرب. فضل الحداثة منذ الرومنتيكيّة أنّها ركّزت على منطقة حائرة تقع بين الجسديّة والصوفيّة، كأنها الحصان المجنَّح، حيث الرغبة عاصفةُ إغراقٍ قَدْر ما هي ذراعٌ لاختراق الموت.

■ ■ ■


نحبّ الجسد ولا نثق به. نطرب إليه ونخافه. نُجنّ به ونشمئزّ منه.
يأتينا الحبّ في محطّات معيّنة حبّاً لموجود في غير الموجود أو حبّاً لغير موجود في موجود. هذا الضياع ربْع المبصر هو الينبوع الأكبر للتجاذب والحلم، كما أنه المصدر الرئيسي للآداب والفنون، ومحرّك الحياة في الكائنات بأسرها. سمّهِ روحاً أو هورموناً، سمّه غريزةً أو حاجة، يبقى هو نفسه، تتغيّر تجليّاته ولا يتغيّر سرّه، تتطوّر وسائل مقاربته ولا يزال في بدايات الإعلان عن نفسه، وكلّما تقدّمتْ بنا الوسائل ازداد هو التباساً، وهذه كبرى رحماته.

■ ■ ■


وهل التجاذب إلّا استثمارٌ للهاوية الفاصلة بين فريقين؟ هاويةٌ ربما تكون قاعاً صَفْصفاً وربّما تكون مرآة أو بحيرة، وفي جميع الأحوال هي الفخّ الطيّب والخطأ الجميل اللذان يشكّلان منذ الأزل واحداً من الأسئلة الكبرى، وجوهَر الالتهاء عنها في دوّامةٍ واحدة.